نظّمت جمعية الشعلة للتربية والثقافة، خلال الفترة الممتدة من 26 إلى 28 دجنبر 2025 بالمركز الدولي ببوزنيقة، اللقاء الدراسي الوطني حول «الطفولة المغربية وحاجياتها... أية مقاربات؟»، وهو لقاء شكّل محطة فكرية وتربوية لإعادة طرح سؤال الطفولة خارج المقاربات التقليدية، وبمنظور يربط التربوي بالاجتماعي والحقوقي والنفسي. لم يكن اللقاء مناسبة لتبادل وصفات جاهزة بقدر ما كان فضاء جماعيا للتفكير في الطفل باعتباره فاعلا اجتماعيا يعيش الحاضر بكل تحوّلاته وتناقضاته. على امتداد ثلاثة أيام، تحولت الجلسات والورشات إلى مختبرات للنقاش الهادئ والمسؤول، انتقل فيها السؤال من «ماذا نفعل للطفل؟» إلى «كيف نفهم الطفل؟» وكيف يمكن إعادة بناء العلاقة التربوية معه في سياق مجتمعي متحوّل. وقد شكّل هذا اللقاء امتدادا لمسار طويل راكمته جمعية الشعلة على مدى نصف قرن من العمل التربوي والثقافي، جعل من الطفولة محورا مركزيا في مشروعها المجتمعي، لا موضوعا موسميا أو ملفا مؤجلا. في هذا الإطار، أكد رئيس الجمعية، الأستاذ سعيد العزوزي، أن الطفولة كانت منذ تأسيس الجمعية المدخل الأساسي لبناء مجتمع متوازن، مشددا على أن اختزال الطفل في كونه «مشروع مواطن مستقبلي» يسلبه حقه في الحاضر، ويتجاهل كونه كائنا يعيش اليوم ويتأثر بما يحيط به من تحولات وضغوط. كما أبرز أن جودة الخدمات التربوية لا تقاس بكثرة الأنشطة، بل بالاستثمار الجاد في الرأسمال البشري، وفي مقدّمته الأطر التربوية. وقد استحضرت مختلف المداخلات الطفولة بوصفها سؤالا اجتماعيا بنيويا، لا مرحلة بيولوجية معزولة. فالطفل المغربي اليوم يعيش في زمن متسارع، تتداخل فيه تأثيرات الأسرة والمدرسة والشارع مع عالم رقمي مفتوح على فرص واسعة ومخاطر موازية، ما يجعل الحديث عن الحاجيات التربوية حديثا عن الكرامة والإنسانية قبل التقنيات والبرامج. من جهته، أوضح الأستاذ حسن صبوري، منسق اللقاء، أن سؤال الطفولة سؤال دائم يتجدد مع كل تحوّل مجتمعي، وأن خصوصية هذا اللقاء تكمن في إعادة طرحه من زاوية تركيبية تستحضر التحولات النفسية والاجتماعية التي يعيشها الطفل المغربي. وأكد أن الحاجيات التربوية لم تعد مسألة تقنية، بل قضية وجودية تفرض مراجعة تمثلات الفاعلين التربويين وممارساتهم اليومية. الورشات الموضوعاتية التي احتضنها اللقاء عالجت قضايا أساسية، من بينها المقاربات العلمية لفهم حاجيات الطفل، وحقوقه داخل الفضاء التربوي الجمعوي، ومعنى النشاط التربوي وأثره، إضافة إلى الحاجيات النفسية والسلوكية. وقد كشفت النقاشات عن فجوة واضحة بين الخطاب النظري والممارسة الميدانية، في ظل إكراهات التكوين، وضعف الإمكانات، وضغط الزمن، ومحدودية الاعتراف المؤسسي بالعمل الجمعوي. كما تم التأكيد على ضرورة تغيير زاوية النظر إلى سلوك الطفل، من منطق الوصم والعقاب إلى منطق الفهم والاستجابة للحاجيات الأساسية للأمان والانتماء والتقدير، مع الدعوة إلى اعتماد أدوات حديثة كالإصغاء الفعال والتربية الإيجابية والتدخل غير العنيف. وقد عكس تفاعل الأطر التربوية مع هذه المقاربات وعيا متزايدا بأهمية الفهم العميق بدل الحلول السطحية. واختُتم اللقاء بجملة من التوصيات العملية، من بينها إعداد دليل مبسط لحاجيات الطفل، وتعزيز التكوين المستمر، وإدماج مقاربة الحاجيات في برامج الجمعية، وبناء شراكات داعمة. وفي المحصلة، سعى هذا اللقاء إلى نقل الفاعلين التربويين من منطق السيطرة إلى منطق الفهم، ومن اليقين الجاهز إلى السؤال المفتوح، مؤكدا أن الطفل ليس إنسانا مؤجلا، بل كائنا كامل الحقوق في الحاضر، وهو ما ينسجم مع الرؤية الاستراتيجية لجمعية الشعلة للتربية والثقافة في أفق بناء مستقبل أفضل للطفولة والشباب.