الاتحاد كان دائما من المدافعين عن العدالة المجالية والترابية، وهناك تناغم بين دعوته وبين مخرجات المجلس الوزاري الأخير المصلحة الوطنية لها أولوية على ما عداها، والمغرب نجح في الجمع بينها وبين مواقفه المبدئية أخطر ما يمس الكيان الوطني ومؤسساته هو العدمية، لاسيما عندما تكون عبر الإعلام العمومي لن نتزعزع عن قيمنا الثابتة لاسيما في القضية الفلسطينية ونتشبث بالحلول السياسية والشرعية الدولية بذلنا مجهودا كبيرا في تغيير سرديات اليسار العالمي حول قضيتنا الوطنية وهمشنا البوليساريو في المحفل الدولي اليساري الدراسة الجدية والتعامل العلمي الرزين هما القادران على مساعدتنا في حسم الموقف من الساعة الإضافية وليس "التشيار" السياسي التغول السياسي بدأ منذ حكومة ما بعد دستور 2011، ولهذا نلح على قواعد مضبوطة ومتوافق عليها من أجل إعادة التوازن المؤسساتي
حلّ الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، ضيفًا على برنامج «ديكريبتاج» الذي يُبث على أثير إذاعة (MFM)، من إعداد وتقديم الإعلامي عبد العزيز الرماني، بمشاركة ثلة من الفاعلين والمحللين، وهم الفاعل السياسي عن حزب الاستقلال عبد القادر الكيحل، والأستاذ الجامعي مهدي فقير، والمحلل السياسي مدير جريدة الاتحاد الاشتراكي عبد الحميد جماهري، إضافة إلى الفاعل الإعلامي بوسلهام. وقد شكلت حلقة الأحد 12 أبريل 2026 محطة سياسية وإعلامية متميزة، بالنظر إلى غنى النقاش وتعدد زوايا المقاربة، حيث قدّم لشكر قراءة سياسية مركّبة تجمع بين تشخيص الأوضاع الداخلية واستحضار التحولات الدولية، مع طرح بدائل وتصورات لمستقبل الفعل السياسي بالمغرب. معارضة جديدة: من الاحتجاج إلى الاقتراح استهل إدريس لشكر مداخلته بالتأكيد أن الاتحاد الاشتراكي ينتمي إلى جيل سياسي يعتبر خدمة الدولة مسؤولية مشتركة من كل المواقع، سواء في الحكومة أو المعارضة، قائلاً: "نحن من جيل يؤمن بأن الوطن أولاً". وفي هذا السياق، أبرز أن المعارضة اليوم لم تعد معارضة تقليدية قائمة على الرفض، بل تحوّلت إلى "معارضة اقتراحية" تسعى إلى الإسهام في حل الإشكالات الاجتماعية، وتقديم بدائل واقعية في ملفات حساسة مثل غلاء المعيشة، وتدهور القدرة الشرائية، وأعطاب القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم والسكن. هذا التحول، بحسب لشكر، يفرض على الفاعل السياسي التحلي بالمسؤولية، سواء في اتخاذ القرار أو في التعبير عن المواقف، وهو ما اعتبره أساسًا لبناء ثقة جديدة بين المواطن والمؤسسات. دستور 2011: بين روح الإصلاح ومخاطر الاختزال في محور دستوري مهم، حذّر لشكر من النزوع نحو اختزال دستور 2011 في مجرد ملاءمات قانونية تقنية، بدل تنزيله الديمقراطي الحقيقي. وأكد أن التحدي المطروح اليوم لا يكمن في تعديل النصوص بقدر ما يكمن في احترام روح الدستور، عبر تعزيز التوازن بين السلط، وضمان استقلالية المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة. هذا الطرح يعكس، في العمق، تخوفًا من تراجع مكتسبات سياسية تحققت بعد مسار إصلاحي طويل، ويعيد النقاش حول طبيعة الممارسة الديمقراطية وحدودها في السياق المغربي. نقاش تفاعلي: أسئلة دقيقة وبناء البدائل النقاش داخل الحلقة اتسم بجرأة في الطرح، حيث أثار الأستاذ الجامعي مهدي فقير إشكالية ما سماه "تخمة التشخيص وغياب البدائل"، منتقدًا اعتماد بعض الأحزاب، ومنها الاتحاد الاشتراكي، على إرثها التاريخي دون تقديم أجوبة كافية لتحديات الحاضر. كما طرح عبد القادر الكيحل تساؤلات حول برامج الحزب واستعداده للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وكذا طبيعة التحالفات السياسية الممكنة. من جهته، ركّز عبد الحميد جماهري على البعد الدولي، خاصة ما يتعلق بالقضية الوطنية، متسائلًا عن موقع الحزب داخل التحولات الجيوسياسية الراهنة. أما بوسلهام، فسلّط الضوء على موقع الحزب كقوة معارضة تمارس "المساندة النقدية"، متسائلًا عن حدود هذا التموقع ومدى تأثيره. أجوبة لشكر: الواقعية السياسية بدل الشعبوية في تفاعله مع هذه الأسئلة، قدّم لشكر إجابات اتسمت بالواقعية السياسية، رافضًا اختزال العمل الحزبي في الشعارات أو المزايدات. وأكد أن الاتحاد الاشتراكي يمتلك برامج واضحة، مستدلًا بكون عدد من السياسات العمومية التي تنفذها الحكومة اليوم كانت ضمن مقترحاته سابقًا، وهو ما يعكس، حسب تعبيره، "مصداقية الطرح الاتحادي". كما شدد على أن نقد المؤسسات أو تبخيسها يمثل خطرًا حقيقيًا على الاستقرار، واعتبر أن الخطاب العدمي لا يخدم سوى إضعاف الثقة في الدولة مؤكدا أن أخطر ما يمس الكيان الوطني ومؤسساته هو العدمية، لاسيما عندما تكون عبر الإعلام العمومي. التحالفات السياسية: براغماتية مؤطرة بالقيم في ما يتعلق بالتحالفات، أوضح لشكر أن الحزب ينطلق من محددات إيديولوجية واضحة، مشيرًا إلى تقارب مع حزب الاستقلال، وإلى الاشتراك في المرجعية الديمقراطية الاجتماعية مع أحزاب أخرى. غير أنه أكد في الآن ذاته أن منطق التحالف يجب أن يقوم على البحث عن نقاط الالتقاء، وليس فقط على التقاطعات الظرفية، بما يضمن استقرارًا سياسيًا حقيقيًا. القضية الوطنية: حضور دولي وتراكم نضالي بعد الإشادة بالسياسة الخارجية التي ينهجها جلالة الملك محمد السادس، والتي أعطت ثمارها على مستوى مكتسبات القضية الوطنية، مبرزا كذلك في السياق ذاته أنه بعد «كوفيد» اتضح على مستوى السياسة الخارجية، أن العلاقات الدولية اليوم تحكمها المصالح الوطنية بالدرجة الأولى، في ظل تحولات عالمية لم تعد تحترم دائمًا الاتفاقيات الدولية. وأكد أن الاتحاد الاشتراكي، بخصوص ما يقع في الشرق الأوسط والحرب الدائرة اليوم، ظل وفيًا لخط الدفاع عن الشرعية الدولية، والحلول السياسية والديبلوماسية. وتوقف عند دور الاتحاد الاشتراكي داخل الأممية الاشتراكية ومساهمته في تصحيح مواقف عدد من الأحزاب الدولية بخصوص القضية الوطنية، ودور الحزب من خلال الدبلوماسية الموازية على الصعيد الدولي والإفريقي والعربي في ما يتعلق بالقضية الوطنية، مؤكدا أن المجهود الكبير الذي بذله الحزب في تغيير سرديات اليسار العالمي حول قضيتنا الوطنية أدى إلى تهميش البوليساريو في المحفل الدولي اليساري . كما شدد على أن الحل السياسي يظل الخيار الأمثل في النزاعات الدولية، مستشهدًا بالقضية الفلسطينية، حيث اعتبر أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام. نقد الأداء الحكومي والتحذير من «التغول» في تقييمه للعمل الحكومي، لم يُخف لشكر انتقاداته، خاصة في ما يتعلق بضعف خلق فرص الشغل، مشيرًا إلى أن الأرقام المحققة لا ترقى إلى مستوى الوعود. كما تطرق إلى قضايا أثارت جدلًا واسعًا، مثل تدبير الدعم الاجتماعي، ودعم أضحية العيد، معتبرًا أن غياب الحكامة الجيدة والتواصل الفعّال ساهم في تعميق الاحتقان. وفي هذا السياق، أطلق تحذيرًا واضحًا من "التغول السياسي"، معتبرًا أن أي خلل في القوانين الانتخابية قد يؤدي إلى هيمنة مفرطة لطرف واحد، بما يهدد التعددية والتوازن الديمقراطيين. وفي ما يتعلق بدعوات إلغاء الساعة الإضافية، دعا لشكر إلى التعامل مع هذا الموضوع بكثير من العقلانية، مشيرا إلى أن الحكومة تتوفر على البنية التقنية الكفيلة بدراسة هذا الملف ومعالجته انطلاقا من سلطتها التنظيمية، ومؤكدا ضرورة الاعتماد على دراسة تقنية دقيقة والابتعاد عن الشعبوية، معتبرا أن الدراسة الجدية والتعامل العلمي الرزين هما القادران على مساعدتنا في حسم الموقف من الساعة الإضافية وليس «التشيار» السياسي. الجهوية والتنمية المندمجة وفي قراءته للتوجهات الكبرى للدولة، استحضر لشكر مضامين خطاب العرش الأخير لجلالة الملك، خاصة ما يتعلق بإطلاق القوانين الانتخابية وتعزيز النموذج التنموي الجديد، مشيرًا إلى أن محطة إرساء الجهوية المتقدمة تشكل أساسًا لبناء تنمية ترابية مندمجة. وفي هذا السياق، أبرز انسجام الدينامية التنظيمية للحزب، من خلال مؤتمراته الإقليمية 72، مع هذه التوجهات، حيث يرفع شعار التنمية المندمجة كخيار استراتيجي. المعارضة والتجربة الحكومية وأكد لشكر أن "معارضة اليوم ليست معارضة الأمس"، بالنظر إلى حجم الأوراش الكبرى التي انخرطت فيها الدولة، وهو ما يفرض، حسب تعبيره، معارضة مسؤولة توازن بين النقد والمساهمة في البناء. وردًا على الانتقادات التي ترى أن الحزب يعيش على أمجاد الماضي، شدد على أن الاتحاد الاشتراكي لا يكتفي بالتشخيص، بل يمتلك برامج دقيقة، مستشهدًا بتقارير مستقلة أكدت وجاهة مقترحاته مقارنة ببرامج حكومية تم تبني بعضها لاحقًا. الدفاع عن المؤسسات ورفض العدمية وشدد الكاتب الأول على أن أخطر ما يهدد الحياة السياسية هو تبخيس المؤسسات، سواء تعلق الأمر بالأحزاب أو البرلمان، معتبرًا أن هذا المنحى العدمي لا يخدم استقرار البلاد. وأكد الكاتب الأول أن المغرب "دولة قوية بمؤسساتها وسيادة القانون"، داعيًا إلى تعزيز الثقة في العمل السياسي بدل تغذية الخطابات التشكيكية، وأبرز أن المغرب راكم تجربة مؤسساتية مهمة، وأن الحفاظ عليها يمر عبر تعزيز الثقة فيها، لا تقويضها، معتبرا أن الخطاب الذي يبخّس الأحزاب والبرلمان يشكل خطرًا على الاستقرار، داعيًا إلى ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على النقد البناء بدل العدمية. أفق سياسي مفتوح على التغيير في ختام مداخلته، دعا إدريس لشكر إلى "دق باب المستقبل" عبر إصلاحات جذرية تستجيب للتحولات الرقمية والاقتصادية والاجتماعية، مؤكدًا أن الاتحاد الاشتراكي سيظل فاعلًا رئيسيًا في هذا المسار. كما شدد على أن الرهان اليوم هو بناء توازن سياسي يحمي المكتسبات ويؤسس لمرحلة جديدة من الإصلاح الديمقراطي، بعيدًا عن منطق الهيمنة أو التبخيس. حلقة "ديكريبتاج" لم تكن مجرد لقاء إعلامي عابر، بل شكلت فضاءً لنقاش سياسي عميق، أعاد طرح أسئلة جوهرية حول دور المعارضة، ومستقبل الديمقراطية، وحدود التوازن بين المؤسسات. وفي قلب هذا النقاش، برز خطاب إدريس لشكر كدعوة صريحة إلى معارضة مسؤولة، وإصلاح سياسي متدرج، يحصّن البلاد من مخاطر الاختلال والتغول.