اشتهرت مدينة مراكش بعدة أسماء من بينها "سبعة رجال"، وارتبطت برجالاتها، الذين بصموا حياتها الدينية والروحية، وألهموا الكثير من الكتاب والأدباء وشعراء الملحون، من خلال حسهم الإنساني والأخلاقي، ما دفعنا إلى الالتفات لظاهرة هؤلاء الرجالات. الحلقة الرابعة عند مدخل حي باب ايلان أو هيلانة، وهي من الحومات القديمة بمراكش، ينتصب ضريح القاضي عياض بجوار ضريح مولاي علي الشريف وزوجته للامحنة. ممنوع زيارة الضريح، يقول أحد الشباب وهو يشير إلى زيارة مولاي علي الشريف، أما ضريح للامحنة فهو آيل للسقوط لا تفتح أبوابه إلا خلال الزيارات الرسمية، أما ضريح القاضي عياض، يضيف المتحدث ذاته، فهو مخصص للشرفاء، على حد تعبيره. جميع الأبواب المؤدية للضريح تم إغلاقها حيث كانت تتحول الساحة المجاورة للضريح إلى ملعب لكرة القدم وبها يتم اختبار لاعبي فريق "مغرب باب إيلان". العديد من الشيوخ يترقبون افتتاح الضريح، فيما تحمل النساء الحناء والشموع للتبرك من الولي القاضي عياض. لا يعرفن نسبه لكن بركته كبيرة تقول إحداهن، قبل أن تهمس صديقتها بأنها تستعد لتزويج ابنتها الكبرى وتخاف عليها من العين لذلك قررت وضع قليل من حناء "الزغاريد" بالضريح ليكتمل الفرح. تساءل أحد الشباب عن سر اختيار القاضي عياض ضمن سبعة رجال وعدم اختيار مولاي علي الشريف، ليخبره أحد الشيوخ أن بركة القاضي عياض فاقت أرجاء المغرب ليسترسل في الحديث عن القاضي عياض كأنه عايشه قائلا "لقد كان قاضيا نزيها بمنطقة سيدي أيوب يفترش حصيرا، سمع عنه يوسف بن تاشفين وحاول اختباره بأن اصطحب معه يهوديا وادعى أن له خلاف معه ليقرر القاضي عياض حكما ضد يوسف بن تاشفين الذي وضع لثاما لكي لا يفتضح أمره قبل أن يزيله ويخبر القاضي عياض بنيته في أخذ القصاص منه لو لم يحكم بالعدل ليفاجئه القاضي عياض بأفعى ضخمة تحت فراشه كانت ستفتك به لو لم يقبل الحكم. أسطورة يحكيها الرجل بكل وثوق، على اعتبار أن القاضي عياض من أولياء الله الصالحين بالنسبة له، زيادة على كونه تاريخيا ظهر في مرحلة قبل المولى علي الشريف، الأمر الذي اقتنع به الشاب الذي ما زال مندهشا من حكاية يوسف بن تاشفين والقاضي عياض بن موسى اليحصبي الذي يعود نسبه إلى إحدى قبائل اليمن العربية القحطانية. وتذكر المصادر التاريخية، أن عياض بن موسى اليحصبي عربي الأصل من حمير التي كانت ملتقى علماء المشرق والمغرب والأندلس ومركزا من المراكز العلمية، درس بها قراءات القرآن وأصول الفقه والدين وعلم الكلام. ولد في منتصف شعبان سنة 476 هجرية بمدينة سبتة، في أحضان أسرة كانت تعتز بما كان لها من ذكر في القيروان وبسطة وقلعة يحصب وفاس وبما بنته من آثار في سبتة. حصل على إجازات من علماء آخرين ينتمون إلى أهل الأندلس وإفريقية ومصر والحجاز، أمثال ابن العربي وابن السيد البطليوسي وغيرهم، إذ بلغ عدد الذين سمع منهم أو أجازوه مائة شيخ عرف بهم في فهرسته التي سماها الغنية. ومن أهم الخصائص التي اشتهر بها القاضي عياض عن باقي رجالات مراكش، حسب مقدم الضريح، كونه كان من حفاظ كتاب الله تعالى والقيام عليه ولا يترك التلاوة له على كل حالة مع القراءة الحسنة، وكان من أئمة عصره في الحديث وفقهه وصحيحه وجميع أنواع علومه، كثير الحكاية والخبر، صبورا لا يستسهل التكليف للناس والتحامل عليهم، محبا في طلبة العلم محرضا لهم على طلبه مسهلا لهم الطرق مبادرا لقضاء الحوائج، كثير الصدقة والمواساة والمطالعة لا يفارق كتبه، كثير البحث عن العلم إلى أن توفي وهو طالب له.