وزير خارجية موريتانيا الأسبق: الضغط الأمريكي سينهي نزاع الصحراء ونواكشوط مطالبة بمبادرة دبلوماسية            توزيع مساعدات غذائية على الأسر العائدة بالقصر الكبير    أكزناية.. استنفار أمني بعد صعود شخص فوق لاقط هوائي أمام مقر الجماعة    عن مبادرته "سرور"..عبدالرحمن الرايس يفوز بجائزة "صناع الأمل"    أديس ابابا.. المغرب يجدد التزامه بتعزيز العمل الإفريقي المشترك وفقا للرؤية الملكية المستنيرة    الأهلي المصري والجيش الملكي يحجزان مقعديهما في ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا    ميكيل أرتيتا يؤكد قلقه من كثرة الإصابات في صفوف آرسنال    الداخلية تعلن إيداع الجداول التعديلية النهائية بمناسبة مراجعة اللوائح الانتخابية العامة    حموني يسائل رئيس الحكومة حول إقصاء أقاليم متضررة من برنامج دعم المناطق المنكوبة    الخلاف بين السعودية والإمارات ينتقل إلى منطقة القرن الأفريقي والرياض تبني تحالفا يضم مصر وتركيا وقطر لإحتواء النفوذ الإماراتي    المجلس الجهوي للعدول بطنجة يدعو إلى حوار جاد بشأن مشروع القانون 16.22 ويؤكد الانخراط في المسار المؤسساتي    الإعلان في الرباط عن تأسيس النقابة الوطنية للأخصائيين النفسيين    أجواء مستقرة في توقعات اليوم الإثنين بالمغرب    انحراف قطار عن سكته في سويسرا يوقع جرحى "على الأرجح"    تقرير رسمي يرصد مكامن القوة والاختلال في تنزيل "الدعم الممتد" بمؤسسات الريادة    إلغاء طلب عروض تدبير النقل الحضري بأكادير الكبير وإطلاق مسطرة جديدة في أفق يونيو 2026    صادم.. عندما تتحول مقبرة بالجديدة إلى مطرح للنفايات المنزلية والبشرية!    مصرع متزلجين اثنين وإصابة آخر بانهيار جليدي في جبال الألب الإيطالية    مهرجان برلين الدولي للفيلم.. المغرب يستعرض نموذجه في مجال الإنتاج المشترك    دواء تجريبي جديد يعزز فرص نجاة مريضات سرطان المبيض    المغرب يحافظ على الريادة في "صناع الأمل" بالتطوع والمبادرات الخيرية    اعتداءات في القاهرة تختبر "الكاف"    الجيش الملكي يندد بتصرفات جماهير الأهلي ويطالب بتدخل الكاف    ارتفاع قياسي في مخزون السدود.. نسبة ملء تتجاوز 70%    الغيطة تتحدى الطوفان والأجهزة الأمنية تصنع المعجزة    الفنان الشعبي مروان اللبار يشعل ميغاراما في ليلة "Chaabi Thérapie" كاملة العدد    الآن عرفت.. من نص قادم.    كأس ال"كاف " (الجولة 6): الوداد الرياضي يتأهل إلى ربع النهائي متصردا المجموعة الثانية عقب فوزه على عزام التنزاني ( 2-0)    حرب الإبادة مستمرة: استشهاد 12 فلسطينيا جراء غارات إسرائيلية على قطاع غزة    وكالة بيت مال القدس الشريف تطلق حملة المساعدة الاجتماعية السنوية عشية شهر رمضان    إيداع الجداول التعديلية النهائية المتضمنة لقرارات اللجان الإدارية بمناسبة المراجعة السنوية للوائح الانتخابية العامة برسم 2026    بنعطية يعلن استقالته كمدير رياضي من أولمبيك مارسيليا    الوداد يحسم التأهل بثنائية أمام عزام    دبي تتوّج المغربية فوزية محمودي بلقب "صنّاع الأمل" وتكرّم مبادرات إنسانية    أنفوغرافيك | موريتانيا تتصدر قائمة المستوردين..صادرات المغرب من الليمون 2024/2025    شركات كبرى لتجميد وتعليب الأسماك تدخل في مواجهة مع وزارة الصيد بسبب قرار تقييد تصدير السردين    مؤسسة الدوحة للأفلام تعلن عن قائمة خبراء قمرة 2026: فوزي بنسعيدي، غايل غارسيا برنال، أليس ديوب، دييغو لونا، غوستافو سانتاولالا    جواز السفر المغربي يرتقي إلى المرتبة 62 عالميًا ويتيح دخول 72 دولة دون تأشيرة    تقرير: 76% من المغاربة يرون أن التغير المناخي يجعل الحياة أسوأ.. و36% عدّلوا أنماط الزراعة والغذاء بسبب تقلبات الطقس    مختبر السرد والأشكال الثقافية ببني ملال يحتفي بالإصدار الجديد لعز الدين نزهي    بينها المغرب.. الصين تلغي الرسوم الجمركية عن 53 بلدا إفريقيا    إسبانيا.. المغرب ضيف شرف "القمة الرقمية 2026" بمدريد    الغزاوي: ثلث مستفيدي "دعم سكن" من مغاربة العالم    أوباما يرد على فيديو عنصري صوره في هيئة قرد وينتقد "السلوك الديكتاتوري" لإدارة الهجرة الأمريكية    الصين تنشر كوكبة من الأقمار الاصطناعية تحمل 10 نماذج للذكاء الاصطناعي    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    حجية السنة النبوية    إدريس الخوري: رحيلٌ في "عيد الحب" وسخرية القدر الوفية    الأسرة من التفكك إلى التماسك في رمضان    تحذيرات خبراء : "أطعمة تقتل الإنسان ببطء وتوجد في نظامنا الغذائي"    هذا ما قالته مندوبية السجون حول محاصرة مياه الفيضانات لسجن طنجة 2    أبحاث أمريكية: النوم المتأخر يهدد صحة القلب    قطاع البر والإحسان يتصدر منظومة الاقتصاد الإسلامي في ندوة البركة ال46    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    ظلمات ومثالب الحداثة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كتبيو مراكش.. معاناة مستمرة وتشبث بمهنة خير جليس
أزيد من 15 ألف عنوان ومخطوط تتداول في أكشاك باب دكالة
نشر في الصحراء المغربية يوم 01 - 02 - 2013

يترحم كتبيو باب دكالة بمراكش على زمن استطاع الكتاب المستعمل أن يفرض وجوده بالفعل والقوة. والذين أدركتهم حرفة الأدب وصاروا رقما أساسيا داخل منظومة القراءة، يستحضرون ملحمة هؤلاء الكتبيين مع حركة الانتقال من جامع الفنا بداية الثمانينيات من القرن الماضي، إلى أن استقر بهم المقام قبالة المحطة الطرقية بباب دكالة في مراكش.
ملحمة هؤلاء القابضين على الكتاب بقوة لا تنتهي في آخر سطر من رواية، أو في بيت ديوان شعري، أو حتى في كلمة شاردة في مخطوط عمر أزيد من 400 سنة.
مسلسل مضن من الرحيل والترحيل
عن بداية شغفه بالكتاب، يتحدث الكتبي، محمد الغريسي، الذي ناضل من أجل الحصول على كشك في باب دكالة، عن فترة ازدهار الكتاب المستعمل في جامع الفنا، وإن كان عاصر هذه الفترة من بعيد، بحكم أنه كان فتى حد اليفاع.
يقول الغريسي إن الكتاب المستعمل شهد أوجه في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وكانت جامع الفنا مسرحا كبيرا للكتبيين من جهة وللحكواتيين، الذين ربطوا علاقات ثقافية مع بائعي الكتب القديمة، لأنهم كانوا يستأجرون كتبا من عيون التراث العربي، ك"الأزلية" و"ألف ليلة وليلة"، وكل مؤلف يحاكي التراث الشفهي الشعبي.
وأضاف في لقاء مع "المغربية"، أن الكتاب المستعمل شهد مسلسلا من الرحيل والترحيل، إذ انتقل الكتبيون من جامع الفنا، التي شكلت الموقع الأول لبيع وترويج الكتاب، حيث يتذكر تلك الدكاكين الخضراء المقامة في خطين متوازيين، تحوي أهم الكتب التي صدرت باللغتين العربية والفرنسية، ليستقر بهم الحال قرب محطة "الكيران" في مراكش.
عن معاناة هذه الفئة التي تحتمي بالصبر، يوضح محمد الغريسي أن السلطات نقلت الكتبيين إلى سوق جديد اسمه سوق "الازدهار"، لم يحمل هذا الفضاء، حسب تعبيره، من الازدهار إلا الاسم.
في هذا السوق الجماعي اختلط الكتبي بالبقال وبائع الخضر وبصاحب المتلاشيات، وكانت الفوضى تعم هذا السوق، حيث عمدت السلطات إلى تشتيت الكتبيين، منهم من حصل على دكاكين في وسط السوق، وآخرون في مقدمته، ومنهم من كان نصيبه في دكاكين بظهر السوق.
وأشار الغريسي إلى أن الحركة التجارية توقفت بالكمال، ولم يعد الكتاب أعز ما يطلب، حتى هواة الكتب باتوا يتوجسون خيفة من الاقتراب من السوق والتبضع منه، وأصبح سوق "الازدهار" في قاموس المراكشيين مرتعا للصوص وللجريمة والمتسكعين ومحتسي الخمور، بل أصبح بتعبير الغريسي نقطة سوداء في مراكش.
من جهة أخرى، قال الغريسي إن المسؤولين اختاروا مناسبة اليوم العالمي للكتاب من سنة 2002 لهدم سوق "الازدهار"، وهكذا كانت الجرافات تغرس أنيابها في بناية السوق أمام أعين الكتبيين ومجاوريهم من باعة الخضر والمواد الغذائية وما شابه، ليبدأ شوط آخر من الانتظار والمعاناة.
"الجليس" و"الوعي" للم الشمل
في سنة 2004 سيضطر محمد الغريسي رفقة كتبيين إلى تأسيس جمعية "الجليس" للم شمل الكتبيين، والدفاع عن مكتسباتهم، والحديث باسمهم أمام المسؤولين، في المقابل أسس عمر زويتة، عميد الكتبيين المراكشيين، بدوره جمعية "الوعي" لباعة الكتب المستعملة.
ناضل الجميع من أجل استقرار الكتبيين متكتلين في مكان واحد، بعد عملية الإحصاء التي أقصت العديد منهم. واختار لهم المجلس البلدي مكانا لا يبعد عن المحطة الطرقية إلا بخطوات قليلة، بعدما استفاد 13 كتبيا جديدا و13 من أصحاب القرار من أكشاك صغيرة، لا تتعدى مساحتها مترا ونصف المتر، وبعد شكايات كثيرة، يقول الغريسي، استفدنا من الواقيات الحديدية، وكل واحد منهم بدأ يعتني بالمساحة الموجودة أمامه، كتزيينها بالورود من أجل إعطاء بعد جمالي للكشك.
في حديثه يؤكد محمد الغريسي دور الكتاب في الحياة الثقافية في مراكش، مشيرا إلى أن العديد من هواة الكتاب المستعمل يترددون على باب دكالة، منهم شعراء وكتاب وفنانون وتشكيليون وجامعيون، إذ أثنى كثيرا عن الشاعر المغربي إسماعيل زويريق، والقاص المراكشي، لحسن باكور الذي فاز بإحدى جوائز الخليج في القصة القصيرة.
وأضاف أن الكتاب المستعمل ظل صامدا ضد كل وسائط الاتصال كالإنترنت، والقارة الزرقاء التي يسكنها الكثير من الشباب المغاربة، ويعني بذلك "الفايسبوك"، ففي هذه المعارك الافتراضية خرج الكتاب قويا، وإن كانت استراتيجية التعليم عندنا تعتمد فقط على الكتاب المدرسي، وباتت لدينا ثقافة المقرر، يوضح الغريسي، فإن الكتاب المستعمل يجلب زبناءه ومحبيه وعشاقه، وقدر في لقائه مع "المغربية" عدد الكتب المتداولة في أكشاك باب دكالة بأزيد من 15 ألف عنوان ومخطوطات نفيسة تعود إلى 400 سنة.
يتحول كتبيو باب دكالة بمراكش إلى رقم أساسي في معادلة الدخول المدرسي، حيث تصبح أكشاك الكتاب المستعمل قبلة للأسر المراكشية، من ذوي الدخل المحدود في بحثها عن المقررات المستعملة لأبنائها.
وتعم الحركة هذا الفضاء، الذي يتزيى بمختلف العناوين، ويتنافس الكتبيون في تقديم كل ما ادخروه من مقررات وتلاوات وقصص للأطفال لهذه العينة من الزبائن الموسميين. يقول الغريسي، بعد هذه الفترة المضيئة في السنة تتردد على باب دكالة فئة تعود إلى السبعينيات من القرن الماضي، التي لا تأبى الفراق عن الكتاب المستعمل، ولا تجد دونه مصرفا، إلا أن هذه الفئة يبرز الغريسي بدأت تنقرض.
يوم بلا كتاب يوم بلا حب
في ذلك الصباح المراكشي البارد من أيام يناير، التي يتطلع المراكشيون إلى السماء علها تجود بقطرات تذيب هذا القر الذي سيطر على أجواء مراكش، كانت هناك داخل كشك الغريسي سيدة أجنبية تتحرك بتؤدة بين أرفف الكشك تبحث عن عنوان لأديب فرنسي أو سوسيولوجي سخر فكره وعوالمه للمغرب، أو لكاتب مغربي يكتب بقلم أعجمي. وقالت الصحافية الفرنسية لورانس إنها تتردد كثيرا على كتبيي باب دكالة، وتحديدا على كشك الغريسي، الذي
تقول عنه إنه متخصص في كتب الأدب الفرنسي والرواية والفكر بشكل عام. وأضافت، في تصريح ل"المغربية"، أن "أروع مهنة هي بيع الكتب، لأن يوما بلا كتاب، بلا قراءة، يعد يوما بلا حب... حائرون! وحدها الكتب تصاحبنا في خلواتنا وفي أسفارنا.
ثمة كتب جديدة في المكتبات، ومثيلاتها القديمة في أكشاك الكتبيين، تملك تاريخا خاصا وفريدا. نجد متعة لا تقدر بثمن ونحن نكتشف حكاياتها ونسأل عن تاريخها وهويتها أيضا. الكتب تشبه الإنسان في الولادة والحياة معا".
معاناة مستمرة وأكشاك بلا إنارة
يستحضر عزيز أحليج، الذي امتهن بيع الكتاب المستعمل لأزيد من ثلاثة عقود، في لقاء مع "المغربية"، ذلك الزمن الجميل، إذ كان الكتاب خير جليس. وقال إن فترة ازدهار بيع الكتاب المستعمل كانت في ساحة جامع الفنا، حيث شكلت الموقع الأول للكتبيين، وكنا متراصين في دكاكين خضراء أقيمت في خطين متوازيين.
وسرد أحليج حكايته مع الكتاب والمجلات الفرنسية، وأشار في حديثه إلى زبناء من نوع خاص ترددوا على جامع الفنا واقتنوا بعض الكتب والمجلات السينمائية من أمثال الممثل العالمي آلان دولون، وصديقه الممثل البارع الذي استقر بمدينة الحمراء، جون بول بلمندو، وكذلك فارس الشاشة الكبيرة عمر شريف، وآخرين خانته ذاكرته في تذكر أسمائهم.
وأبرز أن حادثا عارضا تمثل في حريق بسيط قرب هذه الدكاكين في الثمانينيات من القرن الماضي، جعل الأمر يتخذ منحى آخر، حيث بدأ مسلسل الانتقال، وهكذا يفسر أحليج، وجد الكتبيون أنفسهم بين سندان التهميش ومطرقة البحث عن مكان محترم للكتاب وصاحبه.
كانت المحطة الأولى في عرصة البيلك، ومن ثمة إلى جانب أسوار مسجد الكتبية، فبعدها إلى مقبرة سيدي بوغريب، حيث كان الكتاب يحاور الموتى وأصبح غريبا، في منطقة يسيطر عليها مدمنو المخدرات والكحول والمشردون وقطاع الطرق. وقال بصوت خافت وألم يعتصر فؤاده "جاور الكتاب المقبرة وأقبر هناك لمدة ثلاثة أشهر، وفي هذه الفترة شرد الكثير من الكتبيين، ومنهم من احترف التسول".
في مقابل هذا الوضع، انتشرت ظاهرة كتب الأرصفة الصفراء الرخيصة، التي تتمحور حول أهوال القبور والحوارات الصحفية مع الجني المسلم، وضرورة الاحتراس من الزواج بالجن، أو الجنية. وجدت هذه العينة من الكتب فضاء خصبا لفرض ثقافة بعيدة عن المنطق والجدل يقول أحليج.
وطالب الكتبي في لقائه مع "المغربية" المسؤولين عن الشأن المحلي بمراكش بربط محلات الكتبيين بباب دكالة بالكهرباء على شاكلة مجموعة من الحرفيين استفادوا من الكهرباء في محلاتهم.
زويتة من جحيم الأفرنة إلى صقيع سوق الكتب
عمر زويتة، واحد من الذين أدركتهم حرفة الأدب، التقته "المغربية" في ذلك الصباح البارد من يناير. إنسان يقرأ كثيرا ويتحدث عن الفكر والثقافة. لا يرغب في قلب المواجع، قال بلغة العارف إن الكتاب المستعمل ينبعث من رماده كالعنقاء، رغم محدودية القراءة في أوساط الشباب.
قبل استقباله لنا، طلب أن أنتظره دقائق حتى ينتهي من لقاء مجموعة من الطالبات في جامعة القاضي عياض، حيث يستشرنه في بحوثهن الأدبية، وهو صاحب المعرفة والدراية بعالم القصة والرواية والفكر المغربي.
في زاوية من كشكه المتفرع، بدأنا حديثنا، إلا أنه فضل أن يكون حديثا مغايرا، نهض من مكانه وجلب من أحد أرفف الكشك ملفين بلاستيكيين، احتويا مجموعة من المقالات التي تطرقت إلى معاناة الكتبيين وصراعهم مع الرحيل والترحيل، فضلا عن رسائل بعثها إلى المسؤولين عن الشأن الثقافي بمراكش، وتصوره ورؤيته للنهوض بعالم الكتاب المستعمل.
قال بنبرة حادة ووثوقية العارف إن الفضل في إحياء الثقافة والفكر في المغرب يعود إلى جيل الستينيات والسبعينيات، وأثنى كثيرا عن الكاتب والمفكر والقاص والأديب الراحل محمد عزيز الحبابي، وقال عمر زويتة إن فضل الحبابي كبير على مثقفي هذا البلد.
فالرجل حمل هم تنوير جيل بكامله، مبرزا أنه حينما تقلد الحبابي رئاسة اتحاد كتاب المغرب، توجت مرحلته، حسب تعبيره، بإصدار مجلة آفاق. هذه المجلة التي يقول عنها إنها بلا شك واحدة من الدعامات الأساسية في تنوير المغاربة، مشددا في حديثه على أن الحبابي في ديباجته لافتتاحيات الأعداد، كان يركز على القراءة، واستغلال الوقت في الاطلاع على جديد الكتاب.
وضرب مثلا بإحدى روايات الحبابي، وهي "جيل الظمأ" التي أعدها من أروع الروايات الواقعية، مفيدا أن بطل الرواية يربطه الروائي دائما بالكتاب، لا يتحرك البطل إلا متأبطا جريدة أو كتابا أو ملفا، كما أن حديث الشخصية المحورية في عمل "جيل الظمأ"، يقول زويتة، يتمحور حول القراءة وعالم الكتاب.
من جهة أخرى، طالب عمر زويتة، عميد الكتبيين بمراكش، بتوفير أسواق متنوعة للكتاب المستعمل في كل مناطق المغرب، وفي هذا الإطار راسل المهتمين في الشأن الثقافي حول تصوره لتعميم الكتاب المستعمل، وقال إنه وضع استراتيجية في هذا الأمر وأعطى مثلا على مستوى مدينة مراكش، بوضع 5 أكشاك للكتب المستعملة في حي المحاميد، ومثيلاتها في عين إيطي، وكذلك 5 أكشاك في سيدي يوسف بن علي، للدفع بالقراءة في هذه الأوساط الشعبية.
وعلاقة بالكتاب أوضح زويتة أن الكتاب المستعمل ازدهر بسوريا أمام المسجد الأموي لكثرة النساخين في تلك الفترة من التاريخ العربي، وكذلك بباب الأزهر في مصر، وبدأ الحديث عن المخطوطات متعددة النسخ.
واختتم زويتة حديثه بأن يعاد الاعتبار للكتاب بكل تصنيفاته، لأننا في حاجة إلى قارئ يستوعب ما يقرأ في ظل تحول مجموعة من المكتبات إلى فضاءات تجارية تمتهن بيع المواد الغذائية والتجميلية. وقال وهو يبتسم إنه انتقل من جحيم الأفرنة في ريعان شبابه، إلى عالم الكتاب البارد فوجده أشد جحيما وبأسا.
الصورة: عمر زويتة داخل كشكه
تداعيات النشر والقراءة في المغرب
نظم ناشرون لهم وزنهم في المشهد الثقافي بالمغرب ندوة صحفية في فاس السنة الماضية، ناقشوا فيها مشاكل النشر والطباعة ومحدودية القراءة، ضمنهم أحمد المرادي عن دار النشر التوحيدي، و"بشر بناني" عن دار النشر طارق، وقام بتنشيط الجلسة حسن بنعدادة، وهو أحد المهنيين العاملين في المجال ذاته.
وانطلاقا من كون النشر هو قضية إشكالية، حيث خاض المرادي في مقاربة الإشكاليات الكبرى التي يعانيها النشر في المغرب، والبداية كانت من خلال تقديم بعض الأرقام والإحصائيات، التي إما صدرت عن مؤسسة اليونسكو أو بعض المؤسسات الخاصة مثل سابريس وبحوث لمتخصصين في المجال.
وحسب عرضه فالمغرب والذي يفوق تعداد سكانه 32 مليون نسمة لا يتجاوز الإصدار السنوي 1200 عنوان، في حين أن المعدل العام لسحب الكتب لا يتجاوز 1500 نسخة، في حين هناك كتب تسحب منها نسخ ما بين 200 إلى 500 نسخة، وهي تبقى ظاهرة مغربية، ومقارنة مع فرنسا حيث سنة 2010 تم إصدار 61278 عنوانا لسكان يقاربون 60 مليون نسمة.
ويضيف بأنه غير بعيد عنا فالجارة الإسبانية وفي السنة نفسها جرى إصدار 66270 عنوانا، وفي إحصائيات أخرى عن مؤسسة سابريس، المتعلقة باستهلاك الكتب، إذ إن الفرد المغربي يستهلك في السنة من القراءة في الورق كيلوغرام في المقابل فإن الفرد الأمريكي يستهلك في المعدل السنوي 700 كيلوغرام.
ويقول إن هذه أرقام فقط وقضية النشر في المغرب هي حلقات لأزمة مركبة، ويرجع لكون كل المكونات التي يتشكل منها الإبداع وإنتاج واستهلاك الكتاب بكاملها يوجد بها مشكل. ومن هذه الأسباب هناك السوق والمستهلك، وفي دراسة أصدرتها إحدى المنظمات حول القراءة مفادها أن الفرد العربي يقضي سنويا ست دقائق في القراءة، في المقابل يقضي الفرد الأوربي 1200 دقيقة في السنة فيها.
وبالإضافة لمشكل السوق هناك مشكل إثارة السياسيين، ومجال النشر بالنسبة لهم لا ينتج السلطة، وهناك أيضا، مشكلة السوق والتي لا تثير القطاع البنكي من أجل الاستثمار، حيث بالنسبة إليهم دار النشر هي مغامرة، وختم بالتطرق لمشكلة التوزيع حيث إن المغرب يتميز، حسب مصادر مطلعة، بكون أن 60% على المستوى الحضري غير مهيكل.
في حين تقاسم رفيقه في المهنة بشر بناني، عن دار النشر طارق، التوجسات نفسها، وكانت البداية بالنسبة له في سنوات الثمانينيات، وقد تكلم بتأثر بالغ ليتساءل عن دور الناشر مع وجود هذه المشاكل مجتمعة، ويقول في مقام آخر إن الشيء الذي يقدمنا هي الثقافة وليس شيئا آخر، وحسب كلامه فالدور هو توعية المواطن، ومستقبله هو مستقبل البلاد ومستقبل البلاد هو ثقافته.
ويستمر في حديثه ويقول "الكل ابتعد عن السياسة لأنها أوصلت لطريق مسدود والرهان هو الثقافة، ودور الناشر هو محاولة تقديم شيء للمجتمع، وفي إحصاء آخر فالمغربي يصرف درهما واحدا للكتاب في العام".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.