الجامعة الوطنية للتعليم تندد بالضرب في مجانية التعليم.. وتستنكر التدخل الأمني في حق المتعاقدين    غياب هازارد عن التشكيل المثالي لانجلترا يغضب شيلسي    الأسماك تطلق مواد كيميائية لتحذير السرب من المفترسات    اتحاد لألعاب القوى يكثف مساعيه لمكافحة المنشطات    يستهدف 800 ألف موظف.. العثماني يكشف تفاصيل الاتفاق الاجتماعي (صور) الزيادة في الأجور    قضية وفاة 14 رضيعا داخل مستشفى في تونس.. الكشف عن الأسباب!    إغلاق دار الشباب يُغْضب جمعويين بخنيفرة    بلمو يوقع "رماد اليقين" في معرض جهوي للكتاب    "الماط" يطالب الجامعة بضمان تكافؤ الفرص    العلمي ينادي بتغيير بنود الدستور ويستغرب السباق إلى الانتخابات    احتجاجات ضد بنك بسبب 326 هكتارا من الأرض    وزير الشباب والرياضة يجمد مهام جامعة كرة السلة    بالصورة : الكونغو تعترف بإشراك لاعب غير مؤهل أمام المغرب    رسميا..الحكومة و”الباطرونا” والنقابات يوقعون “اتفاق رفع الأجور”.. وهذه تفاصيله الكاملة    سفير الإمارات قد لا يعود إلى المغرب    رسائل في صناعة الصواريخ الروسية .......    ترتيب الدوري الإسباني بعد انتهاء الجولة الرابعة والثلاثون    من 70 إلى 180 درهم للساعة.. وزارة التعليم تستنجد بالمتقاعدين والمعطلين لتعويض المتعاقدين    وفاة ثلاثيني داخل المستشفى الحسني بالناظور متأثرا بحروق من الدرجة الثالثة    ترتيب الدوري الإسباني بعد انتهاء الجولة الرابعة والثلاثون    تأجيل المهرجان الدولي للمونودراما بقرطاج والاحتفاظ ببعض فقراته    بن سالم حميش يتوج بجائرة الشيخ زايد للكتاب    معتقلو حراك الريف علقو اضرابهم عن الطعام بعد الاستجابة الجزئية لمطالبهم    أحوال الطقس ليوم الخميس    الرفع من الحد الأدنى للأجور في القطاعين الخاص والفلاحي    الاتحاد الاوروبي يسلط الضوء على مساهماته لتنمية العالم القروي بالحسيمة (فيديو)    « مسيرة مليونية » للمطالبة بحكم مدني في السودان    الذراع النقابي للعدالة والتنمية: وقعنا على العرض الحكومي من منطلق خذ وطالب    افتتاح الدورة 57 للملتقى الدولي للورد العطري بالمغرب بقلعة مكونة    مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم يتعلق بالصفقات العمومية    الأعرج: الوزارة شرعت في تنزيل المقتضيات المرتبطة بالرعاية الاجتماعية تفعيلا للتعليمات الملكية لصاحب الجلالة    للمرة الثانية.. كارلوس غصن يغادر سجن طوكيو ويُمنع من رؤية زوجته    هل ينتهي الزواج السياسي بين "إخوان العثماني" و"رفاق بنعبد الله"؟‬    الحكومة ترفض التعليق على مغادرة سفير أبو ظبي للرباط!    سولشاير: لم أخطط لخوض مباريات يوم الخميس    إطلاق خط جوي بين الصويرة ولندن    بعد تمديد رئاسته.. السيسي يمدد حالة الطوارئ    الكشف عن دور مهم للمغرب في فك خيوط هجمات سريلانكا الدامية    غرفة الصناعة التقليدية بالجهة تسلط الضوء على الحماية الإجتماعية للحرفيين على ضوء التشريع الإجتماعي المغربي    الدكالي ينهي خلاف التكفل بالولادات القيصرية    سميرة تعود إلى المغربي    السحماوي في “جاز بلانكا”    رجال ونساء الأمن الوطني يعبرون عن ارتياحهم ويشيدون باهتمام جلالة الملك بصحتهم    "خطورة ترامب" تقود بايدن إلى الانتخابات الرئاسية    تحذير جديد: مسكن الإيبوبروفين قد يؤدي إلى الوفاة بعد ال 40!    استعدادات الشهر الفضيل    بني ملال : تنظيم حملات تحسيسية لداء السكري    حقوق الكنائس والبيع في الإسلام    محمد برادة: المغرب في حاجة إلى توسيع القاعدة الجبائية وخفض معدلات الضرائب    مهرجان سوس الدولي للفيلم القصير يحتفي بالسينما الإسبانية    مدير مؤسسة دار الحديث الحسنية أحمد الخمليشي.. إثارة الإشكاليات المرتبطة بالعلوم القرآنية أضحى أمرا حتميا وضروريا    القايد صالح يلين خطابه ويعد الجزائريين باسترجاع الأموال المنهوبة    تارودانت: غياب الأنسولين بالمستشفيات العمومية يخرج المرضى للإحتجاج بسبت الكردان    سابقة في المغرب.. إطلاق تطبيق ذكي للتوعية وعلاج « التصلب اللويحي »    قصيدة جديدة للشاعر المغربي إدريس الملياني    ندوة وطنية حول إسهامات جد الدولة العلوية مولاي علي الشريف بمراكش يوم السبت المقبل    مخاض الأمة والوعد الصادق..    أول مكتشف للنظارات الطبية وللعمليات الجراحية لإزالة المياه البيضاء من العين، الطبيب الأندلسي المغربي محمد الغافقي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محمد الزرقطوني.. مقاوم تحول استشهاده إلى ذكرى وطنية
نشر في الرأي المغربية يوم 20 - 06 - 2013

يحتفي المغرب في 18 يونيو من كل سنة باليوم الوطني للمقاومة، وهي ذكرى تؤرخ لاستشهاد الناشط الوطني في خلايا المقاومة المغربية السرية للاستعمار الفرنسي، محمد الزرقطوني الذي آثر تناول حبة سم على أن يكشف أسرار الخلايا السرية آنذاك عندما تم القبض عليه من طرف السلطات الاستعمارية الفرنسية.
الميلاد
في 1925 سيرى محمد الزرقطوني النور بالدار البيضاء التي كانت محضنا لقيادات بارزة من الحركة الوطنية، ليكبر ويترعرع وسط الوطنيين الحقيقيين ويحتك بأذناب الاستعمار الفرنسي منذ نعومة أظافره.
الانخراط في صفوف المقاومة السرية
نشط الزرقطوني فيما يعرف بالمقاومة السرية وكون سنة 1950 فرقة صغيرة من وطنيين فدائيين، أشرف على تدريبهم ونسق في إمدادهم بالسلاح.
إقدام السلطات الاستعمارية الفرنسية على نفي محمد الخامس بعيدا عن البلاد كثف من نشاط الوطنيين وتحركاتهم، وعرفت المقاومة إثر هذه الفعلة، التي وصفها الوطنيون وعموم المغاربة إذاك بالشنعاء، عرفت انعطافا نحو الفعل المسلح الأكثر تنظيما وهو جيش التحرير، مع تكثيف العمليات الفدائية التي أصبحت أكثر عددا وأكثر تأثيرا على السلطات الاستعمارية.
القيام بدور المنسق
والزرقطوني انخرط في هذا النسق العام وكثف اتصالات التنسيق مع مختلف الوطنيين المنتشرين في مختلف مدن وبوادي المغرب لأجل تنظيم عمليات فدائية تستهدف المعمرين أو الخونة من المغاربة الذين باعوا وطنيتهم مقابل متاع من الدنيا قليل. ويتذكر التاريخ الوطني لمحمد الزرقطوني أول عملية فدائية قام بها بمعية ثلة من الفدائيين المغاربة، حين أقدموا على تفجير القطار الذي ينقل المعمرين من العاصمة الجزائرية إلى الدار البيضاء والعكس.
وكان الزرقطوني، شأنه في ذلك شأن رفاقه المجاهدين من الفدائيين المغاربة الذين تطوعوا للدفاع عن وطنهم بلا مقابل ومسترخصين الغالي والنفيس، يحمل دائما حبة سم في جيبه، لأنهم كانوا يعتقدون دائما أنهم يوما ما سينتهون بين يدي السلطات الاستعمارية وما يعنيه ذلك من الدخول في مسلسل من التعذيب يبدأ ولا ينتهي إلا بالإعدام أو الموت، فيفضلون "الانتحار" باستعمال حبوب السم عند أول وهلة من الوقوع في قبضة جنود الاستعمار، لاعتقادهم أن قدرة الإنسان على التحمل ضعيفة، وقد يضطرون تحت التعذيب إلى كشف كل الأسرار عن أماكن وخطط المجاهدين.
ولم يغمض لسلطات الاستعمار بالدار البيضاء عين ولم تألوا جهدا في ترصد محمد الزرقطوني مستعملة عيونها المنتشرة في كل مكان، إلى أن ألقت عليه القبض في صباح 18 يونيو 1955 وهو في منزله بسيدي معروف، فاستخرج حبة سم من جيبه ورمى بها إلى جوفه وأسلم روحه قبل وصوله لدهاليز الشرطة المستعمرة حيث التعذيب، ليضيع على الاستعمار فرصة أخرى من فرص الوصول إلى أماكن الوطنيين وكشف خططهم المناوئة لها ولسياستها الاستعمارية الاستغلالية الشرهة.
شاهد على عصر الزرقطوني
يحكي أحد المقاومين المعاصرين لمحمد الزرقطوني وهو الحسين برادة عن الزرقطوني، في شهادته الحية المدونة في إحدى إصدارات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، فيقول "تعرفت على محمد الزرقطوني في أوائل شهر مارس 1951 عن طريق التهامي نعمان – ابن مدينة الدار البيضاء وصاحب مكتبة "الإخوان" بدرب السلطان بحي الأحباس- وفكرنا في القيام بالعمل المسلح ضد الاحتلال الفرنسي، بتنسيق مع نخبة من الوطنيين المخلصين".
وتابع برادة "خلال حوارنا بخصوص الوضع السياسي بالمغرب، لمسنا استعدادا كاملا وصادقا من طرف محمد الزرقطوني للمشاركة في تنظيم المقاومة المسلحة. وكلفنا التهامي نعمان ليفاتحه في الموضوع ويدعوه للاتصال بجماعتنا. وكان أول لقاء لنا بمنزل التهامي نعمان، بحضور الإخوان حسن العرايشي وسليمان رضا عباس العرايشي، وكنا مقنعين بأقنعة سوداء، باستثناء التهامي نعمان ومحمد الزرقطوني اللذين كانا مكشوفي الوجه".
وأضاف، في الكتاب ذاته، "بعد توضيح وشرح الأهداف والمهام التي سنقدم عليها، خدمة للقضية الوطنية، حيث كانت المناقشات جادة ودقيقة ومعمقة فيما بيننا، امتلأت على إثرها عينا محمد الزرقطوني بالدموع، وأخبرنا بأنه يتوفر على ثلاثة مسدسات، مؤكدا لنا استعداده لكل ما يستوجبه العمل. وكان بحوزتنا آنذاك مسدس من خشب، طرحناه أمامنا فوق الطاولة وأدينا يمين الإخلاص لمنظمتنا. وانفض الاجتماع على أن يتجدد اللقاء بيننا فيما بعد". وقال الزرقطوني إذاك، يحكي الحاج الحسين برادة، "إنني مطمئن لوجود أناس بالبلاد يفكرون بمثل هذا التفكير".
بعد مضي ثلاثة أيام عن اللقاء الأول، عادت مجموعة الوطنيين للاجتماع من جديد، هذه المرة ببيت المقاوم التهامي نعمان، فتحدثوا عن "الشؤون السياسية والحالة التي آلت إليها البلاد"، يقول برادة "من دون أن يعلم محمد الزرقطوني أننا نحن نفس الأشخاص الذين سبق له اللقاء بهم، واتفقنا مع التهامي فيما بعد على أن نخصص موعدا للتعارف حيث قدمنا لمحمد الزرقطوني أنفسنا واحدا واحدا، ومكثنا طوال تلك الليلة بمنزل التهامي نعمان".
في ذات الليلة سيذهب الوطنيون من منزل التهامي رأسا إلى محل بيع الخشب، الذي يملك الزرقطوني جزءا منه، واستخرجوا صندوقا خشبيا كان مدفونا بالمحل به ثلاث مسدسات. يحكي برادة "وأخذ كل واحد منا مسدسا، الزرقطوني، سليمان رضا عباس العرايشي وعبد ربه".
وأردف "في اليوم الموالي ذهبنا إلى الواد المالح، قرب مدينة المحمدية، لاختبار المسدسات، وذلك بإطلاق طلقة واحدة. وعند العودة من المحمدية إلى الدار البيضاء، استوقفت الزرقطوني سيارة، كان يعرف صاحبها، وهو "مازوني" صاحب شركة الخشب الموجودة بشارع الحاج عمر الريفي، وركبنا معه فأوصلنا ومسدساتنا معنا، وسهل علينا، بذلك، تجاوز حاجز الدرك دون الخضوع لأي تفتيش.
في مساء ذلك اليوم، اجتمعنا لدى التهامي نعمان وأسفر هذا الاجتماع عن إطلاق اسم "المنظمة السرية" على جماعتنا وقررنا الشروع في كتابة مناشير مخطوطة، تحث التجار المغاربة على إقفال دكاكينهم فيما يشبه العصيان المدني، وكان ذلك يوم 7 أبريل 1951 وأمضينا هذا المنشور باسم المتطوعين".
مثال للشجاعة والدهاء
رغم أن محمد الزرقطوني كان في ريعان شبابه، حيث لم يتجاوز عمره آنذاك 27 سنة، إلا أنه فضل التضحية لأجل الوطن على الركون وإمضاء الوقت في الملذات، فقد كان مثالا للشاب الشجاع والمبادر إلى اختيار أصعب المهام، دافعه إلى ذلك رؤية المغرب متحررا من قيود الاستعمار كما كان.
وكان الزقطوني دائم التنقل بين المدن والقرى في سرية تامة لتنسيق عمل الحركة الوطنية والمقاومة من أجل أن تكون محكمة التنسيق والتنظيم.
ورغم أنه كان يعتبر نفسه جنديا من جنود الحركة الوطنية والمقاومة والعمل الفدائي لا قائدا، إلا أنه كان مع ذلك يحمل صفات القائد المسؤول الأول في التنسيق بين الجماعات المسلحة المتواجدة بالمدن والقرى، فكان يربط الاتصال بمقاومي فاس عن طريق عبد الله الشفشاوني وبمقاومي مراكش عن طريق حمان الفطواكي.
وعرف بين زملائه الوطنيين المقاومين بذكائه ودهائه في مراوغة الفرنسيين، وأخذ الحيطة والحذر من عيون الاستعمار التي تتعقبه في كل مكان، خصوصا مع وصول السلطات الاستعمارية عن طريق تحقيقاتها إلى كشف أسماء الوطنيين من منفذي عملية السوق المركزي بالعاصمة الاقتصادية في دجنبر 1953، واعتقالهم.
أمام هذا البحث المستمر من السلطات المستعمرة على محمد الزرقطوني، التي اعتبرت أنه قد يكون من العقول المدبرة لهاته العملية التي هزت كيان المعمرين الفرنسيين وأقلقت راحتهم ونبهتهم أن لا أمن لهم في وطن استعمروه وهو ليس لهم، وإحساس محمد الزرقطوني بقرب وقوعه في يد السلطات الاستعمارية فكثف من تنقله بين الأماكن ليشتت تركيزها، وفي المقابل وسع نطاق خلايا المقاومة السرية بتأسيس أخرى جديدة لضمان استمرارية عمل المقاومة إلى أن يتحقق الهدف الأسمى، الاستقلال والحرية.
نهاية الزرقطوني البطل
غير أن اعتقال السلطات الاستعماري لأحد أعز أصدقاء محمد الزرقطوني بمدينة فاس، البشير شجاعدين، عجل لمحمد الزرقطوني وقوعه في يد الاستعمار، لكن كجثة هامدة وليس حيا، كما وعد إخوانه المقاومين حين قال ذات لقاء "أعدكم أنه في حالة إلقاء الفرنسيين القبض علي فسيلقون القبض على جثة هامدة". وهو ما حصل بالفعل حينما اقتحمت الشرطة الفرنسية منزل الزرقطوني في الساعة الخامسة صباحا من يوم الجمعة 18 يونيو 1954، فابتلع حبة السم التي كان يحملها وفتح باب منزله مرحبا بعناصر الشرطة الفرنسية، التي كان يعلم أنها ستصل إليه يوما ما، وسلم نفسه بدون مقاومة وما أن وصل إلى مخفر الشرطة الاستعمارية حتى أصبح جثة هامدة قبل أن يبدأ التحقيق معه.
يوم استشهاده ذكرى وطنية للمقاومة
وهكذا تحول هذا اليوم إلى ذكرى وطنية يحتفي فيها المغرب باليوم الوطني للمقاومة، في 18 يونيو من كل سنة، وهو يوم نتذكر فيه التضحيات الجسام التي قدمها محمد الزرقطوني وأمثاله من الوطنيين الصادقين الذين استرخصوا الغالي والنفيس في سبيل الذود عن حياض البلاد وحوزتها.
واليوم أصبح من شبه المستحيل أن تجد شارعا أو مدرسة أو حديقة عمومية أو مستشفى أو مرفقا عموميا آخر في كل مدن المغرب، بل وفي بواديه، لا تحمل اسم محمد الزرقطوني، وأبرز مثال على ذلك شارع محمد الزرقطوني بالدار البيضاء، الذي يعد من أهم شوارع العاصمة الاقتصادية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.