عبدالكبير الركاكنة :على الصندوق إيقاف إجراءاته إلى حين استكمال النصوص التنظيمية المتعلقة بقانون الفنان والمهن الفنية احتقان غير مسبوق يخيم على الوسط الفني المغربي، بعد أن تحولت رسائل صادرة عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى ما يشبه إنذارات جماعية، وضعت عددا من الفنانين أمام خيارين أحلاهما مر، أداء واجبات انخراط لا تتماشى مع طبيعة عملهم، أو مواجهة غرامات تهدد ما تبقى من استقرارهم المهني والاجتماعي. القضية التي بدت في ظاهرها إجراء إداريا عاديا، سرعان ما تحولت إلى ملف شائك يكشف اختلالات عميقة في تدبير الحماية الاجتماعية للفنان. فبين الانخراط في التعاضدية الوطنية للفنانين من جهة، ومحاولات إجبارهم للانخراط في نظام الضمان الاجتماعي غيابيا من جهة ثانية، وجد كثير من الفنانين أنفسهم في وضعية قانونية ملتبسة، تطرح سؤال الازدواجية وتفضح هشاشة الإطار التنظيمي. في هذا السياق، يضع عبد الكبير الركاكنة، رئيس التعاضدية الوطنية للفنانين المغاربة، الإصبع على جوهر الإشكال، مؤكدا في تصريح لجريدة الاتحاد الاشتراكي أن القطاع ينقسم عمليا إلى فئتين، فئة حاملة لبطاقة الفنان تستفيد من خدمات التعاضدية، وأخرى تجمع بين هذه البطاقة وصفة "المقاول الذاتي"، وهي التي" يسري" عليها منطق الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. غير أن ما فجر الأزمة، حسب الركاكنة، هو توسيع دائرة المعنيين بعد مد مصالح وزارة الشباب والثقافة والتواصل لمعطيات الفنانين إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما أدى إلى إدراج فئات لم تكن معنية أصلا بهذا النظام. ويشدد عبدالكبير الركاكنة على أن هذا الوضع يتعارض مع روح القانون رقم 68.16 المتعلق بالفنان والمهن الفنية، موضحا أن هذا القانون أقر خصوصية الوضعية المهنية للفنان، سواء من خلال العقود الفنية أو طبيعة الاشتغال المتقطعة، وهو ما يجعل إخضاع الجميع لنفس النموذج الإداري أمرا غير منسجم مع النص القانوني. ويضيف رئيس التعاضدية الوطنية للفنانين لجريدة الاتحاد الاشتراكي أن الإشكال لا يقف عند حدود التأويل، وإنما يرتبط بغياب النصوص التنظيمية اللازمة لتفعيل عدد من المقتضيات، خاصة تلك المتعلقة بالحماية الاجتماعية وكيفيات تحصيل المساهمات وصرفها، كما تنص على ذلك المادة 20، إلى جانب مقتضيات أخرى مرتبطة بالعقد الفني، والمفاوضات الجماعية، وآليات المراقبة. وعلى مستوى الوضعية المهنية والجبائية، يوضح الركاكنة أن الفنانين يشتغلون في إطار عقود محددة المدة ومتقطعة، ولا يندرجون ضمن نظام المقاول الذاتي أو التصريح الفردي بالأرباح، بل يخضعون لنظام الاقتطاع من المنبع، وفقا لمقتضيات المدونة العامة للضرائب، وهو ما يجعل محاولة إخضاعهم لنظام قائم على الأداء الدوري غير ملائم لطبيعة نشاطهم. كما يثير مسألة الازدواجية في التغطية الصحية، مؤكدا أن منخرطي التعاضدية يستفيدون من نظام تأمين أساسي عن المرض، وأن إجبارهم للانخراط غيابيا في نظام إضافي يشكل خرقا لمقتضيات القانون رقم 98.15، الذي يمنع الجمع بين نظامين للتغطية الصحية، فضلا عن مقتضيات القانون رقم 00.65 التي تؤكد المبدأ نفسه. ويعتبر عبدالكبير الركاكنة أن إشعارات الدين والاستدعاءات التي توصل بها عدد من الفنانين تفتقر إلى سند قانوني واضح في ظل غياب الإطار التنظيمي المكتمل، وهو ما يجعلها إجراءات تثير أكثر من علامة استفهام حول مشروعيتها. وفي السياق نفسه، يدعو رئيس التعاضدية الوطنية للفنانين، في تصريحه لجريدة الاتحاد الاشتراكي، إلى إيقاف هذه الإجراءات بشكل فوري ومؤقت، إلى حين استكمال تنزيل النصوص التنظيمية المرتبطة بالقانون رقم 68.16، بما يضمن وضوح الرؤية واحترام خصوصية المهن الفنية، وتفادي إقحام الفنانين في التزامات قانونية ومالية لا تستند إلى أساس مكتمل. وفي خضم هذا الاحتقان، يرتفع منسوب التعبئة داخل النقابات الفنية، حيث أعلن أيوب ترابي، الأمين العام للنقابة المهنية لحماية ودعم الفنان، أن الأسبوع المقبل سيكون محطة مفصلية في مسار النضال النقابي داخل القطاع، في تصريح يعكس حجم التوتر، ويؤشر على دخول الملف مرحلة جديدة قد تحمل في طياتها أشكالا تصعيدية غير مسبوقة. ووفق العديد من الأصوات التي عبرت عن غضبها في مواقع التواصل الاجتماعي، يبدو أن الأزمة تجاوزت حدود سوء الفهم الإداري، لتكشف عن خلل بنيوي في تصور الحماية الاجتماعية للفنان بالمغرب. بين إرادة تعميم التغطية، وواقع مهني يقوم على الهشاشة والتقطع، يقف الفنان في منطقة رمادية، يدفع ثمن تأخر الإصلاح وغياب التنسيق، في انتظار حل يعيد التوازن بين الحق في الحماية وواقع الممارسة.