تبون رئيسا للجزائر.. 16 معلومة عن الفائز بالانتخابات    الجزائر.. مظاهرات جديدة رافضة لانتخابات الرئاسة ونتائجها    الحسنية يعمق جراح رجاء بني ملال    غوارديولا: "لا يوجد بند يسمح لي بمغادرة مانشستر سيتي"    أب لطفلة ينهي حياته شنقا بإقليم تطوان    إنتخابات برلمانية جزئية بكل من سوس وكلميم    رشيد الكراوي مدير معهد الخوارزميات الذي عينه الملك عضوا باللجنة الخاصة بالنموذج التنموي    حكيمي في تشكيل فرانس فوتبول    طاليب ل"البطولة": "نعتبر الوداد بطلا لأفريقيا لأنه يستحق التتويج بالنسخة الماضية"    اسماعيل الحداد يمثل أمام لجنة الأخلاقيات بالجامعة    الوداد يعين دوليا سابقا مساعدا لزوران    بعد تكليفه بتشكيل الحكومة البريطانية.. جونسون يتحدث عن أولوياته    الاستئنافية طنجة تحكم على امرأة قتلت ابنها بخمس سنوات سجناً نافذاً    الدوزي ينقل معه اهتمامه بالصم والبكم إلى “رشيد شو”    لجنة التأديب تقلص عقوبة “ويكلو” الدشيرة وترفض استئناف بنجرير    مطالب لوزير الداخلية فتح تحقيق حول “اختلالات بناء كورنيش أسفي”    برقية تعزية من جلالة الملك إلى رئيس جمهورية النيجر إثر الهجوم الإرهابي على قاعدة إيناتيس    الدعوة إلى اعتماد وسائل قانونية لتحويلها إلى دليل مقبول أمام القضاء الجنائي يسمح بمحاكمة الإرهابيين العائدين    ليدك تتوج للمرة السادسة بجائزة المقاولات الأكثر فعالية في مجال المسؤولية الاجتماعية    عبد النباوي: الجوء إلى الاعتقال الاحتياطي ضمن أولويات السياسة الجنائية    وفاة سائق سيارة الاجرة بتطوان داخل سيارته    بعد أن نجا من موت محقق.. أحد العالقين وسط الثلوج بجبل "تدغين" يروي تفاصيل الحادث    نزار بركة: واقع حقوق المرأة المغربية مُحبط    إعلاميو الأهلي يردون على رئيس الوداد    قتيل و25 جريحا على الأقل في انفجار بشرق ألمانيا    الأميرة للا خديجة تدشّن رواق الزواحف الإفريقية    اتقوا الله في الوطن ..    عذرا أيها المتقاعدون.. هذه الحكومة لا تحبكم!    المغرب يعرض حصيلة العمل المشترك لمنظمة التعاون الإسلامي    الأميرة للا خديجة تترأس حفل تدشين رواق الزواحف الإفريقية بحديقة الحيوانات بالرباط    توقعات أحوال الطقس ليوم غد السبت    أحمد داود أوغلو الحليف السابق لأردوغان يطلق حزبا جديدا يعارض “عبادة الشخصية”    بوغوتا .. إعلان فن كناوة تراثا ثقافيا غير مادي للانسانية من قبل اليونيسكو    دار الإفتاء المصرية تصدر فتوى حول "شعور الميت داخل قبره"!    لعلج والتازي يترشحان رسميا لرئاسة تنظيم الباطرونا    وجهين من أبناء مدينة طنجة ضمن تشكيلة اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي    المؤتمر الدولي للأركان يسعى الى الرفع من إنتاج الأركان إلى 10 آلاف طن سنويا بحلول سنة 2020    المغرب يتحمل أزيد من 85 % من ميزانية تسيير وكالة بيت مال القدس    دراسة أمريكية.. الهواتف خطر على الإنسان حتى وهي مقفلة    اولاد افرج: ضبط مواد فلاحية مغشوشة تربك حسابات المزارعين    ملتقى الشعر والمسرح    البنك الإفريقي يمنح المغرب 245 مليار لكهربة العالم القروي    الزجل المغربي: هنا و الآن    الواقع الذي يصنع متخيله في مجموعة “أحلام معلبة” للقاص المغربي البشير الأزمي    الفنان المصري محمد رمضان يحيي أولى حفلاته في المغرب    سعد المجرد يستعد لإصدار «أم علي»    الجزائر تنتظر نتيجة الانتخابات الرئاسية .. وحملة تبون تعلن الفوز    «العقار بين الحماية القانونية والتدبير السوسيو اقتصادي».. محور ندوة علمية بفاس    بوريطة يلتقي عددا من المسؤولين على هامش الاحتفال بخمسينية منظمة التعاون الإسلامي    تركيا تؤكد مجددا "دعمها الكامل"" للوحدة الترابية للمغرب    تقريب المفازة إلى أعلام تازة    “الضمير” و”القانون” في مواجهة العنف والجريمة..    منتجات "فوريفر" لإعادة التوازن للنظام الغذائي    لصحتك.. لا تتجاوز 6 ملاعق سكر كحد أقصى يوميا!    تناول 11 إلى 15 كوب ماء يوميا يضمن لك صحة أفضل    استمرار مضاعفات ختان الأطفال على يد غير المتخصصين تقلق مهنيي الصحة    التحريض على الحب    لأول مرة.. طنجة تحتضن مسابقة غريبة لإختيار أفضل زغرودة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





«يوميات روسيا 2018» أخيرا سننام -الحلقة8
نشر في اليوم 24 يوم 16 - 05 - 2019

في هذه اليوميات، التي كتبت مباشرة عقب العودة من روسيا، حيث نظم مونديال 2018 لكرة القدم، سيجد القارئ رحلة صحافية مثيرة؛ فيها الكثير من المعاناة، ولكن فيها أيضا الكثير من الكشف عن مناحي الحياة الإنسانية. بين السطور تمتزج رحلة صحافية يبحث من خلالها صاحب اليوميات عن الخبر، والجديد، ليكتب كل يوم لجريدته، وهوامش مهمة للغاية، تنقل للناس صورة روسيا اليوم، أو انطباعات شخصية عن روسيا اليوم، وهي الأصح.

كان اللقاء بأحمد نجيم، الصديق وصاحب موقع «كود» الإخباري، مثل طوق نجاة. لم نلتق لسنوات طويلة. ولأنه سبقنا إلى سان بيترسبورغ، وتجول فيها، وعرف عنها بعض ما لم نكن نعرفه، فقد طلبنا منه أن يدلنا على فندق نقيم فيه تلك الليلة. وكأن أحمد الجميل في انتظار طلبنا ذلك. أصر على أن يقدم لنا العون. وظل معنا إلى أن اطمأن علينا. ثم نام، ولم نقابله.
خرجنا معا من ملعب سان بيترسبورغ، ونحن نجر أذيال الخيبة، ونحمل كلاكل التعب على ظهورنا. كنا مصدومين من الهزيمة أمام إيران، ونرغب في مكان ننام فيه بعد أيام من المشي المتواصل، واليقظة الضرورية. واقترح علينا نجيم أن نبحث عن سيارة مكوكية تابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، ثم نركب الميترو، وننزل وسط المدينة. قال لنا: «هناك ستجدون بالقطع فندقا».
أثناء رحلتنا كنا نناقش أداء المنتخب الوطني. ومن زجاج السيارة المكوكية، التي تدخلت متطوعة لتوفرها لنا، كنت أراقب المدينة. فوجدتها، بتلك الصور الضبابية، بفعل التعب، والرغبة في الأكل والنوم، تشبه في بنياتها موسكو؛ طرقات جيدة للغاية، وأرصفة ممهدة، وحدائق جميلة في كل مكان، وأناس مرحون، يبدو من لباسهم وحركاتهم أنهم مقبلون على الحياة.
لم نصل إلى مركز المدينة إلا في وقت متأخر جدا؛ حوالي العاشرة ليلا. وهو بالفعل وقت متأخر لمن يرغب في الحجز بفندق. والإشكال أننا رحنا نتمشى مرة أخرى، وكأننا في نزهة. مع أننا، في واقع الأمر، كنا عبارة عن ملابس تتمشى، فيما من هم بداخلها لا يقوون على الوقوف. وكل المناظر الرائعة التي كانت تحيط بنا لا نستسيغها. كيف لمسافر مرهق، لم ينم عدة ليال، أن يتذوق الأمكنة؟
التقينا، ونحن في الطريق، عددا من المسؤولين عن الرياضة المغربية وهم على أبواب فندق فخم. قال لي أحدهم، وهو مذهول بفعل صدمة الهزيمة: «آخر شيء كنت أتوقعه هو أن ينهزم المنتخب الوطني. لا يعقل. يصعب التفوق على البرتغال وإسبانيا». كادت عيناه تقفزان من محجريهما. بدا هو ومن معه وكأنهم يريدوننا أن نعطيهم تفسيرا لما حدث.
حين انطلقنا رفقة نجيم، نتجه نحو الفندق الذي يقيم فيه، قال لي أحدهم، وهو مسؤول في الجامعة: «يصعب علي تصور هذه الهزيمة». قلت له: «أنا يصعب علي الآن المبيت في الشارع». قال لي: «أخي، خذ مفتاح الغرفة التي أقيم بها، واستفد منها». قلت له، وأنا أتحرك لألحق ببقية الزملاء المرهقين، وأشباه المشردين: «لا عليك يا صديقي. سنتدبر أمرنا مثلما فعلنا لكي نصل إلى هنا. يبدو أن الرحلة تعدنا بالكثير من المفاجآت».
ونحن في الطريق كنا نصطدم بجمال باذخ في كل شيء. فالليل لم يكن ليلا بالمعنى الذي نعرفه، بل كان نهارا يميل إلى الليل. لم يكن حتى غروبا، بل ربما كان أقرب إلى الغبش. إلى ما قبل فجر. بسماء بين الزرقة والبياض. ولولا الأضواء التي تملأ المكان لما عرف أنه ليل. وقيل لنا، لاحقا، إن سان بيترسبورغ تشهد في تلك الأيام بالضبط ما يعرف بالليالي البيضاء. وقيل لنا أيضا إنها ليالٍ ساحرة، يأتيها الناس من أنحاء العالم.
وبالفعل، فعندما كنا نقترب من الفندق الذي يقيم فيه نجيم، وهو في شارع ضيق وطويل للغاية، وببنايات قصيرة ومغرقة في القدم، بمعمار كلاسيكي، عبرنا كرنفالا بكل ما في الكلمة من معنى. فقد توزعت الطريق إلى مقاه، بامتدادات على الأرصفة، روادها بأناقة رفيعة. جلساء يمرحون، وينتشون بالمشروبات والمأكولات، دون أن يلتفتوا إلا لماما إلى ما ومن حولهم؛ مثلما انتبه عدد منهم إلينا، وحيونا بكلمات تمتح من كرة القدم، وجماهيريتها. وفي لحظة من بين تلك اللحظات التي كنا فيها بين مستيقظين وحالمين، ونحن وسط أجواء عجيبة من الاحتفال وسط ليلة بيضاء، إذ بنجيم يتوقف أمام بوابة خشبية كبيرة. ضغط زرا، ثم تقدمنا. كان المكان مظلما، ويدل على أشغال بناء وإصلاح. نصحنا بأن نتقدم بهدوء، على أن الباب الفعلي للإقامة يوجد في الطابق الثالث. يا للعجب العجاب.
في الأخير كنا إزاء فندق في شقة؛ أو لنقل إنه فندق عبارة عن شقة وضبت غرفها لكي تستقبل زبائن عابرين. سجادة حمراء تقودك بعد أمتار قليلة، وعبور عدد قليل من الأبواب، إلى مكتب استقبال صغير جدا. في المكان فتاة شقراء بشعر أشقر جميل. لا تجيد سوى الروسية. ولا تفهم إلا ما يقوله نجيم. ولا يمكن أن يقنعها إلا هو. قال لها: «عليك أن تجدي لهؤلاء فندقا يقيمون فيه ليلتهم. أو عليك أن تجدي لهم طريقة يقيمون فيها بالفندق حتى الصباح».
ضحكت الفتاة كثيرا في تلك الأثناء. وضحكنا أيضا. فقد كان الموقف بحق مضحكا. وبعد ساعة أو يزيد وصلنا إلى حل. اقترحت علينا أن نقتسم الأسرة في ما بيننا، على أن تستقل الزميلة حنان الشفعة بغرفتها الخاصة. وقبلنا العرض فورا، ثم تكفل الزميل رزقو بالدفع حتى نقدم له المال اللازم في الصباح. وبينما كنا ننتظر تهيئة الغرف، طلبت الفتاة جوازاتنا، ثم انخرطت في عملية طويلة ومعقدة للتسجيل، ثم في عملية توزيع المفاتيح. وأخيرا، راحت تعرفنا على غرفنا، فعرفنا أننا وصلنا إلى آخر محطة من رحلة التعب، رغم أن الثمن لم يكن مناسبا لنا. لكننا كنا مجبرين. نعم، لم يكن أمامنا من خيار.
وبعد وضع كل منا أمتعته في الغرفة المعينة، اتفقنا على أن نختار من يخرج، في تلك الأثناء، إلى المدينة ليبحث لنا عن وجبة عشاء؛ أيا كانت تلك الوجبة، فالأهم هو أن نطفئ لظى الجوع، ونستريح من وعثاء السفر، ومن إرهاق رحلتنا التي بدأت من ساعات الصباح الأولى في موسكو، وتواصلت، دون أي توقف أو ارتياح، إلى غاية الساعات الأولى من صباح اليوم الموالي بمدينة تبعد عن العاصمة بمئات الكيلومترات. يا له من عيد سعيد. دخلت الغرفة، التي كنت سأقتسمها مع رزقو، في انتظار عودته والزملاء، سفيان أندجار وهشام رمرام ومحمد بوناجي، المصور الصحافي بموقع «خبر بريس»، من رحلة البحث عن وجبات العشاء. واكتشفت أن غرفتنا تطل على الزقاق الضيق المملوء بالمقاهي وراودها المنتشين بالليالي البيضاء، فعرفت أننا لن ننام. كيف لنا أن ننام وفي الرصيف المقابل فرقة موسيقية، لا تجيد الغناء، بدأت للتو أغانيها؟
أما وقد عاد رزقو والباقون، وتناولت وجبة العشاء التي جيء بها من محل لماكدونالدز، بجوارنا، فقد بقيت أنتظر النوم لساعات. اخترت، لمرات، أن أزيح الستائر عن النافذة وأسترق النظر إلى الزقاق. وكنت في كل مرة أجده صاخبا كأنما يتهيأ لبداية السهرة وليس لنهايتها. وظل الأمر كذلك إلى أن سطعت أنوار الشمس. وإذ توجهت نحو الباب لكي نبدأ يومنا، ونكتشف سان بيترسبورغ عن كثب، كدت أبكي لحال زميلي في الغرفة. كان شبه ميت. كان مرهقا للغاية. لكن أكثر الناس لا يعلمون ما يقاسيه الصحافي. يظنون أنه في تجوال ومتع، مع أن ما يعانيه كبير، ويشعر بالغبن؛ ب«الحكرة».
قال لي رمرام: «هناك مطبخ في آخر البهو. ستجد وجبة الفطور». ثم انطلقت، بعد وجبة خفيفة، لأوقظ رزقو من مرقده. واكتشفنا، وهو ينهض بصعوبة كبيرة، أنه كسر، بنومه الثقيل جراء الإرهاق، نصف الأخشاب المرصوفة أسفل السرير. كانت صورة الحفرة في السرير معبرة جدا؛ صورة قبر في واقع الأمر. قلت له مازحا: «الحمد لله على سلامتك». ثم واصلنا رحلتنا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.