المحاكمات عن بعد تسجل رقما مهما باستفادة 9391 معتقلا وادراج 7996 قضية في أسبوع    فيينا. بوريطة يؤكد على التزام المغرب بروح معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية    زعماء الأحزاب السياسية يلتقون العثماني في ثاني جولات المشاورات حول الانتخابات    "inwi money" يطلق خدمة استلام التحويلات المالية الدولية من 50 بلدا    أولا بأول    حارس اتحاد طنجة حاضر في القائمة الأولية لخاليلوزتش    قبل الديربي.. استعادة الوداد لخدمات لاعبيه وتأكد غياب كدارين"    تصريحات إعلامية لنادل مقهى في قضية زجرية تجره للتحقيق بطنجة    بعد اصابته بفيروس كورونا..عزيز الرباح يخضع لحجر صحي إلزامي ويدعو المغاربة إلى الالتزام بشروط الوقاية    جمعية النضال الأخضر تنطلق في تنزيل مشروعها للمساهمة في حماية البيئة البحريةبمدينة العرائش برسم جداريات فنية    المستشفى الميداني الذي أقامه الملك ببيروت.. إقبال متزايد على خدمات طبية نوعية تحظى بالتقدير والامتنان    وضع استراتيجية لتدبير الجائحة..هذه حصيلة "السياش"    الرجاء البيضاوي يتغلب على ضيفه الدفاع الحسني الجديدي (3-1)    برشلونة ممنوع من إبرام صفقات جديدة    إصابة غوندوغان لاعب السيتي بفيروس كورونا    جاهزية مزراوي تدفع ديست لمغادرة اجاكس    محطات طرامواي الدار البيضاء تغير أسماءها بسبب كوفيد-19    الدار البيضاء.. توقيف شخص متلبسا بحيازة 4800 قرص مخدر    جمارك طنجة تداهم مصنعا سريا لصناعة الأكياس البلاستيكية    زوج يقتل زوجته مباشرة بعد خروجه من السجن باشتوكة آيت باها    شيك 100 مليون يقود إلى اعتقال شرطية بآسفي !    آن أوان الاستيقاظ: تصور أكثر إشراقًا لمستقبل المرأة    المغرب يتراجع في سرعة الأنترنت عبر العالم !    لأول مرة.. المغرب يرأس الدورة ال64 لمؤتمر الوكالة الدولية للطاقة الذرية بفيينا    زيدان: لست محبطا من التعادل أمام سوسييداد والأداء سيتحسن تدريجيا    صراع بين حمد الله وبونجاح وتشافي يحذر!    البحرية الملكية حصلات مغربي وصبليوني مهربين نص طن ديال الحشيش فسواحل القصر الصغير    M6 تسأل الجزائر: كيف لبلد غني بالبترول والغاز أن يفكر شبابه في "الحريك"؟    حصيلة الحالة الوبائية بجهة فاس.. 66 حالة شفاء و65 حالة مؤكدة وأربع وفيات    فيروس كورونا ينهي حياة شخص آخر في مدينة سبتة المحتلة    انتخاب جمال ألحيان من أكادير رئيسا للاتحاد المغربي لأرباب ومسيري قاعات الحفلات    موظفو التعليم يعودون لحمل الشارة السوداء والاضراب    اعتماد التعليم عن بعد بمؤسسات تعليمية بعد ارتفاع إصابات "كورونا" بسلا    مغاربة في رسالة إلى كوبل أكادير: كنبغيوكم بزاف ولا للتنمر    على هامش مقتل الطفل عدنان .. هذا رأي الرميد في عقوبة الإعدام    كوفيد 19: حملة تعقيم واسعة بميناء الصويرة بعد قرار إغلاقه    بالصور.. بعد إيمان الباني النجم التركي emrekzlrmk يخطف قلب الفنانة المغربية ليلى    محمد السالم و جميلة في ديو و بالبنط العريض ثالثهما    نسرين الراضي مرشحة لجائزة الأمل الإفريقي    إعتقال المخرج السينمائي السوداني هشام حجوج كوكا    "ملفات فنسن".. تريليونا دولار من الأموال المشبوهة تدفقت لسنوات عبر أكبر المصارف العالمية    طقس بداية الأسبوع..حار داخل الأقاليم الجنوبية وسوس    الدكتور مصطفى يعلى يكتب : أفقا للخلاص في رواية "ليالي ألف ليلة" لنجيب محفوظ    منظمة الصحة العالمية تراهن على الأعشاب الإفريقية لعلاج كورونا    قناة فرنسية تنجز تحقيقا حول الفساد وقمع الحريات بالجزائر    دعوى تتهم فيسبوك بتشغيل كاميرات إنستغرام دون علم المستخدمين    كورونا تضرب بقوة في جميع أنحاء العالم.. أغلقت مدريد وضحاياها يتجاوزون عتبة 200 ألف وفاة في أمريكا    جدلية المعنى ووهم الفهم.. كيف يمكن أن نرسم سبل الخلاص؟    استمرار البحث عن تسعة مفقودين جراء انفجار بيروت    السلفي الكتاني يبرر "غزوة" فقيه طنجة : "الزنى لا يثبت إلا بأربعة شهود" !    لا وقت للفكر القديم    سيناريو فوز ترامب في الانتخابات الأمريكية القادمة    لامارك لاكوست تخلات على روابا متهمين فقضايا ديال الاعتداء الجنسي    مكتب التحقيقات الفدرالي يحدد مصدر طرد سام تم إرساله إلى ترامب    وزير الأوقاف والشؤون الاسلامية أحمد التوفيق: يتعذر حاليا فتح المساجد لصلاة الجمعة    حتى يغيروا ما بأنفسهم    وزير الأوقاف: "المساجد لن تفتح لصلاة الجمعة إلا بانخفاض أو زوال جائحة كورونا"    دافقير يكتب: عصيد.. فكرة ترعب طيور الظلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





التمرّد الفردي المقابل الأخلاقي للحرب


نشر في العربي الجديد يوم الثلاثاء الماضي..
تُحِبُّ لبنان، فتقرأ أمين معلوف، تلجأ إلى كتابه الأخير فتفهم العرب، يفتح الكتاب، «غرق الحضارات»، باباً مشرعاً لفهم ما جرى في الشرق الأوسط، وما يجري في جواره العالمي، غير أنه مناسبة أيضاً لحوار عميق عما أضاعته دول شرق المتوسط وغربه من فرص، وأيضاً من سبلٍ، لكي تقفز نحو منطقة العالم الحديث، وما أضاعته العرب، تاريخاً لا عِرْقاً، مع ضياع مراحل الناصرية، واليسار بتلاوينه، وأيضاً ما أضاعوه عندما فقدوا المواطنة..
أمين معلوف صوت من الأعماق، يستطيع أن يحول الحدس إلى نبوءة، ويذكّرنا تقديم كتابه بأن صاحب «ليون الإفريقي» سبق له، منذ عشرين سنة، أن أبدى قلقه من «الهويات القاتلة»، قبل أن تصبح معيشاً يومياً للدائرة العربية الإسلامية، ثم البشرية جمعاء من بعد، تُكيِّف المزاج العام للحضارات، كما تقنن الخيال السياسي في العالم، لتنتج بذلك أنظمةً سياسيةً من طراز جديد.
سبق لأمين معلوف، قبل انتخابه عضوا في الأكاديمية الفرنسية في 2011، في الكرسي الذي شغله عالم الأنتروبولوجيا الكبير، كلود ليفي ستراوس، أن كتب عن «اختلال العالم»، وهو يتحدّث عن غرق حضارات، وعن جناتٍ محترقات، تذكّرنا بالاختلال النهائي القادم.
بماذا يذكرنا «صاحب» الحروب الصليبية كما يراها العرب؟ بأشياء عاشتها شعوب الشرق والغرب المتوسطي، في خمسينيات القرن الماضي وستينياته وسبعينياته، لكنها صارت اليوم أمنية، بل الحل للحريق الشامل الذي نعيشه !
لِنَقُلْ إن الشرق، في لحظة يسار وطنية أو أممية، اقتسم مع العالم كل أحلامه، وقواميس لغته الإنسانية، ورسم لنفسه قدَرا من التاريخ لم يقتصر المشترك بين دول الشرق المتوسطي ودول غربه على الطموحات، بل أيضا على جزء كبير من الأوهام؛ لكنها كانت أوهاما تقيم في التاريخ لا في الماضي. هذه «المساواة» مع العالم تبدو اليوم منسيةً، كما تم نسيان أن العرب والمسلمين كانوا جزءا من جغرافيا الأفكار المتصارعة حول معنى الإنسان.
من المفيد أن نذكّر بأن شعوب اليوم أنسنت جزءا من تاريخ كبريات الأيديولوجيات التي كانت تضع الانتماء إلى الوطن، ثم إلى دائرة إنسانية أوسع قبل القبلية، والطائفة والسلالة والمياه الإقليمية للخراب الوطني. اقتسمت شعوبنا هذا القدر، لأنها احتضنت، بكل دياناتها ومذاهبها، حركة يسارية علمانية طوال ستة عقود من القرن الماضي «كأيديولوجية لائكية، باعتبارها ظاهرة دالة وذات معنى لا يمكن إلا أن نأسف لغيابها»، بلغة صاحب «غرق الحضارات»، ففي هذه الحيوية العامة، كان الجميع يجد فيها (علمانية أو تقدمية قومية أو يسارية أممية) ضالته، «وهي وحدها التي كان المسلمون والمسيحيون واليهود وكل الطوائف يجدون فيها مكانا يلتقون تحت سقفه جنبا إلى جنب».
يستحق هذا الوصف أن يعمّم على الشعوب، من لبنان إلى العراق، وهي تتحرّك بحثا عن «مواطنة فردية» لا تحتمي بظلال السيوف والقبائل. فرد مواطن ينتمي على أساس الفكرة، أو الأيديولوجيا أو المشروع الإصلاحي. ففي العراق مثلاً، «لكي يستطيع عراقي ما أن يلعب دورا، لا بد له بالضرورة أن ينتمي إلى واحدٍ من المكونات الأساسية الثلاثة للأمة: الشيعة، السنة، أو الأكراد؛ وليس هناك اليوم ولو حزب واحد يمكنه أن يجد موطئ قدم في مناطقهم الثلاث في الآن نفسه!».
الانتماء الفردي إلى تنظيم سياسي مبني على المشروع هو أعلى درجات التنظيم، إذ إن الارتقاء فوق الطائفة يحرّر من قيود منطقها؛ وهو ما يؤدي، في النهاية، إلى تحرّر المجتمع، ويبدو أن ما يحدث اليوم في الشوارع التي تحكمها الطوائف أن التمرّد الجماعي على أحكام الطائفية يولد الفرد القادر على ممارسة مواطنة فاعلة، تعيد تعريف الوطن والوطنية.
الجيل الذي اعتبروه بدون وعي سياسي، والذي انهارت أمامه الدولة، والمنظومات الكليانية التي تحالفت ضده (كليانية القبيلة، والطائفة والتدين الجماعي بطقوس انزوائية)، هذا الجيل هو الذي سيعيد بناء الدولة، والفرد المواطن الذي لا يربطه بهذه الدولة سوى العقد الاجتماعي المتعارف عليه كونيا، إن ممارسة «صلاحيات» المواطنة، في السياق الملتهب حالياً، لا سيما في لبنان والعراق، التي لا تحتاج إلى عودةٍ دائمةٍ ومُرضيةٍ إلى الانتماء الطائفي أو العرقي، هي التي بمقدورها أن تنقذ البلاد من الانهيار الشامل وعليه، يصبح الحديث عن انتخابات ومؤسسات ونقاش سياسي وفضاء عمومي مجرّد حديثٍ لا معنى له والفردانية المنتجة والمواطنة لا تحتاجان إلى «ضامن ميتافيزيقي»، أيا كان جوهر وجوده لكي تكونا، بل تحتاجان إلى تعاقد مؤسساتي قائم على شرط وجودهما.
بالعودة إلى أمين معلوف، لا يمكن إغفال العمق الكبير لفكرته التالية: «الفكرة السائدة اليوم هي أن العالم العربي تسكنه بشرية مغايرة» تعيش شعوب عربية أخرى أشكال الفردانية الضرورية بصيغ وأسئلة مغايرة، كمثال على ذلك المغرب وتونس اللذان يطمح فيهما النقاش العام إلى طرح الحرية الفردية في درجاتٍ أعلى لتحقق الفردانية الإيجابية، حرية تضع شروط نضجها ما بعد التوافق على طبيعة الدولة المؤسساتية بين كل المكونات (عبر دساتير ولدت من رحم الحراكات الجماعية)، ومن شروط ذلك حريات جوهرية، كحرية التصرف في الجسد، وحرية مناقشة الإرث وحرية الفرد في حياته الجنسية، بناء على مقومات التعاقد الكوني حول الموضوع، في مواثيق صارت هي نواميس العالم الحالي.
من المحقق أن المجتمع لا يطرح إلا الأسئلة التي يستطيع الإجابة عليها، وربما ذلك ما تفعله شعوب الشرق الأوسط وغربه، بصيغ مختلفة، وبأفق واحد، وإن اختلفت الروزنامة التاريخية لذلك. وأحد الأسئلة التي تستوجبها مرحلة ما بعد الحروب والحراكات و«الفوضى الخلاقة»، هو ما طرحه الأمريكي ويليام جيمس في ندوة أمام طلابه، أوردها كتاب «غرق الحضارات» كالتالي: بما أن أزمنة الحرب تعبئ الطاقات، وتستخرج من كل كائن بشري أفضل ما يمكن تقديمه، أي الرفاقية والتعاضد والحماس ونكران الذات، ألا يحسن بنا، كما يفعل بعضهم، أن نتمنّى «حربا جيدة، أو صالحة لكي نقضي على اللامبالاة والتراخي؟»، كان جوابه أنه علينا أن نبدع، داخل مجتمعاتنا «مقابلا أخلاقيا للحرب»، أي معارك سلمية تستوجب القيم نفسها، وتعبئ الطاقات نفسها بدون المرور عبر الجرائم والفظاعات التي تنجم عن الحروب.
التمرّد الفردي، في سياقات بناء الكيان الجماعي المتحرّر، هو المقابل الأخلاقي للحرب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.