لم يكد العالم يسترجع أنفاسه من الحرب العسكرية الدائرة في الشرق الأوسط بين أمريكا وإسرائيل في مواجهة إيران، والتي تم التوصل إلى اتفاق ثنائي، ليلة الثلاثاء، لإقامة هدنة لمدة أسبوعين بين أمريكاوإيران بوساطة باكستانية، مقابل إعادة فتح معبر هرمز للتخفيف من التبعات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الحرب على مختلف الدول، حتى استفاق العالم على هجوم عشوائي، وُصف بالأعنف منذ اندلاع الحرب، شنته إسرائيل على لبنان، صبيحة الأربعاء، أودى بحياة مئات المدنيين. ويرى المحللون أن هذا التصعيد العسكري يحمل عدة دلالات في طياته، أولها انتقام إسرائيل من طرفي الهدنة، كونهما استبعداها من طاولة الحوار، وتم الاتفاق على إقامة وقف إطلاق النار دون أخذ رأيها، ودون تضمين ورقة الاتفاق أي بند متعلق بها. ومن جهة أخرى، سعيها لإطالة أمد الحرب وضمان استمرار مساندة الولاياتالمتحدةالأمريكية لها عسكريا ولوجستيا. بالإضافة إلى ذلك، فإن إيران اشترطت بشكل مباشر وقف العدوان على لبنان، خصوصا الضاحية الجنوبية التي تعتبرها امتدادا جغرافيا لها، بالاعتماد على المعتقد الطائفي، كونها تمثل معقلا لحزب الله وأغلب شيعة لبنان. وتعلم إسرائيل جيدا أن أي استهداف للبنان سينسف الهدنة، وبالتالي فإن قصف الأراضي اللبنانية سيعيد تشكيل خارطة المفاوضات من جديد، وقد يفرض على الأطراف إدخال إسرائيل في معادلة السلام، والأخذ بعين الاعتبار مطالبها وشروطها لتحقيق وقف إطلاق النار. فرغم ما صرح به رئيس الوزراء الإسرائيلي من أن اتفاق وقف إطلاق النار كان بعلم إسرائيل، فإن وسائل الإعلام الإسرائيلية والمعارضة الداخلية صرحت بأنه تم استبعاد إسرائيل من هذه المفاوضات. ورغم محاولة الحكومة نفي ذلك، إلا أن التحركات العسكرية والعنف المتطرف في الهجمات على لبنان يوضح، بشكل جلي، سعي إسرائيل إلى نسف الهدنة الهشة أصلا، وإعادة تشكيل موازين الجهود الدبلوماسية من جديد، لتكون حاضرة فيها وبقوة. وفي أعقاب هذا الهجوم العنيف، أعادت إيران إغلاق معبر هرمز في الحال، وتملصت من اتفاقية الهدنة التي كان قد تم الاتفاق عليها، بحجة عدم احترام ثلاثة بنود منها، وهددت بالانسحاب التام منها. في حين سارعت الولاياتالمتحدةالأمريكية، على لسان نائب الرئيس، إلى التصريح بأنها ملتزمة بالاتفاقية، وأن لبنان لم يكن جزءا من وقف إطلاق النار، في انتظار ما ستؤول إليه الأمور في جولة المفاوضات المباشرة بين طهران وواشنطن في باكستان، التي ستنطلق نهاية هذا الأسبوع. هذه الأحداث تعيد تسليط الضوء على مفهوم الانتصار لدى أطراف الحرب، حيث بادرت جميع الأطراف إلى إعلان نفسها منتصرة عقب اتفاق الهدنة الهشة أصلا. فبينما قال الرئيس الأمريكي، لوكالة فرانس برس، عبر الهاتف، متحدثا عن وقف إطلاق النار: "إنه نصر كامل وشامل، 100 في المئة، ليس هناك أدنى شك في ذلك"، عبرت طهران أنها حققت "نصرا عظيما"، من خلال إعلان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أن "العدو مُني بهزيمة تاريخية ساحقة لا يمكن إنكارها". كما تباينت ردود الأفعال الداخلية لكل الأطراف، بين المعارضة التي اعتبرت هذه الاتفاقية هزيمة لمن وافق عليها، والأغلبية المساندة التي سوقت لوقف إطلاق النار، كونه انتصارا فرض على الطرف المهزوم. وبين تباين الروايات وتنوع التأويلات، بما يخدم الأجندة السياسية، يقف العالم مكتوف الأيدي، وخصوصا المنظمات الأممية، أمام حرب عالمية يخوضها من له مصلحة فيها، ويدفع فاتورتها ملايير من البشر.