عدم توقع أسوأ السيناريوهات لا يعني أنها لن تقع! خصوصا في لحظة مكيافيللية معينة ،عندما يتغير العالم ولا يعود على صورة ما نعتقده.. وعندما تنتصر موازين القوة على اليوطوبيات ، ونعيش تمزقنا الأكثر قسوة!.. كثيرون، ولعلي كنت منهم، اعتقدوا أن التقارب الجزائريالإيراني يعود إلى إيران الملالي، مع الثورة الشيعية وعودة الإمام آية لله الخميني منتصرا من فرنسا إلى الجمهورية الإسلامية. ومما زاد هذا الاعتقاد هو الدور الذي لعبته جزائر السبعينيات في قضية الرهائن الأمريكيين، ومن بعد في قضايا ذات ارتباط وثيق بالحركات القريبة من طهران. في حين تثبت وقائع عديدة، والتحليلات التي يقوم بها المتتبعون الحقيقيون، أن التقارب كان هو نفسه في عهد… الشاه! ومما علق في ذهني، منذ 2024، الحوار الذي دار بين المؤرخ عبد لله العروي، عبر كتابه «دفاتر كوفيد»، وبين الرئيس التونسي السابق، رئيس «ثورة الياسمين»، منصف المرزوقي، وهو حوار متباعد، حول التقارب المغربي الأمريكي الإسرائيلي في 2020، وما نتج عنه من تطورات في المغرب الكبير. يعتبر منصف المرزوقي أن السياسة الديبلوماسية المغربية في هذا الباب «غير مبررة»، ويرى العروي أن الأمر مخالف لهذا التوجه. وقد كتب يقول «عكس ما يراه المرزوقي، نرى أن سياسة المغرب لها ما يبررها كما هو حال سياسة دول الخليج إزاء إيران،التي تقود بدورها سياسة دولة مفكر فيها جيدا ،واستمرارا لسياسة الشاه». بطبيعة الحال، كانت اعتبارات المؤرخ المتتبع لقضايا البلاد ممتدة عبر خمسة عقود من السياسة في الشرق الأوسط. وهو في تقدير الموقف، لا يفعل ذلك من فراغ بل يؤسس له أولا بما تراكم لديه من معطيات عبر عنها بالتساؤل الحالي: «ماذا لو أن الجزائر، وقد لاحظت عدم جدوى أي سياسة أخرى، قررت الانتقال إلى الفعل الميداني، وهي ضامنة للدعم السياسي لروسياوإيران؟». والمقصود انتقال الجزائر- بعد أن تستقر على الساحل الأطلسي- إلى الهجوم على المغرب، بعد «طلب تدخل روسيا ، كما فعلت سوريا قبلها». – أمام هذا الوضع، ماذا بمقدور الأممالمتحدة والمغرب فِعله؟ خاصة وأن الملاحظ هو إبداء حلفاء المغرب أنفسهم «برودة كبيرة» في تزويده بالسلاح التقليدي، حتى عندما تكون المشتريات مدعومة بضمانات مالية من دول الخليج! نرى أن الاهتمام هنا لا يقتصر على اتخاذ موقف من سياسة خارجية عابرة، تقيمها الدولة بناء على مصالحها، بل ينطلق من واجبنا كمواطنين في بلاد تمسهم هذه السياسة عن كثب… ولعل أقوى ما يقدمه العروي، في تحليل العلاقة الجزائريةالإيرانية الممتدة، هو ما نجده في محاضرة له تم نشرها في يومية «المحرر» الطيبة الذكر تحت عنوان «تأملات في السياسية الخارجية للجزائر» الصادرة يوم السبت 24 ماي 1975! وفيها كتب العروي عن عناصر السياسة الخارجية الجزائرية ومنها: «السياسة المناصرة لإيران، على حين غرة، بدعوى أن إيران لها ((مخطط كبير)) للسياسة الخارجية المستقلة، بينما المطامح الجلية للشاه لا يمكنها أن تتحقق إلا على حساب البلدان العربية المجاورة. هذه السياسة تفسر فحسب بإرادة التخلص من التبعات التي يفرضها التضامن العربي»!!! كما لو أن اليوم هو البارحة .. الذي مر عليه نصف قرن! الواقع المستخلص هو أن سياسة الجزائر إزاء إيران لم تتغير سواء مع إيران الشاه أو مع إيران الخميني بل إنها استغلت التوتر بين طهران والرباط، التي كانت لها علاقة قوية مع إيران الشاه، لتحويل التوتر لفائدتها، تحت شعار الثورة ومساندة الثوار ضد الشاه والإمبريالية! ومن عناصر المحاضرة التي مر عليها نصف قرن تشابهات مذهلة منها قوله: الأفضلية المعطاة لتعاون ثنائي ظرفي على صعيد المغرب العربي، بدلا من سياسات متعددة الأطراف قارة ومنظمة، تسمح بتجميد، وعن إرادة مبيتة، هذا التعاون، مع توسيع التدخل في شؤون دولة مجاورة، كما يظهر ذلك في (( لا ) المتعجرفة المعترضة على مشروع الوحدة التونسية الليبية! إذا لاحظنا استقلالا ذاتيا عن فرنسا فإننا نلاحظ تبعية أكثر نفاذا تجاه البلدان الغربية الرئيسية، ما هو إذن جدوى استمرار القطيعة في العلاقات الدبلوماسية مع الولاياتالمتحدة إذا كانت توقع بين الحين والآخر اتفاقيات مع المؤسسات الأمريكية الكبرى لمدى طويل، وإذا كانت الأبناك الكبرى تُستدعى علنيا لتستخدم كوسيط لاستثمار عائدات البترول الغربية في الجزائر؟ إن المبدأ المختار، كما يظهر، هو عقد صفقات مع الغرب وإقامة مناظرات مع الشرق . – السياسة الإسلامية مقبولة في الداخل لأنها تستخدم للتقليل من شأن الإيديولوجية الغربية، لكنها مرفوضة في الخارج حتى لا يعاد النظر في توجيه سياسة الجزائر نحو العالم الثالث، هذه السياسة التي تنهج حيادا مزعوما. من الغريب أن السلوك الديبلوماسي في الحرب الحالية، إزاء الولاياتالمتحدة وإزاء إيران وإزاء دول الخليج، لم يتغير إلا قليلا، في علاقته مع القضية الفلسطينية.. ومن ذلك ما كتب العروي في محاضرته لماي 1975 عن: « الموقف جد السهل الذي يقول للفلسطينيين كل حين: افعلوا مثلنا وستنتصرون، كان من نتائجه عزلهم عن مصر وسوريا، وربما الاحتفاظ لهم بغد جد مر. ولكن هذا يفهم جيدا، إذا انتبهنا إلى تصريح رسمي مقدم أمام ممثلي الرأسمال الأمريكي الكبير:( كان بإمكاننا أن نخلق صعوبات لكيسنجر(المقصود الداهية هنري كيسنجر صانع الديبلوماسية الأمريكية الحديثة)ولكننا لم نفعل»! لا نريد أن يفهم من هذاأن على المغاربة أن يصفقوا للحرب على الشعب الإيراني، فهو يوجد فعلا بين نارين، نظام لاهوتي غيبي قامع ونيران الهجوم العسكري، الذي يريد أن يستبيح المنطقة برمتها ويخلق عناصر قوة وهيمنة للوجود الإسرائيلي القاهر. هو موقف لا يصفق ولا ينوح بل يريد أن يستحضر ثوابت الجغرافيا السياسية والنظام الجار الذي التقت إرادته مع إرادة طهران. ثم لا أحد يعطي الحق للرئيس دونالد ترامب في تدمير بلاد بحضارة ممتدة في الوعي والتاريخ، وهي جزء من وعينا الديني، بالرغم من حكامها الحاليين، والذين تسللت ثورتهم بشكل من الأشكال إلى الوعي الغربي والعربي معا، الموضوع هو أن نحتفظ لأنفسنا بموقع في الفعل الديبلوماسي بعد الحرب، وأن نكون في الموقع الذي يسمح بقيادة جيدة للمعادلات، بما يخدم مصالح بلادنا!