تفوح من ردهات الحكومة المغربية روائح أزمة سياسية غير مسبوقة، صعدت حدتها لتضع العلاقة بين رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ووزير العدل عبد اللطيف وهبي، على صفيح ساخن، عقب تدخل مباشر وحاسم من الأول لنزع فتيل الاحتقان مع هيئات المحامين، متجاوزا في ذلك التنسيق القطاعي المفترض مع وزير الوصاية. هذه التطورات، التي تفجرت في غياب وهبي الذي كان في مهمة رسمية، جسدت تصدعا في التضامن الحكومي، حيث سارع رئيس الحكومة إلى ربط جسور التواصل مع رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب عبر قناة خلفية تمثلت في محام مقرب من حزب التجمع الوطني للأحرار بالرباط، في خطوة تم تفسيرها على أنها تهميش مباشر لوزارة العدل. هذا وتتجاوز هذه الحادثة كونها مجرد اختلاف في تدبير ملف مهني، لتطرح علامات استفهام كبرى حول حدود التفويض الممنوح للوزراء ومدى قدرة رئيس الحكومة على فرملة مشاريع قوانين صادرة عن وزراء حلفائه، خاصة وأن الأمر وصل حد التلويح بوضع وهبي لطلب إعفائه من المسؤولية الحكومية، في إشارة صريحة إلى حجم الامتعاض داخل حزب الأصالة والمعاصرة. القرار الذي اتخذه أخنوش، والقاضي بتجميد إحالة مشروع قانون مهنة المحاماة على البرلمان، لم يكن مجرد إجراء تقني لتهدئة الأوضاع، بل حمل في طياته رسائل سياسية قوية، إذ أوعز إلى الأمين العام للحكومة بوقف مسار النص، ما يعتبره مراقبون إقبارا فعليا للمشروع في صيغته الحالية التي دافع عنها وهبي باستماتة. هذا التدخل الرئاسي، الذي جاء ليضرب عرض الحائط بمقترحات الوساطة البرلمانية التي كانت تراهن على الحوار داخل المؤسسة التشريعية، يكرس واقعا جديدا يمارس فيه رئيس الحكومة صلاحياته في التحكيم وتوجيه السياسات العمومية بأسلوب الإدارة المباشرة للملفات الحارقة، متجاوزا أحيانا أدوار الوزراء القطاعيين. هذا التحرك، وإن نجح في امتصاص غضب المحامين مؤقتا، فإنه خلف جروحا غائرة في الثقة بين مكونات التحالف الحكومي، حيث يرى البعض أن سحب البساط من تحت أقدام وزير العدل يضعف هيبة الوزارة ويجعل المشاريع القوانين رهينة لموازين القوى السياسية داخل الأغلبية، بدل أن تكون نتاجاً لرؤية تقنية وتوافقية. ما يزيد من تعقيد المشهد هو أن مشروع قانون المهنة يمس بجوهر منظومة العدالة، والتدخل لجمده بهذه الطريقة يعكس ازدواجية في تدبير الإصلاحات الهيكلية، حيث يتم تقديم منطق التهدئة الاجتماعية والسياسية على حساب إرساء قواعد قانونية حديثة، مما يطرح تحديا حقيقيا أمام رئيس الحكومة للموازنة بين الاستقرار الاجتماعي وضغط الشارع، وبين استمرار الإصلاحات التي تلتزم بها الدولة. تلويح وهبي بالاستقالة ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو تعبير عن أزمة شرعية ومسؤولية داخل الحكومة، تفرض على أقطاب الأغلبية إعادة ترتيب أوراقهم وضبط آليات التنسيق بينهم، وإلا فإن هذا التصدع قد يمتد ليشمل ملفات أخرى، مما يهدد بنسف الانسجام الذي طالما تغنت به الأغلبية منذ تشكيلها. وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من ترميم لهذه العلاقة، يظل ملف المحاماة عنوانا كبيرا لصراع غير معلن حول من يملك سلطة القرار النهائي في تشريع القوانين الحساسة داخل دواليب الدولة.