برشيد تعزز تموقعها الصناعي بإطلاق وحدة جديدة لإنتاج الألياف البصرية    إحالة اللاعب أشرف حكيمي إلى المحاكمة في قضية تعود إلى 2023    لماذا ينتقل المزيد من نجوم كرة القدم العالميين إلى الدوري السعودي للمحترفين؟    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأربعاء    فرنسا تطلب تفسيرا من السفير الأميركي لعدم الامتثال لاستدعائه    غانم سايس.. "الكابيتانو" صاحب الصوت الهادئ والطموح في غرفة ملابس    أحداث العنف بالمكسيك تهدد مباريات مونديال 2026    بورصة الدار البيضاء تستهل تداولاتها بأداء قريب من التوازن    قتلى في تحطم مروحية للجيش الإيراني    بلغة الارقام.. واردات مائية مهمّة ترفع مخزون سدود المملكة خلال 24 ساعة    تراجع المداخيل وارتفاع فوائد الدين يرفعان عجز الخزينة إلى 9,6 مليارات درهم        إيران تسمح لطلاب الجامعات بالتظاهر وتحذرهم من تجاوز "الخطوط الحمر"    برشلونة يكذب تورط لابورتا في غسل الأموال    الصين تجدد التزامها ببناء نظام دولي أكثر عدلاً في مجال حقوق الإنسان    لقاء بين بنسعيد وجمعية خريجي المعهد العالي للفن المسرحي يناقش الإدماج المهني والدعم المسرحي    بوليفيا تعلق اعترافها ب"الجمهورية الصحراوية" المزعومة    ألباريس: العلاقة بين المغرب وإسبانيا من بين "الأكثر متانة" في العالم    من الدار البيضاء.. إطلاق التحالف المغربي لجمعيات مرضى السرطان لتعزيز العمل المشترك انتخاب لطيفة الشريف رئيسة للتحالف    استنفار دبلوماسي مغربي في مكسيكو لحماية الجالية بعد الانفلات الأمني    مجلس حقوق الإنسان.. بلكوش: مشاركة مغربية وازنة في خدمة أجندة متجددة لحقوق الإنسان    تصعيد نقابي بتطوان رفضاً للتضييق على الاحتجاج    بوليفيا تعلق اعترافها ب"الجمهورية الوهمية" وتستأنف علاقاتها مع المغرب    عامل إقليم الجديدة يطلق عملية ''رمضان 1447ه'' لفائدة أزيد من 10 آلاف مستفيد    6 سنوات سجنا لسارق بأزمور.. استهدف 14 سيارة رفقة شريكيه الموجودين في حالة فرار    الفرقة الوطنية للشرطة القضائية تحقق مع أطباء بأزمور والجديدة في ملف ''الحوادث الوهمية''    واتساب يطلق ميزة كلمة مرور إضافية لتعزيز أمان الحسابات على iOS وأندرويد    فيلم "رسائل صفراء" المتوج ب"الدب الذهبي" يُجْلي العلاقة بين السياسة والأسرة    إعلان موعد إجراء الامتحان الموحد الجهوي لنيل شهادة السلك الإعدادي -فئة الأحرار- بإقليم شفشاون    سائقو سيارات اجرة يحتجون أمام مفوضية الشرطة ببني بوعياش    الطوب واللنجري يعيدان «منتخب القرب» لتطوان وينشدان محاربة الفوارق المجالية خلال زيارات لأحياء هامشية    استهداف الأسماك الصغيرة يهدد مستقبل الصيد التقليدي بالحسيمة    مقتل "إل منشو" يشعل المكسيك ويهدد مستقبل المونديال    افتتاح الدورة الثامنة لليالي الشعر الرمضانية    مدريد عاصمة الصحراء المغربية مرّتين    نداء الضمير وحتمية الرد    يجب الانتباه إلى مكر الثعالب الانتخابية وتجار المآسي    المشاهدة في رمضان: القنوات الوطنية تهيمن ب 70.4 % ودوزيم تحقق الريادة وقت الإفطار    شركة الطيران الإسبانية "إير أوروبا" تطلق خطا جويا صيفيا جديدا نحو طنجة    بورصة الدار البيضاء تغلق بأداء سلبي    إيقاف بريستياني لاعب بنفيكا عن مواجهة ريال مدريد إثر اتهامه بالعنصرية    الجولة 13 من البطولة الاحترافية تكرس زعامة الرباعي وتعمق جراح القاع    بين الإقبال الكبير وسيل الانتقادات.. هل فقد "بنات لالة منانة" بريقه؟    "فيفا" يدعم تكوين المواهب في المغرب    بولتيك يطلق برنامج "مور الفطور" لإحياء ليالي رمضان 2026 بالدار البيضاء    منتجات "ديتوكس" .. آثار سلبية وتدابير صحية    لماذا تبدو شخصيات الشر متشابهة في المسلسلات المغربية؟    أرض احتضنتنا.. فهل نحترم نظامها؟    ين قصر إيش والفياضانات: رمضان يجمع الألم والأمل            دراسة: تعرض الرضع للشاشات لفترات طويلة يؤثر على نمو الدماغ    السلطات الماليزية توقف رجلاً زعم لقاء الأنبياء في سيلانجور    متى يكون الصداع بعد السقوط مؤشرًا لارتجاج المخ؟    علماء يطورون لقاحًا شاملاً ضد نزلات البرد والإنفلونزا و"كوفيد-19″    عمرو خالد: الضحى والشرح والرحمن .. توليفة من القرآن لتخفيف الأحزان        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فتحي المسكيني: الإنسان هو الكائن الوحيد الّذي يمكنه أن يتمتّع بمدوّنة «حقوق»
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 20 - 04 - 2021

سعينا في حوارنا مع الفيلسوف التّونسيّ فتحي المسكيني إلى محاولة قراءة نتائج وارتدادات وباء كورونا من وجهة نظر فلسفيّة، وقد تمخّض عن الحوار خلاصات على درجة عالية من الأهميّة، اتّضحت في بنية النّص الفلسفيّ الحواريّ والسّجالات الّتي طرحها، والّتي حتماً سوف تُثير إشكاليات كثيرة. تشابك فيلسوفنا مع ما يعتبره كثيرون من اليقينيات، لا سيّما المرتبط منها بالعلاقة بين الدّينيّ والواقعيّ المؤلم؛ فما "صنعه الإله التّوحيدي" حول صورة الإنسان كسرته وحشيّة الوباء.
عزّز وباء كورونا الرّغبات عند عدد كبير من النّاس بالعودة إلى الحياة البسيطة والهروب إلى الأرياف خوفاً من المدينة، حيث يلاحظ المراقب أنّ ثمّة لغة شائعة على وسائل التّواصل الاجتماعيّ في العالم العربيّ ولدى بعض الكتّاب تطالب وتدعو إلى الابتعاد عن ضغوط المدن الكبرى. هل يؤشّر ذلك إلى ارتكاسة في التّحضر أو التّمدن البشريّ أم هو حنين بَدْئِيّ؟
_ كتب هيدغر مرّة نصّاً تحت هذا العنوان:" لماذا نحن نبقى في الرّيف؟Warum bleiben wir in der Provinz? نُشر سنة 1934. طبعاً، لم يكن السّؤال متعلّقاً بأيّ نوع من الوباء، كان يهمّ التّساؤل عن معنى اختيار البقاء في الرّيف بدل الاندماج النّهائيّ في حياة المدينة. وما يلفت النّظر هنا هو أنّه قدّم الرّيف بوصفه مكاناً مناسباً لعمل الفيلسوف، ذلك أنّه عمل "من نفس نوع" عمل المزارع في حقله؛ ولأنّ المزارعين قليلو الكلام، كذلك الفيلسوف: إنّ الرّيف حسب هيدغر هو مكان مناسب للصّمت. إنّه حديقة "الأسئلة القديمة" بعيداً عن ضجيج الحضريين الّذين يتعجّبون، كما يقول هيدغر، من "انعزاله الطّويل والرّتيب في الجبال بين القرويين". ويجيبهم قائلاً:" ومع ذلك هو ليس انعزالاً، وإنّما هو وحدة. ففي المدن الكبرى، يمكن للإنسان أن يكون بكلّ يسر معزولاً أكثر ممّا يكون في أي مكان آخر. لكنّه لا يستطيع أبداً أن يكون وحيداً. ذلك أنّ الوحدة لها القدرة الطّريفة تماماً على ألاّ تعزلنا، بل بالضّد من ذلك هي تستطيع أن تُلقي بالوجود كلّه في حضن القرب الشّديد لماهيّة كلّ شيء".
هذا التّرف الميتافيزيقي لم يعد ممكنا. ولذلك أشار بيتر سلوتردايك ذات مرّة إلى أنّ من يعود اليوم إلى القرية هو لا يعود إليها كما كان يظنّ الرّومانسيون، بل هو يعود بطريقة "ما بعد تاريخيّة": نحن نحمل معنا إلى القريّة كلّ إمكانيّة المدينة الحديثة الّتي شكّلت ليس فقط هويّاتنا بل أجسامنا أيضاً.
إنّ الوباء يضع كلّ علاقة رومانسيّة بالطّبيعة أو بالرّيف موضع سؤال. ذلك أنّ "النّاقل" الوبائي ليس رومانسياً أبداً. ولذلك فكلّ عودة إلى الرّيف هي قد فقدت كلّ مزاج شعريّ وتحوّلت هي بدورها إلى نوع من سياسة الحياة في زمن الوباء. وعلينا أن نسأل: إلى أيّ حدّ يحقّ لأحدهم أن ينقل العدوى إلى القرويين الّذين كانوا دوماً يوجدون "خارج" منطقة الوباء الّذي انطلق من مخابر المدن؟ هذا النّوع من الهجرة نحو الدّاخل تجعل هؤلاء "المهاجرين" أو "اللاّجئين" الوبائيين خطرا بيئيّاً يهدّد "أبرياء" لا يفهمون معنى "الحجر المنزليّ" (الّذي هو مصطلح حضري) لأنّهم بالأصل "متوحّدون" في أراضيهم وحقولهم و"منازلهم" بالمعنى الحرفيّ: "المنزل" هو مكان "النّزول" من سفر أو من ركوب أو من عل؛ وهو على الأرجح معنى مختلف عن "البيت" الّذي يناسب "مسكن" الحضريين. البيت له داخل مستقرّ، أمّا المنزل فهو علامة على الحركة الدّائمة ومن ثمّ هو مكان نزول فحسب. فلا نقول "منزل الله" بل "بيت الله" مثلا.
إنّ ما يميّز سكّان القرن العشرين والقرن الحالي هو كونهم، حسب تعبير ميشال سار في كتابه الرّشيق "العقد الطّبيعي" (Le Contrat naturel) (1992)، أصبحوا يعيشون "في الدّاخل"(à l'intérieur) بلا رجعة: صاروا يعيشون في "زمن"(temps) لم تعد له علاقة "بالطّقس" (temps). صاروا يوجدون في مكان حيّد علاقته بالفصول. ولم يعد للنّاس من علاقة إلاّ ب"شبكاتهم". وبعبارة حادّة يقول ميشال سار: "لقد فقدنا العالم؛ لقد حوّلنا الأشياء إلى أصنام(fétiches) أو سلع...وفلاسفتنا، الّذين صاروا بلا كسموس، منذ نصف قرن، هم لا يتدارسون إلاّ حول اللّغة أو السّياسة، حول الكتابة أو المنطق". لكنّ الأخطر من البشر هو كونهم قد عاملوا الطّبيعة من حولهم بوصفها عدوّاً رئيسيّاً. وصار كلّ الفعل البشريّ عبارة عن "تلويث" مقصود، بحيث يمكن اعتبار "وسخ العالم بمثابة علامة على الإنسانيّة". وصار للإنسان دور عالمي جديد: دور «الطّفيلي» (parasite).
يقول ميشال سار:" إنّ الطّفيليّ يخلط غالباً بين الاستعمال وسوء الاستعمال: هو يمارس الحقوق الّتي يمنحها لنفسه بإلحاق الضّرر بمضيفه، وفي بعض الأحيان دون منفعة لنفسه: هو يقوم بتدميره دون إدراك ذلك". وفجأة صار كلّ النّشاط الإنسانيّ مجرّد "فعل طفيلي" هو "يأخذ كلّ شيء ولا يردّ أيّ شيء على خطّ له اتّجاه واحد". ومن ثمّ يدعو سار إلى مراجعة "العقد الاجتماعيّ" الّذي أدّى إلى نزعة طفيليّة تقوم على اعتبار الإنسان هو الكائن الوحيد الّذي يمكنه أن يتمتّع بمدوّنة "حقوق"؛ ومن ثمّ تعويض تلك العلاقة الدّيكارتيّة (علاقة إنسان يستعمل التّقنيّة من أجل أن يكون بمثابة مالك وسيّد على الطّبيعة) وتعويضها بعلاقة تقوم على "عقد طبيعي" حيث تتحوّل الطّبيعة إلى "ذات حقوقيّة".
كان الإنسان طفيلياً لأنّ:" الطّفيلي يأخذ كلّ شيء ولا يعطي شيئاً؛ والمضيف يعطي كلّ شيء ولا يأخذ شيئاً". لكنّ علاقة "السّيطرة" الدّيكارتيّة للحداثة قد أدّت إلى علاقة طفيليّة بالطّبيعة. وصار يجب السّيطرة على تلك السّيطرة.
كلّ هذه الإشارات الطّريفة سرعان ما تأخذ دلالة مخيفة بمجرّد أن نعرف أنّ فيروس كورونا صار هذه المرّة هو الطّفيلي الّذي وصفه ميشال سار: إنّ الفيروس يعامل رئة البشر بوصفها مجرّد مضيف يعمل على أخذ كلّ شيء منه دون أن يمنحه شيئاً.
وهكذا فإنّ الهروب إلى الرّيف هربًا من الكورونا هو بمثابة احتماء بالطّبيعة الّتي عاملها الإنسان الحديث بوصفها مجرّد "موضوع" للسّيطرة والتّملك.0


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.