في خضم الأزمات الاقتصادية والسياسية وحتى السيادية المستعصية التي تتخبط فيها إسبانيا منذ ما ينيف عن الأربع سنوات، لاحظنا حالة من التوتر والارتباك تكتنف جل قرارات أجهزة الدولة وعلى جميع المستويات والأصعدة، وفي المقابل لاحظنا حالة من اليأس والقنوط تستشري في أوساط المهاجرين أو ما يصطلح عليه ترفا ب"المواطنين الجدد"، خاصة بين أفراد الجالية الأكبر عددا أي الجالية المغربية التي أصبح همها الوحيد هو تأمين "الخبز الحافي"، في ظل وضعية اقتصادية واجتماعية كارثية تتسم بنسبة عطالة عن العمل تفوق السبعين بالمئة وغياب أي دعم أو توجيه أو تأطير رسمي أو أهلي. في ظل هذا المشهد الدرامي، نزل بداية شهر ماي الجاري قرار السلطات الأمنية القاضي بطرد رئيس اتحاد المراكز الثقافية الإسلامية بكتالونيا، المغربي نورالدين الزياني. قرار الطرد هذا جاء مبررا، حسب صك الاتهام، بنشر الزياني لأفكار متطرفة بين الأئمة وأفراد الجالية المسلمة بهذا الإقليم وكذا "مسه بأمن الدولة" بتعاونه مع أجهزة الاستخبارات المغربية دون حصوله على الصفة القانونية والغطاء الدبلوماسي اللذان يسمحان له بممارسة هذا النشاط. لا يختلف اثنان على أن من حق إسبانيا، كما من حق أي دولة في العالم، حماية أمنها وسيادتها بجميع الطرق والوسائل المشروعة، لكن قضية طرد الزياني تضعنا أمام جملة من التساؤلات والإشكالات التي يستعصي علينا، ك"مواطنين جدد"، الإجابة عليها من دون فتح نقاش عمومي حول حقوق وواجبات وحدود المواطنة بالنسبة إلينا، خاصة بعد التصريحات التي أدلى بها عدد من المسؤولين الكتلان بشأن مسوغات قرار طرد الزياني. عدد من المقربين من حزب التوافق الدمقراطي الكتلاني [سي دي سي] الحاكم بكتالونيا اعتبر أن قرار طرد الزياني ليس "سوى مناورة لأجهزة الاستخبارات" الإسبانية لترهيب "المواطنين الكتلان الجدد" [نووس كتلانس بالكتلانية] وثنيهم عن الانخراط في مشاريع سياسية ومجتمعية لا تتوافق وتوجهات الحكومة المركزية كما هو الشأن بالنسبة لمشروع الاستقلال وتأسيس دولة بإقليم كتالونيا مستقلة عن التاج الإسباني وهو المشروع السياسي الذي كان يروج له نوالدين الزياني عبر تنظيمه لقاءات داخل المساجد وبمشاركة مسؤولين قوميين كتلان. إذا كان من المسلمات أن الولاء وعدم التآمر على الدولة هو شرط أساسي للحصول على صفة "المواطنة" وليس فقط الجنسية، فهل يعتبر الانخراط في المشاريع السياسية القومية خيانة، خاصة وأن المشروع السيادي الإسباني المبني على الحكم الذاتي بالأقاليم لم يكتمل بعد؟ هل الخلط بين الدين والسياسة يعتبر خيانة ؟ هل الولاء للحكومات المحلية يعتبر خيانة ؟ نطرح كل هذه الإشكالات على أمل أن يتم فتح نقاش عمومي حولها لأن الأمر يتعلق بمسائل جد حساسة بالنسبة لمستقبل الأجيال الصاعدة من أبناء "المواطنين الجدد" فالأمر غاية في الأهمية بالنسبة لأمن وسيادة إسبانيا.