أعلنت محكمة التحكيم الرياضي الدولي بلوزان يوم الأربعاء 25 مارس 2026 في بلاغ لها أنها توصلت باستئناف للاتحاد السنغالي لكرة القدم في مواجهة الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم من جهةوالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم من جهة ثانية، ويتعلق الأمر بالطعن في منطوق قرار لجنة الاستئناف التابعة للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم الصّادر بتاريخ 17 مارس 2026 والقاضي بخسارة المنتخب السنغالي لنهائي كأس إفريقيا للأمم 2025 ومنح الفوز للمنتخب المغربي بنتيجة 3-0. هذا وقد التمست الجامعة السنغالية من محكمة التحكيم الرياضي من خلال استئنافها المسجل أمام TASإلغاء قرار لجنة الاستئناف وإعلان المنتخب السنغالي فائزا ببطولة كأس الأمم الإفريقية. وعلى ضوء هذا الطعن الذي تقدم به الفريق القانوني للجامعة السنغالية لكرة القدم ستكون هذه القضية قد بلغت جميع مراحل التقاضي الرياضي وفق ماهو منصوص عليه في النظام الأساسي للكاف، وبالتالي سيكون القرار الذي ستصدره محكمة التحكيم الرياضي نهائيا وفاصلا في النزاع وملزما لكافة الأطراف. لذا ارتأيت أنه من المفيد إعادة تحليل المعطيات القانونية المرتبطة بوقائع القضية وإعادة قراءتها من منظور أكاديمي صرف و في سياق الخصوصيات التي تنفرد بها النزاعات الرياضية، بعيدا عن التحليلات العاطفية أو الشوفينية، ومن ثم تقديم قراءة قانونية شاملة للموضوع بطريقة عقلانية عن طريق التعليق علىمنطوق قرار لجنة الاستئناف التابعة للكونفدراليةالإفريقية لكرة القدم رقمDC23316 والصادر بتاريخ 17 مارس 2026 فيما انتهى إليه من قبول الاستئناف المقدم من طرف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم من حيث الشكل ، وموضوعا بإلغاء قرار لجنة الانضباط المؤرخ في : 28يناير 2026 ، و قبول الاعتراض المقدم من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ، وإعلان أن الاتحاد السنغالي لكرة القدم من خلال سلوك فريقه قد انتهك المادة 82 من لوائح كأس إفريقيا للأمم ، وتطبيقا للمادة 84 من لوائح المسابقة تم إعلان المنتخب السنغالي منهزما بنتيجة 3-0 لصالح الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم . مع رفض باقي الطلبات والملتمسات الأخرى. هذا وسأسعى من خلال هذا المقال إلى التوقف عند مجموعة من النقاط القانونية التي تناولها منطوققرار لجنة الاستئناف والأسس القانونية التي اعتمدتها في قرارها من جهة ،كما سأستعرض معكم من جهة أخرى بعض الدفوع القانونية التي يثيرها الفريق القانوني للاتحاد السنغالي لكرة القدم من خلال مذكرته المقدمة للطاس ، أو بعض الدفوع التي يمكن للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم ، ومعها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إثارتها خلال مسارات التقاضي ، والتي يتعين على الهيئة التحكيمية التي ستتولى النظر في القضية الفصل فيها سواء من حيث الشكل أو من حيث الجوهر.
أولا: طبيعة النزاع الرياضي الذي ستنظر فيه محكمة التحكيم الرياضي مما لا شك فيه أن أول مدخل لفهم النزاع الذي ستنظر فيه محكمة التحكيم الرياضي من خلال الغرفة الاستئنافية هو تحديد طبيعته القانونية، لماذا؟ لأن النزاعات الرياضية ليست صنفا واحدا، ولا نوعا واحدا، لذا تختلف زاوية معالجتها بحسب نوعها وصنفها والقوانين الواجبة التطبيق عليها، فالنزاع موضوع الطعن بالاستئناف من طرف الاتحاد السنغالي لكرة القدم أمام غرفة الاستئناف التابعة لمحكمة التحكيم الرياضي بلوزان في مواجهة الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم يدخل في زمرة النزاعات الرياضية ذات الطبيعة التأديبية المرتبطة بانتهاك لوائح المسابقة، وليس خرق قوانين اللعبة. لماذا؟ لأن النزاعات الرياضية ذات الطبيعة التأديبية يتم تصنيفها في خانتين اثنتين لا ثالث لهما صنف يتعلق بالنزاعات التأديبية الناتجة عن خرق قوانين اللعبة السبعة عشرة والتي يكون الحكم الرئيسي للمباراة هو الجهة المخول لها قانونا سلطة تطبيق العقوبات الانضباطية المترتبة على مخالفتها ( الإنذار، الطرد) وهو ما تم التنصيص عليه في المادة 6 من مدونة الانضباط الخاصة بالكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، أما الصنف الثاني فيتعلق بالنزاعات التأديبية الناتجة عن خرق اللوائح والأنظمة المعمول بها خلال المسابقة التي وقع النزاع في ظلها وتختص عادة اللّجان القضائية (لجنة الانضباط، ولجنة الاستئناف) طبقا لمقتضيات المادة 7 من مدونة الانضباط الخاصة بالكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم بإيقاع الجزاءات المناسبة المقررة بحسب نوع المخالفة سواء أكانت واردة في لائحة الانضباط باعتبارها نصا عاما ، أو كانت مخالفة منصوص عليها وعلى عقوبتها في لائحة المسابقة باعتبارها نصا خاصا. وفي هذا السياق نجد بأن منطوق القرار الاستئنافي المطعون فيه ينصبّ على عقوبة تأديبية ناتجة عن خرق المادة 82 من لائحة المسابقة الخاصة بكأس إفريقيا للأمم وفق الجزاء الوارد في المادة 84 منها، وبالتالي ينعقد اختصاص محكمة التحكيم الرياضي للنظر فيه طبقا للمادة 48 من النظام الأساسي للكاف، والمادة R47 من مدونة التحكيم الرياضي. وبالتالي فالنزاع المعروض أمام غرفة الاستئناف بمحكمة التحكيم الرياضي يتعلق بنزاع تأديبي ناتج عن انتهاك وخرق لائحة المسابقة. من جهة أخرى فإن غرفة الاستئناف بمحكمة التحكيم الرياضي ستنظر في القضية لا بصفتها جهة تحكيمية استئنافية عادية، وإنما ستنظر في القضية باعتبارها جهة طعن أخير ضد قرار لجنة الاستئناف التابعة للكاف، وبالتالي ستختلف زاوية معالجة القضية من طرف الهيئة التحكيمية الاستئنافية عن الفلسفة المتبعة بمناسبة معالجة ملفات التحكيم العادي، لماذا؟ لأن مهمتها الأساسية من خلال الطعن المقدم ستنصّب حول مراقبة مدى تطبيق اللوائح على النازلة بشكل سليم من عدمه، ولن تسعى إلى التوفيق بين الأطراف كما هو عليه الأمر في التحكيم العادي.
ثانيا: نطاق وحدود الطعن المقدم أمام محكمة التحكيم الرياضي المقصود بتحديد نطاق الطعن بالاستئناف معرفة أطرافه، وأسبابه، وسلطة المحكمة للنظر فيه، ومدى تقيّدها بالحدود الشكلية والموضوعية لضمان استقرار المراكز القانونية للأطراف. وفي هذا السياق نجد بأن المادةS12 من مدونة التحكيم الرياضي تنّص على أن محكمة التحكيم الرياضي تقوم بالفصل عن طريق إجراءات الاستئناف التحكيمي في النزاعات المتعلقة بقرارات الاتحادات أو الجمعيات أو الهيئات الرياضية الأخرى إذا كانت تنصّ عليه القوانين واللوائح الخاصة بتلك الهيئات الرياضية. وعلى هذا الأساس فالطعن بالاستئناف المقدم من طرف الاتحاد السنغالي لكرة القدم سيكون موجها بالأساس ضد الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم بالدرجة الأولى، وفي مواجهة الجامعة الملكية لكرة القدم بالدرجة الثانية، وسينحصر استئنافه فقط على ما ورد في منطوق قرار لجنة الاستئناف التابعة للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم رقمDC23316 والصادر بتاريخ 17 مارس 2026 وما ضمن به من أسباب وحيثيات، وما انتهى إليه من أحكام وحسب. ولا مجال أمامه لإعادة فتح النقاش بشأن العقوبات التي صدرت في حقه أو في حق الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بموجب قرار لجنة الانضباط والتي قبلها الاتحاد السنغالي ولم يقم بممارسة الطعن فيها أمام لجنة الاستئناف داخل الآجال المنصوص عليها قانونا. من جهة أخرى تمتلك الهيئة الاستئنافية التي ستتولى النظر في النزاع صلاحية واسعة في مراجعة القرار بعد مراقبة مدى تطبيق القانون بشكل سليم على وقائع النازلة استنادا على ما حددته المادة R57 التي أعطت لمحكمة التحكيم الرياضي وهي تنظر كجهة استئناف، صلاحية إمّا رفض الطعن حال افتقاره للأسانيد القانونية، أو إصدار قرار جديد يحل محل القرار المطعون فيه، أو إلغاء القرار المطعون فيه وإعادة القضية إلى الجهة التي أصدرت القرار المطعون فيه. وفي هذا السياق جاء في البلاغ الإعلامي لمحكمة التحكيم الرياضي أن الاتحاد السنغالي يطلب أو يلتمس من خلال طعنه إلغاء قرار لجنة الاستئناف وإعلان المنتخب السنغالي فائزا ببطولة كأس الأمم الإفريقية، في حين يتوقع أن تلتمس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم ومعها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم من خلال المذكرة الجوابية لكل واحد منهما رفض الطعن بالنظر للحجج والإثباتات التي سيقدمانها.
ثالثا: الدفوع القانونية الجوهرية المرتبطة بالنزاع بعد مناقشة الجوانب الإجرائية وما يثار بشأنها من دفوعات قانونية من طرف مختلف الأطراف والإجابة عنها، ستنتقل الهيئة التحكيمية الاستئنافية إلى جوهر القضية وموضوعها الأساسي المنصب حول الطعن في قرار لجنة الاستئناف التابعة للكاف، وستستعرض جميع الإشكالات القانونية المثارة من كل طرف وستبحث عن التأصيل القانوني لها للوصول إلى النتيجة النهائية للحسم في هذا النزاع. ويظهر على ما يبدو من خلال مذكرة الفريق القانوني للاتحاد السنغالي لكرة القدم أن النقطة الخلافية الأولى بين الطرف المستأنف والأطراف المستأنف عليها ستتمحور حول ماهية القوانين الواجبة التطبيق على النازلة والتي يتعين على الهيئة التحكيمية الحسم فيها.
* حول القوانين الواجبة التطبيق على القضية بالاحتكام إلى النصوص القانونية التي تنظم الجانب الإجرائي أو المسطري أمام محكمة التحكيم الرياضي سنجد بأن المبدأ الرئيسي الذي يحكم هذه النقطة يجد سنده من خلال المادةR58 التي تأكد على أن الهيئة تبت وفقا للوائح المرتبطة بالنزاع بالأولوية، واحتياطيا تطبق القواعد القانونية التي يختارها الأطراف، وفي حال عدم وجود اختيار لهذه القوانين من طرف الأطراف يتم الاحتكام إلى القانون الاجرائي السويسري باعتباره قانون موطن محكمة التحكيم الرياضي. لكن بالاطلاع على مذكرة الفريق القانوني للاتحاد السنغالي لكرة القدم نجد بأنه فيما يتعلق بتراتبية القوانين الواجبة التطبيق على النزاع يستند إلى ترتيب يخدم مطالبه ودفوعاته بشكل غير منطقي أو سليم، إذ يطلب بالدرجة الأولى تطبيق قوانين اللعبة، ثم أنظمة الاتحاد الدولي لكرة القدم، ثم مدونة التأديب الخاصة بالاتحاد الدولي لكرة القدم، ثم أنظمة الكاف، وأخيرا لائحة كأس افريقيا للأمم. بيد أن المنطق القانوني السليم الذي يفرض نفسه في النازلة ينحو منحى تطبيق واعتماد لائحة المسابقة بالأساس باعتبارها نصا خاصا ينظم البطولة وهي القانون الواجب التطبيق، لماذا؟ لأن قرار لجنة الاستئناف المطعون فيه اعتمد في منطوقه على مقتضيات هذه اللائحة أولا، كما أن انطلاق مسار التقاضي بخصوص هذا النزاع تم من خلال اعتراض مقدم من طرف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تطبيقا للمادة 43.4من هذه اللائحة كذلك، وهي لائحة شاملة جامعة لقواعد إجرائية وموضوعية وحتى تأديبية بالنسبة لكافة النزاعات التي تطرأ بمناسبة البطولة. أما المصدر القانوني الثاني الذي يمكن اعتماده في النازلة فهي مدونة الانضباط المعتمدة من طرف الكاف باعتبارها نصا عاما ينظم الجوانب الإجرائية للمسطرة أمام لجنة الاستئناف. ثم النظام الأساسي للكونفدرالية الافريقية لكرة القدم باعتباره الدستور الذي ينظم كرة القدم داخل القارة. أما التمسّك أو الدفع بتطبيق أو اعتماد قوانين اللعبة على النزاع بالأولوية هو دفع غير سليم لماذا؟ لأن قوانين كرة القدم السبعة عشر هي قوانين كونية" Universel" ولا يمكن تصور تنظيم مباراة أو لعبها خارج هذه القوانين ، وبالتالي فهي قوانين واجبة التطبيق على المباريات من طرف الحكام ، ولاتلزم الهيئات القضائية الرياضية هذا من جهة ، أما من جهة أخرى فالتمسك بتطبيق تلك القوانين على الطعن أمام محكمة التحكيم الرياضي من شأنه أن يتنافى مع ماورد في المادة 48 من النظام الأساسي للكاف في فقرتها الرابعة ،فيما يتعلق باختصاص TAS ، والتي نصت صراحة على أن محكمة التحكيم الرياضي غير مختصة بالنظر في الطعون المتعلقة بخرق قوانين اللعبة . أما من جهة ثالثة فالاستئناف الذي تقدمت به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضد قرار لجنة الانضباط لم يكون متعلقا بخرق الحكم لقوانين اللعبة، وإنما انصبّ على رفض الاعتراض المستند على انتهاك لائحة المسابقة.
* التّمسك بسلطة الحكم وقراراته وحجيتها: يذهب الفريق القانوني للاتحاد السنغالي في دفوعه الموضوعية التي يستند إليها من أجل إلغاء قرار لجنة الاستئناف إلى رواية مفادها أن مغادرة الفريق السنغالي لأرضية الملعب كان مؤقتا كنوع من الاحتجاج على ضربة الجزاء المعلنة لصالح المنتخب المغربي، وأن الفريق عاد إلى أرضية الملعب وواصل المباراة في وقتها الإضافي والأصلي والتي انتهت بفوز المنتخب السنغالي بهدف لصفر ، وبالتالي فقرار الحكم بإعلان صافرة نهاية المباراة قرار نهائي وقطعي وملزم ولايمكن الرجوع عليه مستندين في طرحهم على ما ورد في القانون رقم 5 من قوانين كرة القدم. لكن وجب الوقوف عند مسألة أساسية وحاسمة في القضية وهي أن قرار لجنة الاستئناف المطعون فيه لم يناقش أبدا قرارات الحكم ولم يقم بتعديلها هذا من جهة ، كما أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في اعتراضها المقدم أمام لجنة الانضباط من جهة أخرى لم تطعن أبدا في قرارات الحكم ، وبالتالي فالتأويل الذي اعطاه الفريق القانوني للاتحاد السنغالي لكرة القدم للقرار المطعون فيه بكونه غيّر من قرارات الحكم استنادا على القانون رقم 5 من قوانين اللعبة للدفاع عن موقفه هو تأويل خاطئ وغير صحيح لأن قرار لجنة الاستئناف استند على خرق بعض بنود لائحة المسابقة كما سوف نرى ، ولم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى الطعن في قرارات الحكم أو تعديلها كما يحاول الجانب السنغالي اقناع نفسه بذلك . لأن لائحة المسابقة واضحة بالنسبة لهذه النقطة القانونية من خلال مقتضيات المادة 43.7 من لائحة مسابقة كأس إفريقيا للأمم الواجبة التطبيق. أما الاختباء وراء القانون رقم 5 من قوانين اللعبة والتمسك بكون سلطة الحكم بشأن الوقائع المتعلقة باللعب نهائية فهي مسألة لا جدال فيها ، لماذا ؟ لأن قرارات الحكم التي تخذها والمرتبطة بالوقائع التي تحصل خلال المباراة في الأحوال العادية مثل احتساب هدف ، أو الغائه ، أو إنذار اللاعب أو طرده ، أو إيقاف المباراة أو استمرارها هي قرارات تدخل في نطاق اختصاصاته التي منحته إياه قوانين اللعبة، وكذا قوانين الانضباط باعتباره قاضي للملعب وبالتالي فمثل هذه القرارات المرتبطة بالوقائع التي عاينها تكون نهائية زمن اتخاذها ولايمكنه الرجوع فيها . لكن بالمقابل فالحكم ليس مؤهلا قانونا لاتخاذ قرارات تأديبية عندما تسجل وتوثق خلال المباراة التي يديرها خروقات أو انتهاكات للائحة المسابقة أو مدونة الانضباط، وإنما ينحصر دوره في تدوين تلك الأحداث بالتقرير الذي يحال على الهيئات المختصة داخل الاتحاد الكروي للنظر فيها وفق ما يقتضيه القانون، لأنها لا تدخل ضمن الاختصاصات الممنوحة إليه بموجب قوانين اللعبة، وإنما تدخل ضمن اختصاص لجنة الانضباط ولجنة الاستئناف كما حصل من خلال القرار الاستئنافي المطعون فيه استنادا لمقتضيات المادتين 5 و6 من مدونة الانضباط الخاصة بالكاف . من جهة أخرى فقرارات الحكم المرتبطة بوقائع المباراة كما أشرنا إليها سلفا ورغم كونها نهائية إلا أنها ليست مطلقة ، بل هي قرارات نسبية تخضع لرقابة الهيئات القضائية المختصة من أجل مراجعتها وتعديلها إن اقتضت الضرورة ذلك على ضوء تقارير رسميي المباراة استنادا على مقتضيات المادة 11 من لائحة الانضباط الخاصة بالكاف . وما يؤكد هذا الاتجاه القانوني أن الاتحاد الدولي لكرة القدم سبق له أن أعاد برمجة مباراة السنغال مع جنوب افريقيا التي جرت يوم 12 نونبر 2016 برسم إقصائيات كأس العالم روسيا 2018 بعد تحقيق باشرته لجنة الأخلاقيات بالفيفا انتهى إلى ثبوت تلاعب الحكم الغاني "جوزيف لامبتي" في نتيجة المباراة لصالح جنوب إفريقيا بعد احتسابه لركلة جزاء خيالية جاء منها الهدف الأول لجنوب إفريقيا التي انتصرت بحصة 2-1 ، لتعاد المباراة وينتصر المنتخب السنغالي ويتأهل لكأس العالم بروسيا . كما سبق للفيفا إلغاء نتيجة مباراة الذهاب بين أوزبكستان والبحرين في تصفيات كأس العالم 2005 بسبب خطأ فني جسيم من الحكم بعد إلغاء الحكم الياباني "توشيميتسو يوشيدا" لضربة جزاء لأوزبكستان ومنح البحرين ركلة حرة بدلا من إعادة ضربة الجزاء ، وتمت إعادة لعبها للخطأ الفني الجسيم من طرف الحكم . وعلى هذا الأساس لو كانت قرارات الحكم نهائية، لاكتفى الاتحاد الدولي للعبة بإيقاف الحكم دون إعادة المباراة ، لكنّ حماية النزاهة الرياضية هي مبدأ أساسي من مبادئ الممارسة الكروية العالمية. لذا فإن تمسك الفريق القانوني للسنغال بهذا الطرح القانوني يبقى ضعيفا وغير منتج أمام الحيثيات القانونية التي استند إليها القرار المطعون فيه ، خاصة وأن الكاف ومعها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لا تطعن في شرعية القرارات التي اتخذها الحكم .
* حول الدفع بعدم خرق بنود لائحة مسابقة كأس افريقيا للأمم : يذهب الفريق القانوني للاتحاد السنغالي لكرة القدم في دفوعه الموضوعية إلى أن لجنة الاستئناف لم تطبق القانون بشكل سليم عندما استندت في منطوقها على مقتضيات المادتين 82 و84 من لائحة مسابقة كأس إفريقيا للأمم ملتمسين إلغاء القرار المطعون فيه لهذه العلّة . والجدير بالتذكير أن منطوق القرار المطعون فيه أمام TAS تضمن من خلال الفقرة 5 أن لجنة الاستئناف خلصت إلى سلوك المنتخب السنغالي يندرج ضمن نطاق المادتين82 و84 من لوائح كأس افريقيا للأمم . كما جاء في الفقرة 7 أن لجنة الاستئناف ترى أن الإتحاد السنغالي من خلال سلوك فريقه قد انتهك المادة 82 من لوائح كأس الأمم الافريقية ، وتطبيقا للمادة 84 تم إعلان المنتخب السنغالي خاسرا للمباراة بنتيجة 3-0 لصالح الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم . ينبغي الإشارة أولا إلى مسألة أساسية ومهمة يغفل عنها الكثيرون وهي أن قرار لجنة الاستئناف المطعون فيه لم يذكر بتاتا أن المنتخب السنغالي انسحب s est retiré من المباراة بهذا اللفظ ، وإنما أشار إلى انتهاك violation المنتخب السنغالي لمقتضيات المادة 82 من لائحة المسابقة . وبالاطلاع على مقتضيات المادة 82 من لائحة كأس افريقيا للأمم نجدها تنص بعبارات واضحة الدلالة والمعنى على أربعة صور لمخالفات موجبة للجزاء الرياضي ، بغض النظر عن الظروف المحيطة بها ، حماية للنزاهة الرياضية بشكل عام، وحماية لمسابقة كأس افريقيا للأمم بشكل خاص. فالانتهاك القانوني المثبت والموثق في حق الفريق السنغالي بموجب المادة 82 المذكورة هي أن لاعبي هذا الأخير غادروا أرضية الملعب قبل انتهاء الوقت القانوني للمباراة بدون إذن أو موافقة من الحكم . فمغادرة أرضية الملعب كفعل مادي ليس المقصود منها التوجه نحو مستودع الملابس ، بل إنّ مغادرة لاعب فقط لخط التماس دون إذن من الحكم سواء للعلاج أو شرب الماء أو غير ذلك من الأمور يوجب العقاب الانضباطي داخل أرضية الملعب من طرف الحكم ، لما فيه من انتقاص منه ، وكذا استهتار بقوانين اللعبة . فما بالك بمغادرة لاعبي المنتخب السنغالي لأرضية الملعب بتحريض من مدربهم والمباراة لازالت مستمرة على أرضية الملعب وفي مباراة نهائية لأثمن المسابقات داخل القارة ، دون احترام للحكم ، ودون احترام للجمهور ، ودون احترام للمنصة الرسمية . طيب، هناك اتجاه يقول بأن عودة لاعبي المنتخب السنغالي لأرضية الملعب واستكمالالمباراة في وقتها الأصلي والإضافي يعتبر قبولا من الفريق المغربي بالأوضاع التي عرفتها المباراة وظروفها، كما أن هذا الرجوع ومواصلة المباراة ينهي المخالفة الواردة في المادة 82 كما سبق إلى ذلك ،وهو لعمري اتجاه غير صحيح، لماذا؟ لأن لاعبي المنتخب المغربي واصلوا المباراة رغم الخروقات القانونية التي شابتها احتراما للحكم ولقوانين اللعبة أولا، وكذا للائحة المسابقة ثانيا، ثم احتراما للنزاهة الرياضية على أساس أن يتم سلوك مسطرة الاعتراض la réserve المخولة بموجب لائحة المسابقة بعد نهاية المباراة وداخل أجل 48 ساعة بعد انتهائها وهذا ما تم فعلا. من جهة أخرى ليس هناك أي مقتضى قانوني في لائحة المسابقة أو في مدونة الانضباط أو حتى في قانون الحكم رقم 5 الذي يتمسك به الفريق القانوني للسنغال ينص على أنّ رجوع الفريق المغادر إلى أرضية الملعب من أجل مواصلة المباراة يمحو الأثر القانوني لواقعة المغادرة بدون إذن الحكم ولا يرتّب على ذلك أي جزاء ، إعمالا لمبدأ الشرعية النصية . كذلك هناك اتجاه يذهب إلى كون المقتضيات القانونية الواردة في المادة 82 من لائحة كأس إفريقيا للأمم جامدة وأنها قابلة للتفسير والتأويل من طرف الهيئة التحكيمية مادام أن المقتضيات السالفة الذكر لم تحدد المدة الزمنية لمغادرة الملعب هل بشكل مؤقت أم نهائي ، كما أنها لم تعالج مسألة الآثار القانونية الناتجة عن العودة الإرادية للاعبين إلى أرضية الملعب أو بقاء بعضهم فوق أرضيته . لكن هذا الاتجاه أغفل وجود قاعدة فقهية أصيلة تقول بعدم جواز الاجتهاد في حال وجود النص القانوني ، خاصة إذا كان هذا النص واضحا ولا يحتاج إلى أي تأويل ، لأن مغادرة اللاعبين لأرضية الملعب خلال التوقيت الرئيسي للمباراة بدون إذن أو موافقة من الحكم واقعة مادية واضحة ولا تحتاج إلى أي اجتهاد أو تأويل من طرف الهيئة التي ستتولى النظر في القضية . وبالتالي فلا يمكن للهيئة التحكيمية قانونيا أن تتوسع في تفسير المادة 82 ولا أن تضيف إليها مقتضيات جديدة غير واردة في لائحة المسابقة . علما أن الاجتهاد القضائي المتواتر لمحكمة التحكيم الرياضي فيما يتعلق بالجوانب التأديبية يذهب في اتجاه التشدد في تطبيق اللوائح الرياضية ، ولا ينحو إلى التوسّع في تفسيرها . وعلى هذا الأساس فالاتجاه الذي انتهى إليه قرار لجنة الاستئناف من تكييف سلوك لاعبي المنتخب السنغالي بكونه يندرج ضمن نطاق مقتضيات المادة 82 من لائحة المسابقة مصادف للصواب ، لماذا ؟ لأن واقعة مغادرة الفريق السنغالي أرضية الملعب بدون إذن من الحكم قبل انتهاء التوقيت الرسمي للمباراة موثقة وثابتة ، ولم ولن يستطيع الفريق القانوني للجامعة السنغالية إثبات عكسها ، وبالتالي وأمام تحقق شروط المخالفة المذكورة وثبوت انتهاك مقتضيات المادة 82 تكون كافة المسائل التي تبعتها بما فيها العودة إلى أرضية الملعب ومواصلة المباراة غير ذات معنى رغم النتيجة المحققة على أرضية الملعب . وتكون بالتبعية مقتضيات المادة 84 التي نصت على الجزاء الناتج عن خرق المادة 82 جديرة بالاعتماد وبالتالي يكون ما انتهى إليه القرار المطعون فيه من هزيمة المنتخب السنغالي بنتيجة 3-0 قانونيا ومصادفا للصواب . * حول الدفع بعدم جواز العقاب على نفس الفعل مرتين : يدفع الفريق القانوني للجامعة السنغالية لكرة القدم إلى أن لجنة الانضباط سبق لها وأن عاقبت مدرب وبعض لاعبي المنتخب السنغالي وكذا الجامعة السنغالية على الأفعال التي عرفها نهائي كأس إفريقيا للأمم وهي العقوبات التي قبلت بها ، غير أنها تفاجئت بقرار لجنة الاستئناف المطعون فيه يتضمن عقوبة تأديبية جديدة تتمثل في إعلانه منهزما بالاعتذار (forfait) وبنتيجة 3-0 تطبيقا لمقتضيات المادتين 82 و 84 من لائحة المسابقة ، وبالتالي يذهب نحو التماس إلغاء هذا القرار لعدم جواز العقاب على نفس الفعل مرتين . ومبدأ عدم جواز المعاقبة على نفس الفعل مرتين (Ne bis in idem) هو قاعدة قانونية دولية ودستورية تمنع محاكمة أو معاقبة الشخص جنائياً أو تأديبيا أكثر من مرة عن ذات الواقعة بعد صدور حكم نهائي، ويشترط لتطبيقه: وحدة الفعل/الجريمة، وحدة المتهم، وصدور حكم بات (نهائي). وتبعا لهذا المبدأ فلا يمكن لهذا الدفع المثار أن يصمد أمام محكمة التحكيم الرياضي لأن ليس هناك أي قرار نهائي يتعلق بالأحداث المرتبطة بنهائي كأس إفريقيا للأمم تم من خلاله تطبيق مقتضيات المادتين 82 و 84 من لائحة كأس إفريقيا للأمم ومعاقبة المنتخب السنغالي بالهزيمة بالاعتذار حتى يمكن الدفع بسبقية العقاب عن نفس الفعل . أما العقوبات الفردية والجماعية الصادرة في حق الجامعة السنغالية ومدرب وبعض لاعبي المنتخب السنغالي، وكذا في حق الجامعة الملكية المغربية وبعض لاعبيها من طرف لجنة الانضباط، هي عقوبات تتعلق بخرق بنود لائحة الانضباط وقد تم إصدارها بشكل تلقائي وفق ما تم توثيقه من طرف رسميي المباراة في تقاريرهم المحالة على لجنة الانضباط، وهي عقوبات ليست موضوع الطعن أمام محكمة التحكيم الرياضي ، كما أن القرار الصادر عن لجنة الاستئناف المطعون فيه فيتعلق بالاعتراض ( la réserve) المقدم من طرف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بناء على بنود لائحة المسابقة والتي تطلب من خلاله معاينة انتهاك المنتخب السنغالي للمادتين 82 و 84 من لائحة المسابقة وبالتالي إصداره لعقوبة رياضية ، ولا علاقة له بالعقوبات التأديبية الصادرة عن لجنة الانضباط . وبالتالي فالعقوبات التأديبية الصادرة عن لجنة الانضباط ضد الطرف السنغالي فرديا وجماعيا تتعلق بخرق بنود لائحة الانضباط بناء على تقارير رسميي المباراة ، في حين أن العقوبة الرياضية الصادرة في حق الجامعة السنغالية فقد تم إيقاعها من طرف لجنة الاستئناف بعد معاينتها لخرق مقتضيات المادة 82 و84 من لائحة كأس إفريقيا للأمم باعتبارها نصا خاصا تبعا للاعتراض المقدم وفقا للقانون من طرف الجامعة الملكية لكرة القدم ، ولا مجال هنا للاحتجاج بأسبقية العقاب عن نفس الفعل مرتين . * حول الدفع بعدم تناسب العقوبة يذهب الفريق القانوني للاتحاد السنغالي لكرة القدم إلى الدفع بأن القرار الاستئنافي المطعون فيه لم يحترم مبدأ تناسب بين الوقائع والعقوبة المتخذة ، ملتمسا إلغاء القرار لهذه العلّة . لكن يقتضي مبدأ التناسب( Le principe de proportionnalité) أمام محكمة التحكيم الرياضي أن تكون العقوبات التأديبية أو الإجراءات الرياضية مثل ( الإيقاف أو الغرامات ) متناسبة وضرورية ومتوازنة مع المخالفة المرتكبة والهدف المنشود منها ، وعلى هذا الأساس تتحقق الهيئة التحكيمية مما إذا كانت العقوبة التي فرضها الاتحاد القاري عبر لجانه القضائية متناسبة مع العقوبة من عدمها. وعلى هذا الأساس يعتبر الجزاء متناسبا إذا كان كافيا لتحقيق الهدف المنشود وضروريا ومعقولا. وفي هذا الإطار وجب التذكير هنا أن حدود تدخل الهيئة التحكيمية التي ستتولى النظر في الطعن سيقتصر على التحقق ممّا إذا كانت العقوبة الرياضية الصادرة في حق المنتخب السنغالي مبررة بموجب لوائح الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم فقط، أما مدى تناسبها مع جسامة الانتهاك أو الخرق الذي نتجت عنه فهو تحصيل حاصل مادام أن الجزاء الناتج عن ثبوت المخالفة ومعاينتها محدد سابقا ولا مجال فيه للاجتهاد. وغنيّ عن البيان أن العقوبة الواردة في قرار لجنة الاستئناف المطعون فيه متناسبة مع فداحة وجسامة الأفعال التي ارتكبها مدرب ولاعبو المنتخب السنغالي وجماهيره بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط أمام العالم والتي مسّت بمبادئ النزاهة الرياضية.
أستاذ زائر بمعهد مهن الرياضة بالقنيطرة عضو بغرفة التحكيم الرياضي