قرر مجلس جماعة الدارالبيضاء فرض دعائر مالية على المواطنين الذين يرمون بالنفايات في الشوارع والساحات وغيرها، ولم يحدد إلى حدود الآن قيمة الذعيرة للمخالف. قرار يعد هو الثاني من نوعه بعد أن فرض المجلس زيادة في الرسم المتعلق برخصة إصلاحات منزلية منتجة للنفايات الهامدة. المدبرون على رأس جماعة الدارالبيضاء في ظرف سنة وشهور لم يأتوا بأي مخرجات سوى استهداف جيوب المواطنين البسطاء وفي هذه الظرفية الاقتصادية الحالكة المتميزة بارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة. فكرة فرض ذعائر على ملوثي البيئة لايمكن أن يعارضها أحد، لكن في حالة الدارالبيضاء لابد أن نتوقف قليلا ونستقرئ مسار هذا القطاع، وكم من الملايير يتم صرفها بشأنه، وأي نتائج نتحصل عليها؟ في البداية لابد أن نعلم بأن شركتي النظافة اللتين تعملان في المدينة تتحصلان كل سنة على مبلغ 100 مليار سنتيم، أي ثلث ميزانية الجماعة، هذه المئة مليار خاصة فقط بنقل النفايات المنزلية إلى المطرح ولا تدخل ضمنها مهمة جمع النفايات الهامدة، لأن المدبرين لم يدمجوا هذا النوع من النفايات في دفتر التحملات الذي يربط بين الجماعة والشركتين، فهل تحصلنا على النظافة المرجوة؟ بحسب المتتبعين للمجال البيئي مازال هذا الهدف بعيد المنال في العاصمة الاقتصادية لأن تدبير القطاع يشتكي من عدة أعطاب، أولها مجالي، فخطاب جلالة الملك لسنة 2013 أمام قبة البرلمان الذي أفرد فيه كلمة مطولة للعاصمة الاقتصادية، وشخص حالتها المتذبذبة ركز على شيئين مهمين: الأول هو ضعف الحكامة والثاني هو غياب العدالة المجالية. هذا الخطاب أعقبه تسطير برنامج تنموي للمدينة يمتد من 2015 إلى 2020، وتم تخصيص مبلغ 3400 مليار سنتيم من أجل تنزيله. خلال هذا البرنامج أعيدت بشكل شبه جذري كل البنى التحتية للمدينة وشيدت عدة معالم وتمت إعادة تأهيل الأخرى المتوفرة، وتم إعادة النظر في جل الخدمات على رأسها النظافة لتتحقق الأهداف التي رسمتها الدولة لهذه المدينة في أفق جعلها عاصمة للمال والأعمال، ونقطة جذب للاستثمارات الأجنبية، في تلك الظرفية تمت مراجعة عقدة تدبير قطاع النظافة حتى وصلت إلى المبلغ الذي ذكرناه سابقا، لكن رغم كل هذه المجهودات، هل نجحت المجالس المتعاقبة على تدبير شؤون المدينة في تحقيق العدالة المجالية، أي النقطة الثانية الأهم في الخطاب الملكي ؟ فالبرنامج التنموي جاء لينهض بالمدينة في شموليتها خاصة على المستوى المجالي، حتى تظهر جودة الخدمات المخصصة للمدينة، مازالت أحياء الدارالبيضاء تعيش على إيقاع التناقضات، أحياء تمت تنميتها اقتصاديا منذ القديم ومازالت تحصد أجود الخدمات والاستثمارات وأخرى مازالت مظاهر البدونة تنخر جنباتها ولا تستفيد من استثمارات تنهض بالأحوال الاجتماعية لساكنتها، ومازال مجالها يعاني من العشوائية والأتربة وما إلى ذلك. والشيء المؤكد أن مثل هذه الأحياء لن تظهرعليها مجهودات النظافة أو أي خدمة من الخدمات، لأنها أقصيت من التأهيل اللازم والعناية المفروض أن تتوفر لها كما توفرت لأحياء أخرى . مدبرو المدينة الذين يفكرون في فرض ذعائر على المخالفين للشروط البيئية، لا بد وأن مخيلتهم تعني ساكنة هذه الأحياء، أي الأحياء التي لم يوفروا لها أي شيء ولم يتحلوا بالجرأة التدبيرية اللازمة كي ينقلوا لها استثمارات من حجم تلك الموزعة في عين الذئاب وآنفا والمعاريف وغيرها من الأحياء التي تنعم في بحبوحة الخدمات الجيدة. قطاع النظافة هذا، وكما أشرنا، يعاني أعطابا جمة، فلا تدري حقيقة من يتحكم في مفاصيله، هل هو المجلس الجماعي ؟ أم شركة التنمية المحلية « كازا بيئة «؟ أم الشركات الموكول لها هذه الخدمة ؟ فالمدبرون وشركة التنمية المحلية فشلوا كما قلنا في دمج مهمة نقل النفايات الهامدة داخل العقدة التي تربط المدينة بالشركتين، إذ أصبح لزاما على خزينة المدينة توفير مايناهز 20 مليار سنتيم سنويا لمواجهة النفايات الهامدة، وهو مايثقل كاهل هذه الخزينة المفلسة أصلا، لذلك ومن بين الحلول السهلة التي لجأ إليها المدبرون الحاليون هو الذعائر وما يماثلها، خاصة وأن وزارة الداخلية في مناسبتين وفرت ما قيمته 15 مليار سنتيم لتنقية الدارالبيضاء من ركام هذه النفايات، وهو تدخل يندرج ضمن إنقاذ «حصلة» الجماعة التي عليها أن ترد هذه المبالغ للوزارة المعنية، وفي نفس الوقت البحث عن 20 مليار سنتيم في كل سنة كي لا تغزو تلال الآجر شوارعها.. العقدة التي تربط شركات النظافة بمجلس مدينة الدارالبيضاء تنص على تخصيص مليار سنتيم تدخل ضمن عملية التحسيس لفائدة الساكنة لتسهم في جعل المدينة نظيفة، هذا البرنامج لا أحد يتحدث عنه ويجهل كيف تصرف مبالغه، بل يكاد المتتبع يجزم بأن ليس هناك أي برنامج تحسيسي، ماعدا إذا استثنينا ذلك الفلكلور التي تشهده مناسبة عيد الأضحى حيث تظهر جمعيات من العدم وتبدأ في توزيع الأكياس البلاستيكية على العائلات، وكأننا بصدد التعامل مع عائلات من العهد القديم لا تعرف أين تضع نفاياتها وأزبال منازلها، منظر أصبح معهودا ومملا في الوقت الذي كنا ننتظر من برامج التحسيس أن ترقى إلى مستويات أعلى، تقدم نصائح ذات بعد علمي للأسر في كيفية التعامل مع النفايات التي تنتجها، وأن تستهدف هذه البرامج الأطفال والنساء على وجه الخصوص بشكل دائم طيلة السنة، لكننا نكتفي ب»تشتيت» البلاستيك على الإقامات، وهناك من الجمعيات من تصبح لديه تجارة في هذه المناسبة، بمعنى آخر أن حجم المبالغ المخصصة لعملية التحسيس لا وقع له على أرض الواقع. لقد استغربنا مؤخرا حين سمعنا أن شركة التنمية المحلية « كازا بيئة «، لها منشطين في كل مقاطعة يقومون بعملية التحسيس ! هل سبق لأحد أن رأى هذا التنشيط ؟؟ إن التحسيس لدى الجهات التي تحترم أداءها يكون بواسطة شاشات التلفزة وأمواج الإذاعة ووسائل الإعلام وضمن برامج إشعاعية متنوعة تستهدف المؤسسات المجمعة للناس كالمدارس والأسواق وغيرها من المرافق، وليس عبر تنشيط يتيم، مع رسم مخطط واضح ضمن استراتيجية سنوية، تستقطب أكبر عدد من الساكنة، إذن بدل إعلان فشل خطة التحسيس لايبحث المدبرون الجماعيون إلا على الحل السهل الذي من شأنه أن ينهك جيوب الناس، ما هو الحل الأحسن : أن نعلم الناس ونحصل على النتيجة المرجوة، أو نغطي الفشل ونرمي باللوم عليهم هم الذين لا يعلمون من برامجكم التحسيسية، سوى « ميكة خضرا نهار العيد «؟ بدل لف المسؤولين ودورانهم، هل لهم الجرأة في أن يفرضوا على المؤسسات المالية المنتشرة في المدينة وعلى مختلف المنعشين العقاريين وأصحاب المصحات والمدارس الحرة والفنادق والمطاعم الكبرى.. وغيرهم ممن يستفيد من أموال الساكنة بشكل يومي بل في كل دقيقة، أي المستفيدون الأولون من الدارالبيضاء ونعيم أموالها، الذين تقوم الجماعة بجمع نفاياتهم وغسل الشوارع التي تقبع مؤسساتهم بها، هل تقوى الجماعة على حثهم على المساهمة المالية لخلق مدينة نظيفة، التي هي في صالح أعمالهم أولا وأخيرا ؟؟