إلى من كان يومًا أول كاتب عام ل الشبيبة الاتحادية، ومن موقع مسؤوليتي كآخر كاتب عام لها، أكتب هذه الرسالة بمرارة شاب آمن يومًا بأن الانتماء موقف، وأن السياسة التزام أخلاقي قبل أن تكون حسابات انتخابية. لقد اخترتَ أن تغادر البيت الذي احتضنك وناضلتَ باسمه، لا لاختلاف فكري مُعلن، ولا لقطيعة سياسية مؤسسة على نقد ذاتي أو مراجعة فكرية عميقة، بل من أجل تزكية انتخابية تخوض بها غمار الاستحقاقات التشريعية. وهنا يكمن جوهر الإشكال: هل أصبحت الأحزاب مجرد وسائل عبور نحو المقعد؟ وهل تحوّل الانتماء من قناعة إلى جسر مؤقت يُستعمل ثم يُستبدل؟
إن الترحال السياسي، في السياق المغربي، ليس مجرد انتقال تنظيمي؛ إنه أحد أبشع مظاهر الفساد السياسي، لأنه يضرب في العمق الثقة الهشة أصلاً بين المواطن والعمل الحزبي. حين يرى المواطن قيادات شبابية، كانت إلى الأمس القريب تتحدث بلغة "الخصوصية الاتحادية" و"الهوية النضالية" و"المشروع المجتمعي الديمقراطي"، تنتقل بسلاسة إلى حزب آخر، دون أي مراجعة فكرية مُعلنة أو توضيح منهجي، فبأي منطق سيقتنع بأن هناك فروقًا حقيقية بين البرامج والرؤى؟ لقد كنا نختلف مع خصومنا السياسيين انطلاقًا من مرجعيات واضحة، من تاريخ نضالي مرتبط باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومن مدرسة سياسية دفعت ثمنًا غاليًا دفاعًا عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. فهل تغيرت هذه المرجعيات فجأة؟ أم أن مفاهيم "اليسار الديمقراطي" و"النضال المؤسساتي" و"المشروعية التاريخية" كانت مجرد شعارات ظرفية؟ الأخطر من ذلك أن مثل هذه الممارسات تعمّق أزمة الثقة في الفعل الحزبي برمته. المواطن اليوم لا يفرّق بين الأحزاب، لا لأن البرامج متشابهة فقط، بل لأن السلوك السياسي فقد بوصلته القيمية. عندما يصبح الانتقال من حزب إلى آخر أمرًا عاديًا بحثًا عن تزكية أو موقع، فإن الرسالة التي تصل إلى الشباب هي أن السياسة ليست مجالاً للمبادئ، بل سوقًا مفتوحة لإعادة التموضع. كيف سنقنع شابة أو شابًا بالانخراط الجاد في التنظيمات السياسية، إذا كان من يُفترض فيهم أن يكونوا قدوة في الثبات والوضوح، يختارون أقصر الطرق نحو التموقع الانتخابي؟ وكيف نتحدث عن مركزية الانتماء، ونحن نشاهد الانتماء يتحول إلى معطى ثانوي أمام حسابات آنية؟ إنني، كشاب اتحادي، لا أكتب بدافع الخصومة الشخصية، بل بدافع الغيرة على معنى الانتماء. فالانتماء ليس بطاقة عضوية، بل هو تراكم نضالي، وهوية فكرية، والتزام أخلاقي أمام التاريخ. وإن كنا نؤمن فعلًا بأن الأحزاب مدارس للتأطير السياسي، فإن أول درس فيها هو الوفاء للمشروع، أو على الأقل الصراحة مع الذات ومع الرأي العام عند تغييره. كان الأجدر أن يكون الانتقال ( إن كان لا بد منه ) مؤسسًا على نقاش فكري معلن، يشرح للرأي العام لماذا لم يعد المشروع الاتحادي قادرًا على احتضان طموحاتك، وما الذي وجدته في الحزب الجديد من اختلاف نوعي وجوهري. أما أن يتم الأمر في سياق تزكية انتخابية، فذلك ما يضع علامات استفهام مشروعة حول مركزية الانتماء وموقع الأخلاق في الممارسة السياسية. إننا اليوم في حاجة إلى إعادة الاعتبار لقيمة الالتزام، لا إلى مزيد من الرسائل السلبية التي تعمّق العزوف السياسي. فالمغرب لا يحتاج إلى منتخبين عابرين للأحزاب بقدر ما يحتاج إلى فاعلين ثابتين على قناعاتهم، واضحين في مواقفهم، ومسؤولين أمام ذاكرة التنظيم وتضحيات مناضليه. ويبقى السؤال الذي أطرحه عليك، وعلى كل من يعتبر الترحال خيارًا عادياً: هل السياسة مشروع جماعي طويل النفس، أم مجرد محطة ظرفية في مسار شخصي؟