العنصرية في الملاعب الإيطالية: الوضع "لم يتحسن"    البطولة الاحترافية.. DHJ يرغم IRT على التعادل بإبن بطوطة    باب سبتة.. حجز 17,5 كلغ من الحشيش    الدار البيضاء.. أعوان غير مختصين ينجزون فحوصات بالأشعة    اعتقال جانح في حالة هيجان بالجديدة يخلق جدلا حول طريقة توقيفه ونقله بين عناصر الأمن    دنيا بطمة تلهب منصة 'سهرات مازاغان'' و تحطم أرقام الحضور    جمعية مدنية تقترح حلولا لإيقاف نزيف الانتحار بشفشاون    آلاف المتظاهرين يطالبون بفرض بقيود على قانون الإجهاض في سلوفاكيا    موعد حفل جوائز The BEST 2019    العثماني ينفي وجود “البلوكاج”.. “التعديل الحكومي ندبره بطريقة مناسبة”    الفارس بوقاع يُتوج بجائزة الملك محمد السادس للقفز على الحواجز    وزارة الثقافة.. حواسيب جديدة وآلة نسخ مرمية في المخزن!!    تهافت أيديولوجية التفوق المدرسي واستفحال آلية إعادة الإنتاج في التعليم الحديث    وزارة التربية: هذه حقيقة التعليم الخاص في القرى    نيمار يهدي "بي إس جي" يحتل صدارة "الليغ آ"    الغلوسي: المغاربة لا يحتاجون إلى من يكشف الفساد بل لمن يرد الاعتبار للوطن    جرسيف: “عزوزي” ر7يسا للمجموعة ذات النفع الاقتصادي، والفيلالي يتهمه باستغلال المشروع انتخابيا    التعادل يحسم مباراة اتحاد طنجة والدفاع الجديدي    بسبب حركة لا أخلاقية .. عقوبة كبيرة تنتظر حمد الله في السعودية    تشييع جنازة الفنان أحمد الصعري في أجواء مؤثرة    سفر رحلة مع إبليس    التشكيل الرسمي لريال مدريد أمام إشبيلية    "القائمة العربية" تدعم تكليف غانتس بتشكيل الحكومة الإسرائيلية    تحليل إخباري: أسباب إخفاق “النهضة” الإسلامي في الانتخابات الرئاسية التونسية    خسرت 30مليار جنيه.. بورصة مصر تهوي بعد احتجاجات الجمعة    من مقر الأمم المتحدة.. السفياني يبرز دور المغرب في مجال المناخ و التنمية المستدامة و يعرض تجربة شفشاون    أخنوش يدعو إلى المشاركة في الانتخابات لقطع الطريق عن المنتفعين    مدير مركز الاستقبال النهاري لمرضى الزهايمر: تضاعف عدد مرضى الزهايمر في المغرب 10 مرات    أول تعليق رسمي في مصر على الاحتجاجات ضد السيسي    من أمام منزل الفنان الراحل الصعري شهادات مؤثرة للفنانين    بومبيو: نسعى ل”تفادي الحرب” مع إيران وإرسال القوات الأميركية يستهدف الردع    شخص يحاول اقتحام بسيارته مسجد في شرق فرنسا    أوجار: « الأحرار » حزب قوي ويتلقى الضربات بسبب نجاحه    مستخدمو القناة الثانية يحتجون أمام مقرها غداً الإثنين    مسؤول إماراتي: تحويل مسار رحلتين بمطار دبي بعد الاشتباه بنشاط طائرة مسيرة    غدا بالجزائر.. محاكمة شخصيات عسكرية وسياسية بينهم شقيق بوتفليقة    بعد احتجاجات الحقوقيين.. ال “CNDH” يدخل على خط مصادقة الحكومة على “عهد حقوق الطفل في الإسلام”    عسكوري تعود ب “حكايتي”    في الجزائر.. ضرائب ورسوم جديدة لزيادة الإيرادات في موازنة 2020    دار الشعر بتطوان تفتتح الموسم الشعري الجديد وتعد عشاقها بالجديد    المظاهرات تتجدد في مصر.. اشتباكات بين مئات المتظاهرين وقوات الأمن    تجربة سريرية غير مرخصة لمرضى "باركنسون" و"ألزهايمر" في فرنسا    بيبول: حبيركو تستعد لتجربة تلفزيونية جديدة    صاحب “نزهة الخاطر” يودعنا    فيلم »الأرض تحت قدمي » يتوج بجائزة مهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا    خبير اقتصادي: وضع السوق لا يدعو أبدا إلى القلق أسعار العقار السكني تتراجع    “رام” شريكة “يونيسكو” في تنمية إفريقيا    في خطوة غير مسبوقة.. BMCE OF Africa تطلق النسخة الإلكترونية للتقرير السنوي    حق الولوج إلى العدالة.. المغرب في المرتبة 45 عالميا    احتجاز ناقلات «الاحتجاج»    الهجمات على «أرامكو» تربك العالم.. حذر ومخاوف من أزمة طاقية    رئيس “مغرب الزهايمر”: تضاعف عدد مرضى الزهايمر في المغرب عشرات المرات وعددهم بلغ الألف    المغرب يسجل 31 ألف حالة إصابة بالسل سنويا    هذه الآية التي افتتح بها أخنوش جامعة شباب الاحرار بأكادير    دراسة: فقر الدم خلال الحمل يؤدي لإصابة الطفل بالتوحد – التفاصيل    تساؤلات تلميذ..؟!    الشباب المسلم ومُوضة الإلحاد    على شفير الإفلاس    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





انحطاط الظاهرة الحزبية
بقلم: محمد بنعزيز

حين توشك الانتخابات يخرج الحزب من سباته ويستعيد صلته بتقلبات الحياة اليومية فيُعديه مخاضها. وبالمناسبة ولد حزب جديد في المغرب. جريدة واحدة فقط ذكرت على صفحتها الأولى، وفي زاوية صغيرة، خبر الانشقاق الذي حصل في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. من سخرية التاريخ أنه عندما انشق حزب "النهضة والفضيلة؟؟" عن حزب العدالة والتنمية هنأ زعيم الاتحاد الاشتراكي زعيم الإسلاميين: مبروك الزيادة (المولود). يستحق تهنئة الآن. كما تدين تدان.
لدينا إذن حُزيّب اشتراكي جديد. شعبية اليسار تتراجع وأحزابه تتكاثر. يعاني الرفاق من فائض الزعماء. تاريخ الاتحاد هو تاريخ انشقاقات منذ 1975. يقول الساخرون إن الاتحاد الاشتراكي حزب ولود. ويزعم المتفلسفون أن الانشقاقات دليل على انطباق النظرية الانقسامية على المجتمع المغربي.
مر زمن كان يمكن لخبر الانشقاق أن يكون على صفحات كل الجرائد مع عنوان بالبنط العريض. حين يسمع المغربي كلمة حزب يفكر في الاتحاد الاشتراكي. يعرف جورج بالانديه في كتابه "الأنتروبولوجيا السياسية" الحزب بأنه إطار موحد يتجاوز المصالح الخاصة وتتمثل وظيفته في تنظيم مبادرات النخب العصرية... هذا على الصعيد النظري، لكن الحزب يتغير في تركيبته وهيكلته ووظائفه تبعا لتضاريس واقع كل بلد. للتقصي سألت ملاحظا جد مطلع: كيف هو حال حزب الاتحاد من الداخل؟
أجاب وهو يفكر في رواية "اللجنة" لصنع الله إبراهيم: الحزب الآن يأكل نفسه في الصراع حول الأجهزة والمكاتب. في داخل الحزب يأكلون ما تبقى من ارث مما تركه الأولون.
محدثي من ذوي القربى، مناضل اتحادي حزين. وإذا قال الأحباب هذا الكلام فماذا سيقول الخصوم؟
يضيف محدثي مركبا صورة متكاملة: الحزب الآن حافلة مهترئه. أداة عتيقة وبالية، لم تخضع للصيانة منذ 1996 تاريخ الموافقة على آخر دستور في عهد الراحل الحسن الثاني. لا تستطيع الحافلة مسايرة الطرق المستجدة. لذا ينزل منها الركاب الذين يحترمون الزمن ويحتاجون اليه بينما يصيح بائع التذاكر بحثا عن راكبين جدد كيفما كانوا.
من هم الراكبون الجدد؟ الأعيان وأحفادهم، وقد صار لهم اسم عصري "رجال الأعمال". ما البنية التنظيمية التي تناسب أحزاب الأعيان – رجال الأعمال؟ بنية موسمية.
ما الفروق بين الأحزاب المغربية؟
الفرق الأول تنظيمي. وفيه نجد نموذجين تنظيميين. نموذج ذو بنية ستالينية: يتم تشكيل خلايا مكتب الفرع. تشكل الفروع المكاتب الإقليمية. وتشكل هذه المكتب الجهوي. حاليا في المغرب ستة عشر جهة. غالبا يكون للحزب ستة عشر مكتبا جهويا تنتخب المؤتمرين. وفي المؤتمر – يفترض أنه سيد نفسه وهو أعلى هيئة تقريرية - يجري انتخاب لجنة مركزية تقوم بدورها بانتخاب المكتب السياسي. وهذا ينتخب زعيم الحزب. وينطبق هذا التوصيف على ثلاثة أحزاب هي الاستقلال والاتحاد والاشتراكي والعدالة والتنمية.
الشكل التنظيمي الثاني عبارة عن بنية موسمية تنطبق على جل الأحزاب التي توصف بأنها يمينية وإدارية أي شكلتها وزارة الداخلية وأرضعتها طويلا. أحزاب خلقت لتعيش في الحكومة ولا تعرف ما معنى المعارضة. تُسيّر من خارجها لذا فمؤتمراتها شكلية. أشبه بموسم ينعقد حين يصفر - يقرر الزعيم (كما الحال في حزب "الحركة الشعبية"). نادرا ما تكون لها مقرات، وحين تتوفر تكون مغلقة أغلب الوقت. هكذا يضطر الحزب للتكيف مع البيئة التقليدية التي يريد التأثير فيها. يتشبه الحزب بالقبيلة وزعيمه بالشيخ. يقول قيادي حزبي يميني – قبَلي بأن وجود مقر مفتوح سيخلق نقاشات ويولد مشاكل. فحين لا يكون للمناضلين مع من يتشاجرون سيتشاجرون مع زعيمهم أو فيما بينهم. هذه أحزاب قبائل أو تجمعات للبيروقراطية العليا في الإدارة. أحزاب يتيمة الآن وقد عرفت مجدها الانتخابي في عهد وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري 1974-1999.
في هذه الأحزاب يتم اختيار الزعيم بالتصفيق والزغاريد. فالحزب عصري ومحتواه تقليدي. ومن لا يزغردون يطردون. وبعد مدة يؤسسون مقاولة صغيرة اسمها حزب. بعد ذلك تندلع المعارك بين المنسحبين فيتضح أن الانسحابات لم تتأسس على خط فكري بل هي صراع مصالح يجري تغليفه بشكاوي من الكولسة وغياب الديمقراطية الداخلية.
الفرق الثاني يخص كمية الوثائق لدى كل حزب. فلأحزاب اليسار كمية كبيرة من الوثائق والأرضيات والبيانات والبلاغات المحررة في المقاهي... بينما لدى الأحزاب "اليمينية – القبلية" قليل من الأوراق والكثير من المقاعد في البلديات والبرلمان.
الفرق الثالث يخص الديباجة. فلكل حزب ديباجته، في حين تتفق كل الأحزاب الممثلة في البرلمان بصدد الدين والملكية والصحراء. الدين هو الإسلام دين الدولة والصحراء مغربية والملك هو المرجع. لم يطالب حزب واحد بنزع صلاحيات الملك أثناء تحرير دستور 2011. تصنف الأحزاب بأنها يمينية ويسارية وإسلامية ونصف علمانية. لكن في هذه المواضيع الثلاثة تبدو متشابهة. إذا كانت جل الأحزاب متشابهة، فلماذا تتزايد الدكاكين السياسية وما نتائجه؟
يقول أحمد مطر:
أكثَرُ الأشياءِ في بَلدَتِنا
الأحزابُ
والفَقْرُ
وحالاتُ الطّلاقِ .
في المغرب ستة وثلاثون حزبا. والرقم 36 يعني الجنون في المغرب لأنه اسم جناح في مستشفى مخصص للمرضى النفسيين. لم يعرف المغرب قط الحزب الوحيد لأن الحسن الثاني الذي درس الحقوق في فرنسا كان حريصا على مظهره الديمقراطي، ولأن الملك يعرف أن التحكم في حزب واحد أصعب من إدارة عشرين حزبا. والأسوأ أنه في المغرب كل تنظيم يتصرف كحزب. اتحادات مهنية تتصرف كأحزاب. رئيس جامعة كرة القدم يتصرف كحزب. كل جريدة تتصرف كحزب، والآراء على صفحاتها أكثر من الأخبار. اتحاد الكتاب حزب يتشقق كل خمس سنوات.
كل هذه الأحزاب هي عبء على الديمقراطية. على الحزب تناول حبوب منع الحمل للتوقف عن التكاثر. في انتظار ذلك يترتب ما يلي عن الانشقاقات:
أولا خريطة سياسية فسيفسائية وزعامات فردية تغامر بالإنشقاق تجعل التحالفات الحكومية بحاجة ماسة لعدد كبير من المناصب الوزارية. لتشكيل التحالفات تطول المفاوضات حتى تتعفن. يجري الحديث عن تعديل وزاري هذه الأيام وتتحدث الصحف عن مفاوضات وحرب في بعض الأحزاب بين المرشحين للاستوزار. كيف تجري المفاوضات؟ قطعة قطعة وليس بالجملة. حين يسود منطق "خذ وهات" تنحط السياسة بمعناها الأخلاقي وتصير مقايضة.
ثانيا يبقى القرار السياسي وهندسة مستقبل المغرب بيد اللوبيات الأمنية والاقتصادية. ثالثا تنافس مدمر يخلق قوى سياسية منهكة لن تحصل على السلطة. أصبحت الأحزاب في موقف دفاعي، لذا خفضت من سقف مطالبها.
النتيجة هي أن صورة الشأن العام لا تشجع على الإنخراط فيه. وهذا ما يفسر أن التسجيل في اللوائح الانتخابية مفتوح لمدة طويلة والشعب غير متحمس ليصير زبونا للأحزاب. وإذا سألت مقاطعا: لماذا يصلح الحزب اليوم؟ يجيب: للفوز في الانتخابات.
يعكس انحطاط الظاهرة الحزبية - وهي ظاهرة لا تستقيم الديمقراطية بدونها – أزمة الطبقة الوسطى. الحل؟ إعادة تشكيل المشهد الحزبي عبر عمليات اندماج أحزاب متقاربة ايديولوجيا. أين سيجري هذا؟ في الأحلام لأن وزارة الداخلية تختار نمط الاقتراع ولن ترفع نسبة العتبة لتضطر الاحزاب لتتكتل فتتقوى ضد وزارة الداخلية.
هذه هي الوقائع وهي تترك أثرا، إذ لا يمكن للمرء إلا أن يشعر بحزن عميق عن كل هذه الطاقة التي تهدر في معارك حول زعامة الأحزاب قبيل كل انتخابات.
بينما أنهي هذا المقال عن الحزب المنشق نشرت الجرائد خبرا جديدا: حركة تصحيحية تُخيّر زعيم حزب "الحركة الشعبية" بيْن الحوار أو الانشقاق. ثم خبر آخر: نفى إدريس لشكر زعيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أن يكون الملك محمد السادس قد استقبل زعماء أحزاب المعارضة البرلمانية. بعد أربع وعشرين ساعة نشر الديوان الملكي بلاغا أعلن فيه أنه بطلب من أحزاب المعارضة عقد معهم ثلاثة أعضاء من الديوان الملكي لقاء لمناقشة وضعية العلاقات بين المؤسسات، وخصوصا المعارضة بالبرلمان والحكومة، وتحديدا رئيسها عبد الإله بنكيران.
طلبوا أن يصغي القصر لشكاويهم ضد رئيس الوزراء الإسلامي الذي تزداد شعبيته بفضل المطر وتراجع أسعار النفط. إنه الخوف من الانتخابات القادمة. لم نصل قط إلى هذه الدرجة من انحطاط الظاهرة الحزبية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.