نقصد بالنقاش الاستراتيجي ذلك الذي يمس جوهر وجود الدولة، أو إعادة بناء مؤسساتها، كما يمس مواردها الأساسية، وموقعها في العلاقة مع الفاعلين الدوليين، في لحظة من لحظات إعادة تشكيل هندسة العلاقات الدولية وتوزيع العمل الدولي، ويمس كذلك وجود مخططات طويلة الأمد تنزع نحو السيادة بكل أشكالها، الاقتصادية والغذائية والدوائية والطاقية، كما هو حالنا اليوم، ففي النقاش الاستراتيجي نطرح أسئلة الجيوسياسة والدفاع، ومخاطر التهديدات الخارجية… وقد كان خطاب 8 أكتوبر 2021، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية الحادية عشرة، أي انطلاق الحكومة القادمة حاليا، بداية التنبيه إلى أن أزمة كوفيد «أبانت عن عودة قضايا السيادة للواجهة، والتسابق من أجل تحصينها، في مختلف أبعادها، الصحية والطاقية، والصناعية والغذائية، وغيرها»، وهو المسار، الذي ارتفع إيقاعه من بعد مع دخول منطقة الانتماء الجيوسياسي (الجغرافية والسياسة المغربية) إلى سياسة المواجهة بحروب متتالية، غزة ثم فصول الحرب الإيرانيةالأمريكية الإسرائيلية … ولا نريد من هذا التناول البحث «عن غرابة» أو إثارة ما، بل نريد فقط ألا نسقط المواضيع الحارقة في طمأنينة المألوف، او اللغة الخشبية أو «التَّحاد» القاطع المفضي الى التناحر بين أطراف الحقل السياسي. وعليه، وعلى الرغم من حدة الاستقطابات التي تدور حينا في المحافل الرسمية والمؤسساتية، وأحيانا كثيرة في أوساط التأطير الاجتماعي ومنصات الحوار المفتوح، فإنه يمكن القول إن النقاشات التي تدور منذ ما لا يقل عن ثلاث سنوات أعادت الروح إلى الجدل حول التوجهات الاستراتيجية في ما يتعلق بالوجود المغربي ككل. ونعني بالنقاش الاستراتيجي كل ما له علاقة بوجود الدولة الأمة: مصير التراب الوطني، بناء الدولة الجديدة للحكم الذاتي، التموقعات الاستراتيجية على رقعة العمل الدولي، المواقف ذات الصلة بالقضايا الدولية… الملاحظة الأولى أن النقاشات يطبعها أحيانا نوع من (التقاطب) الحاد، تشمل حكامة التراب، على ضوء إعادة بناء الدولة الوطنية بمقترح نظامين ترابيين ومؤسساتيين ، أو التموقعات في السجال الوطني .. -الملاحظة الثانية تشمل مضامين الموقع المغربي في خارطة ما يمكن التعبير عنه بالهندسة الاستراتيجية، والتوازن الدبلوماسي في عالم مرتبط، ومرهون بتقلبات الانتقال من نظام الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية، ومحاولة العودة إلى الهيمنة الأمريكية المنفردة… ولعل النقاش في وسط المجتمع ما زال لم يخرج من غطائه الهوياتي في الكثير من المقاربات، أو التخندق المبني على وقائع التاريخ والمواقف السابقة من أحد أعمدة هذا النظام المرتبط بالولايات المتحدة… ولعل القاعدة الجديدة التي وضعها الملك في تقدير الموقف المغربي من العواصم الدولية مواقفها، (الصحراء هي النظارات) قد أدخلت عنصر المصلحة الوطنية بوضوح في السجال الجماعي، وهو أمر لم يسبق أن كان بهذا الوضوح. النقاش الاستراتيجي هو الذي يكون عرضة لتوترات خطابية، ما بين الثوابت القومية والعقدية من جهة، وبين تدبير مصلحة الدولة الوطنية من جهة ثانية، ثم العلاقة مع القضايا ذات الجذر المشترك عند المغاربة بكل تلويناتهم( قوميين إسلاميين اشتراكيين تقدميين)… دون توصيف أيديولوجي أو غير ذلك… والأمر ليس بسيطا في الحسم، ذلك أن هاته العناصر تتداخل في تشكيل هوية الدولة والفرد معا، ثم هويات الحركات المدنية والسياسية في المغرب. ثمة عدد من قضايا الشرق العربي، تؤطرها العلاقة مع المكون الديني، وهو مكون جوهري في الدولة المغربية، كما في استكمال الوحدة الترابية، ومكونات اللغة (أو اللغات)، ثم المكونات المجالية الإقليمية، المتوسطي منها والإفريقي، وفيها أيضا يصبح المكون الديني حاملا جيوسياسيا في تدبير الحقل الديني أو في إمارة المؤمنين التي تخترق الجغرافيا والحدود السياسية معا… إلى ذلك ينضاف نقاش استراتيجي يشكل بناء التعددية في المجتمع: اللغة (اللغات)، شكل الأسرة، العلاقة بين مكونات الحقل السياسي على قاعدة انتماءاتها الإيديولوجية، في وقت بدا أن دستور 2011 أخرج المكون الهوياتي من منطقة التناحر الأيديولوجي إلى التأصيل الدستوري المتوافق حوله عند عرض التصويت للنقاش الوطني… محاولة تحرير النقاش حول الشراكات الاستراتيجية، والشراكات الدولية والاتفاقيات من ضغط المشاعر، فردية أو جماعية، وتحديد المواقف على ضوء الخيارات المتاحة للدولة في تدبير تموقعها في ما يخدم وجودها (الاتفاق الثلاثي مثلا والعلاقة مع إيران على ضوء الخلاف مع الجزائر). في محور النقاش نجد أيضا عودة التراب، بجدلياته المتعددة (العدالة المجالية، المخططات التنموية، قضايا الماء والطاقة والانتقال الرقمي)، علاوة على تنزيل الدولة الاجتماعية، في سياق تعددي وفي سياق مواعيد استراتيجية بدورها (مونديال 2030 والأجندة الأورو متوسطية). غدا: خمس سنوات على الاتفاق الثلاثي