مرة أخرى يؤكد إدريس السنتيسي أن الترحال السياسي في المغرب ليس مجرد استثناء عابر، بل هو ممارسة راسخة لدى فئة من المنتخبين الذين يتعاملون مع الأحزاب كوسائل نقل موسمية، لا كفضاءات للنضال الفكري أو الالتزام ببرامج مجتمعية واضحة. فانتقال السنتيسي من الحركة الشعبية إلى حزب الاستقلال لا يحمل في جوهره أي إضافة فكرية أو سياسية نوعية، بقدر ما يعكس بحثا محضا عن المصلحة الشخصية والتموقع الانتخابي الجديد، خاصة بعد أن راكم موقعه داخل السنبلة لسنوات طويلة قبل أن يغادرها فور اهتزاز علاقته بقيادتها الحالية. الأخطر في هذا الترحال ليس الخطوة في حد ذاتها، بل الرسالة السلبية التي يبعثها للناخبين؛ فهي تكرس غياب الخط السياسي الثابت والوفاء لمن منحوا أصواتهم على أساس انتماء حزبي محدد. فكيف يمكن لمنتخب أن يطالب بثقة المواطنين وهو يتنقل بين الألوان السياسية كما لو كانت تحالفات عابرة؟ وإذا أضيف إلى ذلك البعد العائلي عبر المصاهرة مع عائلة عباس الفاسي، تتضح الصورة أكثر حيث تدار السياسة بمنطق الشبكات والقرابة لا بمنطق الكفاءة والمشروعية الديمقراطية، ليتحول الحزب هنا إلى مجرد مظلة جاهزة للاستعمال. وفي مدينة سلا، حيث يراهن السنتيسي على رصيده المحلي وعلاقاته التنظيمية، يبدو المشهد أكثر قلقا؛ فالمدينة التي تحتاج إلى نخب مستقرة وذات رؤية واضحة، تستغل مرة أخرى كساحة اختبار لطموحات فردية ترى في العمل السياسي سلما للصعود الشخصي فقط. إن هذا الترحال السياسي يمثل استخفافا بالعمل الحزبي وإفراغا للديمقراطية من معناها الحقيقي، وما لم تواجه هذه الممارسات بمحاسبة سياسية وأخلاقية حقيقية من طرف الكتلة الناخبة، سيبقى المواطن هو الخاسر الأكبر، وتظل الأحزاب مجرد عناوين قابلة للتبديل عند أول منعطف للمصالح.