أريد أن أحيي سعيد عاهد الرجل الأصيل، الشاعر والمترجم الفارق، الذي فضل السير على التحليق، والمشي على الركض. لم أتذكر كيف عرفته، ولكنه قال لي مرة اكتب الشعر بحب وثقة. هو من استقبل قصائدي الأولى وبوأها حيزا جميلا في ملحق الجريدة، وعلمني أن الكتابة كامنة في التمزق الداخلي العميق. ذات مرة قال: قصيدتك «ماء دافئ تحت جسر أحمر» هي شك جوهري حول العالم واللغة، اكتب بجسارة فأنا أنتظر قصائدك بشغف. هكذا خبرت سعيد عاهد مثل طائر الكوندور، نادر، وغفير، ووفيّ لأنه كتب بلغة موليير وكانت العربية موطنا له، هو الشاعر المسكون بكل مغامرات الوفاء، لم تنل منه مفاهيم الحداثة وما بعدها..، وإنما كان يعلي من الفخاخ الدقيقة للغة بطهرانيتها الكلاسيكية. لقد اختار سعيد عاهد، هذا النبيل بجسارة وبخفقة تلقائية من قلبه الشاسع وظلاله الوارفة، أن يبشّر بأسماء جديدة، وأن يقف إلى جانب المحرومين من الضوء، وقبالته واقع ثقافي ملتبس. هذا العاشق للتراث وللشخصيات المختلفة وغير المألوفة، غادر مدينة الورود إلى مدينة الأسماك، ولكنه لم يبحر، بل اختار التأمل والانفتاح على الكتابة بما هي وثيقة إثبات على مصير الإنسان المحطم، وعلى التمزق الأورفيوسي. هل فعلا غادرنا سعيد عاهد؟ سؤال سيبقى شاخصا مدة طويلة، سؤال سأطرحه باستمرار، وسأبعث قصائدي إليه مرة أخرى، عله يرد علي بجملته الفاتنة: «راك وعاريتي» ثم يبتسم. ما أجملك يا سعيد، حينما تمد يدك لكل كاتب ناشئ، وتزرع فيه الأمل، بل وتعلمه أخلاقيات الكتابة أحيانا. سعيد عاهد الإنسان، لم يكن أقل أهمية عن سعيد عاهد الكاتب المتعدد، الغفير في وحدته، ظللت مرات عديدة أردد جملة أمبرتو إيكو «لا ندع سافيانو وحيدا» ولكنه اختار الوحدة والاختفاء أحيانا ليرسخ فينا شعرية العبور من المرئي إلى اللامرئي، ويعلي طقوس الاستثناء والفرادة. آثر الحفر مثل صديقه كوكتو، واستعذب التواري خلف المرآة ليقول لنا إن الكاتب الحقيقي يقول أشياء لا يستطيع الآخرون قولها بأدوات لا يمتلكونها. شكرا سعيد، المثقف والكاتب الشامل، شكرا لأنك كتبت عن العالم بمنطق الكشف، وجعلت من الأسطورة أداة لفهم القلق المعاصر، شكرا لأنك فضلت المشي الخفيف على التحليق، وتخلصت من جناحيك حتى تصلح العالم بجمل قصيرة، وربتت على الغياب معتذرا كمن يعتذر عما تبقى منه. شكرا لأنك سلكت الأصعب: الكتابة والمحبة.