سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
عبد الهادي بلخياط ... حكاية أغنية -19- الموسيقار عزيز حسني يتذكر «متاقشي بيا» .. عرضها حسن القدميري على سميرة سعيد وطلبها محمد الحياني لكن غناها عبدالهادي بلخياط
هناك أصوات تمر، وأخرى تستقر في الوجدان حتى تصبح جزءا من ذاكرة الناس. صوت عبد الهادي بلخياط من تلك الأصوات التي وجدت طريقها إلى القلوب دون استئذان، واستقرت فيها كما تستقر الأغنيات التي تولد لتعيش طويلا. منذ ستينيات القرن الماضي، أخذ مكانه بهدوء داخل المشهد الغنائي، مستندا إلى طبقة صوتية دافئة وإحساس عال يعرف كيف يقود اللحن نحو مساحاته الأكثر إنسانية. كانت الأغنية عنده فعلا فنيا متكاملا، تنسجم فيه الكلمة مع النبرة، ويصير الأداء امتدادا لمعنى لا يقال بالكلمات وحدها. لم يتوقف إشعاع هذا الصوت عند حدود المغرب أو الفضاء المغاربي. امتد صداه إلى الساحة العربية، حيث جاور كبار النجوم، وفرض حضوره بأسلوب يراهن على الطرب الأصيل أكثر مما يراهن على البهرجة. هناك أيضا وجد لصوته آذانا تعرف كيف تنصت، وجمهورا أدرك أن القادم من المغرب يحمل هوية فنية واضحة لا تشبه سواها. أغنيات مثل «قطار الحياة» و»القمر الأحمر» و»الشاطئ» لم تكتف بأن تملأ المسارح وأثير الإذاعات، بل عبرت نحو الحياة اليومية للناس، ترافق أفراحهم وانكساراتهم، وتنساب داخل ذاكرتهم كأنها جزء من حكاياتهم الشخصية. وحين رحل، اختصر رفيق دربه، الموسيقار عبد الوهاب الدكالي، صورة الأثر الذي تركه، قائلاً إن أغانيه الخالدة كان لها وقع نفسي عميق على جمهوره، وإن من بين من سمعها من مضى ليعقد قرانه تحت تأثير ذلك الإحساس. شهادة تبدو أقرب إلى قياس حقيقي لقيمة الفن، حين يغادر حدود السماع ليشارك في صناعة مصائر صغيرة داخل حياة الآخرين. ذكاء بلخياط الفني كان يظهر في تلك المسافة الدقيقة بين القوة والهدوء، يعرف متى يطلق العنان لصوته، ومتى يترك للصمت مهمة إكمال المعنى. لذلك بدت أغانيه كأنها رسائل خاصة، يلتقط كل مستمع منها ما يشبهه. هذه السلسلة محاولة للاقتراب من الورشة الخفية لذلك الصوت، كيف تولد الأغنية؟ من يقف خلف لحظتها الأولى؟ ما الذي يحدث قبل أن تصل إلى أذن المستمع؟ وأي حكايات ظلت معلقة بين الاستوديو والذاكرة؟ من هنا تبدأ الرحلة... رحلة البحث في الأغنيات التي لم تكتف بأن تغنى، بل عاشت، واستقرت في الوجدان، وغيرت شيئا ما في الذين أنصتوا إليها. هذه ليست حكاية أغنية ولا حكاية فنان، إنها حكاية زمن كامل يحمل اسما واحدا.. الزمن الجميل. لم تكن أغنية "متاقشي بيا" قد كتب لها منذ البداية أن تخلد بصوت عبد الهادي بلخياط. اللحن الذي وضعه الموسيقار حسن القدميري، والكلمات التي صاغها الشاعر الكبير علي الحداني، كانا يسيران في اتجاه آخر. في تلك المرحلة، كانت الديفا سميرة سعيد المرشحة الأولى لأداء العمل، وقد أكدت ذلك في تصريح خاص لجريدة الاتحاد ،كاشفة أن الأغنية عرضت عليها فعلا، وكانت قريبة من خامتها ومن تصورها الفني آنذاك. لكن في مسار الأغنية، كما في مسار البشر، لا شيء يمضي دائما كما خطط له. الفنانة سميرة سعيد تحدثت لجريدة الاتحاد الاشتراكي، عن أغنية "متاقشي بيا" بنبرة تقدير، معتبرة أن بعض الأعمال تختار أصحابها في اللحظة المناسبة. كانت تربطها ببلخياط علاقة احترام وود، وكان يزورها بمحل إقامتها هناك. غير أن الأغنية، التي بدت في البداية قابلة لأن تغنى بصوت نسائي، وجدت في النهاية طريقها إلى صوت رجالي متمكن، منحها بعدا مختلفا. الموسيقار حسن القدميري لم يكن من الملحنين الذين يؤمنون بفكرة "اللحن الجاهز". كان ينطلق من قناعة واضحة،لكل صوت مجاله، ولكل مطرب مساحته التي ينبغي أن تحترم. لذلك لم يكن يتردد في الاعتذار حين يشعر أن العمل لا ينسجم تماما مع صاحبه المحتمل. ويروى أن المطرب محمد الحياني أبدى إعجابه بأغنية «متاقشي بيا «ورغبته في أدائها، غير أن الأستاذ حسن القدميري اعتذر بلطف، لأنه كان يرى أن "متاقشي بيا" تحتاج طبقة وإحساسا خاصين. لاحقا، سيلتقي الاثنان في أغنية "بارد وسخون"، في انسجام فني مختلف،مضيفا أن أغنية «متاقشي بيا «تم إنجازها قيل أغنية «بارد وسخون «. المفارقة أن "متاقشي بيا" يقول حسن القدميري، لحنت قبل سنة 1973، ثم بقيت سنوات طويلة دون تسجيل رسمي. ظلت في أدراج صاحبها، تنتظر الصوت الذي يحتضنها كما ينبغي. خمسة عشر عاما تقريبا وهي مؤجلة، إلى أن التقت بعبد الهادي بلخياط، فتحولت من مشروع مؤجل إلى واحدة من العلامات البارزة في الذاكرة الغنائية المغربية. في لازمتها الشهيرة: "آه آه متاقشي بيا... آش نعمل متاقشي بيا وعلاش علاش يكدبني... واش ما عندو تيقة فيا" ينكشف جوهر الأغنية، عتاب صريح، لكنه خال من الضجيج. السؤال بسيط ومباشر، لكنه محمل بمرارة واضحة: كيف يكذب حب يبدو "واضح وباين" مثل وضوح الشمس؟ التكرار هنا ليس حشوا لغويا، وإنما إيقاع داخلي يعكس إصرار القلب على أن يصدق. بصوت بلخياط، خرجت الأغنية من دائرة الأداء إلى مساحة الاعتراف. لم يعتمد على الاستعراض أو القوة المفتعلة، بل على تحكم دقيق في الانفعال. أدخلها منطقة الشجن الهادئ، حيث العتاب يظل نبيلا، وحيث الألم لا يفقد توازنه. بذلك، لم تعد "متاقشي بيا" مجرد أغنية عاطفية، وإنما صارت حالة وجدانية كاملة، تستعاد كلما استعيدت أسئلة الثقة والخذلان. هي حكاية عمل انتقل بين احتمالات عدة، وتأخر عن موعده، قبل أن يستقر في صوته الأخير. وحين استقر، بدا وكأنه لم يكن قابلا لأي احتمال آخر. هكذا تصنع بعض الأغاني قدرها، تنتظر طويلا، ثم تصل دفعة واحدة إلى الذاكرة... وتبقى.