يفرض اقتراب فصل الصيف نفسه كمحطة حاسمة لاختبار صلابة السوق العقارية في مدينة طنجة، في ظل مشهد يتسم بتباين هيكلي لافت: ارتفاع قوي في حجم المعاملات يقابله نمو حذر ومحدود في مستوى الأسعار. وأمام صدور البيانات الرسمية الخاصة بالربع الأول من عام 2026 بعد، تبرز قراءة المعطيات المتوفرة عن نهاية العام الماضي سوقا تتحرك بسرعتين، ما يطرح تساؤلات عميقة لدى الفاعلين الاقتصاديين حول طبيعة هذا الانتعاش ومآلاته المرتقبة. وتستند هذه القراءة التحليلية إلى آخر مؤشر لأسعار الأصول العقارية نشره بنك المغرب، والذي وثق أداء الربع الرابع من سنة 2025. وتظهر هذه البيانات أن السوق في عاصمة البوغاز أنهت العام على وقع زيادة عامة في الأسعار لم تتجاوز 0.9 بالمئة. غير أن هذا الرقم الهادئ يخفي وراءه تحركا استثنائيا على مستوى الطلب، حيث قفز حجم المعاملات العقارية بنسبة 15.2 بالمئة خلال الفترة ذاتها. ويمثل هذا الفارق الشاسع بين وتيرة البيع والشراء ومؤشر القيمة، السمة الأبرز التي تحكم آليات عقار طنجة في المرحلة الراهنة. وبتحليل البنية الداخلية لهذا الأداء، يتضح للمراقبين أن التحسن المسجل لم يكن شموليا أو متجانسا، بل اتجه بشكل ملحوظ نحو فئات استثمارية وانتقائية محددة. فقد استحوذ العقار ذو الاستعمال المهني على الحصة الأكبر من الزيادة السعرية مسجلا ارتفاعا بنسبة 7.8 بالمئة، متبوعا بأسعار الأراضي التي زادت بنسبة 2.2 بالمئة. في المقابل، سجل العقار السكني، الذي يشكل المقياس الفعلي لتوجهات الطلب الواسع والشريحة الأكبر من المشترين، نموا شبه مستقر لم يتعد 0.3 بالمئة. ويعكس هذا التوزيع غير المتكافئ تركز رؤوس الأموال والاهتمام الاستثماري في العقار التجاري واقتناء الأوعية العقارية الخام، في مؤشر على استمرار جاذبية طنجة كقطب اقتصادي وصناعي، بينما يظل السكن الفردي خاضعا لتردد المشترين وحساسيتهم تجاه مستويات الأسعار الحالية المعروضة في السوق. على مستوى الحصيلة السنوية الشاملة، تدعم الأرقام هذا المنحى الاستقراري. فقد أغلقت سنة 2025 على زيادة طفيفة في الأسعار بلغت 0.6 بالمئة فقط، مع ارتفاع إجمالي في المعاملات بنسبة 3.3 بالمئة. ورغم هذا الهدوء السعري المسجل على مدار السنة، تمكنت طنجة من تحقيق أداء لافت في الربع الأخير مقارنة بمدن اقتصادية وسياحية كبرى، حيث تجاوزت وتيرة الارتفاع المسجلة فيها نظيرتها في الدارالبيضاء ومراكش. ومع ذلك، يظل هذا التفوق النسبي دون مستوى الطفرة التي يمكن أن تؤسس لدورة صعود واسعة النطاق في القطاع. وتكتسي هذه المعطيات أهمية بالغة اليوم، بالنظر إلى أن فصل الصيف يشكل تقليديا ذروة النشاط العقاري في المنطقة، مدفوعا بدينامية السياحة وعودة المغاربة المقيمين بالخارج. غير أن الرؤية الاستشرافية للموسم المقبل تظل معلقة، وتنتظر المحطة المفصلية المبرمجة في 20 مايو 2026، تاريخ النشر المرتقب لبيانات بنك المغرب الجديدة الخاصة بالربع الأول. وستكون هذه الأرقام المنتظرة حاسمة في توجيه بوصلة المستثمرين. فحتى ذلك الحين، تتقاطع التقديرات المهنية عند تقييم يتسم بالتحفظ؛ إذ تدخل السوق الربع الثاني من العام بزخم قائم في حجم التداول والمبيعات، لكن غياب معطيات تؤكد انتقال هذا الزخم إلى مستويات الأسعار، يبقي التساؤل معلقا: هل سيتحول هذا الإقبال الملحوظ إلى انتعاش سعري راسخ وممتد يكرس مسارا تصاعديا، أم سيستمر المشهد الحالي المتمثل في سوق نشطة تبيع وتشتري بكثافة، ولكن من دون إحداث تغييرات جوهرية في منظومة الأسعار.