شكلت خلاصات بعثة صندوق النقد الدولي الأخيرة عقب مشاوراتها مع السلطات المغربية برسم المادة الرابعة، خارطة طريق نقدية تضع الاقتصاد الوطني أمام مرآة مؤشراته الماكرو-اقتصادية، حيث جاء التقييم العام الذي قدمته رئيسة البعثة لورا جاراميو ليعكس حالة من الاستقرار الممزوج بالحذر المنهجي. هذا ويبدو رهان النمو لسنة 2025، المقدر بنحو 4,9 في المائة، طموحا يستند بشكل عضوي إلى دينامية قطاعات البناء والخدمات وانتعاش القطاع الفلاحي، غير أن هذا التفاؤل الرقمي يظل مشروطا بمدى قدرة الدولة على فك الارتباط التاريخي بين وتيرة النمو ومعدلات التساقطات المطرية. فالموسم الفلاحي الذي وصف بالاستثنائي يمنح الاقتصاد نفسا مؤقتا، لكنه يطرح في الجوهر تساؤلات ملحة حول استدامة النموذج التنموي في مواجهة الإجهاد المائي والتقلبات المناخية التي لم تعد مجرد ظواهر عارضة، بل تحولت إلى معطى بنيوي يستوجب تسريع وتيرة الاستثمارات في الطاقات البديلة وتقنيات الري الحديثة لضمان مناعة أطول أمدا. وبالنظر إلى جبهة التضخم، يظهر الاستقرار عند مستويات دنيا لا تتجاوز 0,8 في المائة كإنجاز يعكس نجاعة السياسة النقدية، إلا أن التوقعات التي تشير إلى صعوده التدريجي نحو 2 في المائة بحلول منتصف 2027 تحمل في طياتها تحديات مرتبطة بمرونة الطلب الداخلي. هذا التوازن الدقيق يفترض ثباتا في سلاسل الإمداد العالمية واستقرارا في أسعار المواد الأولية، وهو افتراض يواجه اختبارا حقيقيا في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية التي قد تفرز صدمات سعرية مفاجئة تعيد بعثرة أوراق الفاعلين الاقتصاديين. ومن هذا المنطلق، يبرز الحساب الجاري كمنطقة رصد حيوية، حيث إن اتساع العجز الناتج عن تسريع الاستثمارات العمومية يفرض ضرورة الرفع من جاذبية مناخ الأعمال لضمان تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لكونها الصمام الذي يغطي العجز ويحافظ على مستويات مريحة من الاحتياطات الدولية بعيدا عن الاستدانة المفرطة. وفي الشق المالي، يعكس تراجع عجز الميزانية إلى 3,5 في المائة وتحسن المداخيل الجبائية لتصل إلى 24,6 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، مجهودا ملموسا في تعبئة الموارد، لكن الصندوق يوجه رسالة واضحة بضرورة عقلنة الهوامش. فبدل توجيه الفائض المالي نحو سد ثغرات بعض المؤسسات والمقاولات العمومية المتعثرة، تدعو البعثة إلى استثماره في الرأسمال البشري وبناء احتياطيات وقائية لمواجهة الطوارئ. هذا التوجه يسلط الضوء على المخاطر الكامنة داخل المحفظة العمومية للدولة، حيث أصبح من الضروري مأسسة تتبع المخاطر الميزانياتية لتفادي أي انتقال مفاجئ للأزمات المالية من المقاولات العمومية إلى خزينة الدولة، مما يفرض تسريع إصلاح هذه الكيانات وجعلها أداة للإنتاج لا عبئاً على الميزانية. أما ملف التشغيل، فقد برز كالحلقة الأضعف والتحدي الأكثر تعقيدا في المشهد الاقتصادي، إذ تظل القدرة على خلق فرص عمل مستدامة مرتبطة بشكل وثيق بمدى تحسن تنافسية القطاع الخاص وضمان حياد المنافسة. وتكتسي دعوة الصندوق لتقييم الأثر الفعلي لبرامج دعم المقاولات الصغيرة جدا وخارطة الطريق للتشغيل 2030 أهمية بالغة، بالنظر إلى الفجوة القائمة بين الأرقام الاستثمارية ومعدلات البطالة في صفوف الشباب والنساء. فالنمو الذي لا يترجم إلى مناصب شغل حقيقية يظل نموا ناقصا من الناحية الاجتماعية، وهو ما يتطلب مراجعة عميقة لمنظومة التكوين وملاءمتها مع حاجيات السوق، بالتوازي مع الانتقال التدريجي نحو مرونة أكبر في سعر الصرف، شريطة أن يصاحب ذلك تواصل شفاف من البنك المركزي لضمان استقرار توقعات المستثمرين والفاعلين. وتظل مشاورات المادة الرابعة، رغم صبغتها الاستشارية، بوصلة حقيقية للمستثمرين الدوليين والأسواق المالية، فهي تعزز الثقة في سلامة السياسات الماكرو-اقتصادية المغربية، لكنها في الآن ذاته تضع الحكومة أمام مسؤولية تاريخية لمواصلة الإصلاحات الهيكلية. فبناء اقتصاد منيع يتطلب تجاوز الحلول الظرفية نحو استراتيجيات تعزز السيادة الاقتصادية وتدعم المبادرة الخاصة، في عالم لم يعد يعترف إلا بالكيانات التي تملك القدرة على التكيف السريع مع الصدمات الخارجية وتملك رؤية واضحة لتدبير مواردها البشرية والمالية بكفاءة عالية.