خلفت مقاطعة مؤسسة مسجد باريس الكبير، المحسوبة والممولة من طرف الجزائر، لعضوية مؤسسة "إسلام فرنسا"، التي بادر بها الرئيس فرونسوا أولاند، الكثير من التساؤلات حول أسباب هذه الخطوة والتداعيات التي ستنجر عنها. وأعلنت فدرالية (اتحاد جمعيات) مسجد باريس، الثلاثاء الماضي، مقاطعة مؤسسة "إسلام فرنسا" التي قرر الرئيس أولاند، إنشاءها في 2016، بقيادة وزير الدفاع الأسبق جون بيار شوفانمان، بهدف الإشراف على تسيير ملف الإسلام في البلاد. وتعتبر مؤسسة مسجد باريس أقدم هيئة للديانة الإسلامية في فرنسا، حيث تضم أكثر من 400 مسجد، وتقوم سنويا بانتداب وتكوين نحو 120 إماما، إضافة لعشرات المقرئين لصلاة التراويح خلال شهر رمضان من الجزائر، التي تدفع رواتبهم أيضا. وفسر ملاحظون بأن خلاف مسجد باريس الكبير، مع مؤسسة إسلام فرنسا، إشارة لعدم رضا الجزائر عن هذه المؤسسة ومهامها وأهدافها فيما يخص الجالية والدين الإسلامي من منطلق أن اكبر جالية مسلمة هي جزائرية. ووفق أرقام السفير الجزائري السابق بباريس عمار بن جامع، قدمها في مايو 2016، في جلسة استماع بمجلس الشيوخ الفرنسي فإن هناك مليوني جزائري مسجل عبر 18 قنصلية على التراب الفرنسي. وخلال ذات الجلسة، قال الدبلوماسي الجزائري أن الجمعيات الثقافية للمساجد التابعة لمسجد باريس، استفادت من مبلغ يناهز 4 مليون يورو، وهذا خلال 5 سنوات مضت. رفض التدخل في شؤون المسلمين وخرق للقانون وأكدت فدرالية المسجد، الذي يقوده الجزائري دليل أبوبكر، أنه "بعد مشاورات بين أعضاء الفدرالية الوطنية لمسجد باريس الكبير، تقرر تجديد موقفنا الرافض للمشاركة في أشغال المؤسسة المسماة إسلام فرنسا، ومجلسها التوجيهي". وساد جدل كبير وسط الجالية المسلمة عقب تعيين الوزير الفرنسي الأسبق جون بيار شوفانمون لرئاسة المؤسسة، لكون الأخير شخصية غير مسلمة سترأس مؤسسة تهتم بالإسلام، بالرغم من أنه يرأس جمعية الصداقة الجزائرية الفرنسية. وفي وقت سابق، اشترط شوفانمون، لقبول رئاسة مؤسسة "إسلام فرنسا" أن يتم منع التمويلات الأجنبية (للمساجد ومختلف النشاطات الإسلامية)، ليجري كل شيء بأكبر قدر من الشفافية، وليعتمد إسلام فرنسا على الأموال التي تجمع في فرنسا. وفي هذا السياق، قال دليل أبو بكر، إن "سبب إقدام هيئة مسجد باريس الكبير، على مقاطعة مؤسسة إسلام فرنسا، هو تكرار تدخل الإدارة الفرنسية في تسيير الدين الإسلامي، ولذلك فضلنا أن نقول بركات (يكفي) تدخلا". وذكر دليل بوبكر، في حديث للأناضول، أن "هناك انتهاكا صريحا للقانون الفرنسي المتعلق باللائكية (العلمانية) لسنة 1905، الذي ينص على عدم التدخل في الدين سواء ما تعلق بالتسيير أو بالجانب المالي و طريقة التمويل". وقال في هذا الصدد "هناك خرق لقانون اللائكي، وسنلجأ إلى مجلس الدولة للطعن في مؤسسة إسلام فرنسا.. سنقدم شكوى لرئيس الجمهورية (فرونسوا أولاند) بأن هناك انتهاك للقانون". وأوضح عميد مسجد باريس الكبير، أن "تركيبة المجلس التوجيهي لهذه المؤسسة (إسلام فرنسا) المقدر عددهم ب 30 عضوا، تضمنت أشخاصا لا علاقة لهم بالإسلام، والعديد منهم له مواقف معادية ومناهضة للإسلام ومسجد باريس، وهذا أمر غير مقبول". وذكر في هذا الخصوص أن "من أعضاء المجلس التوجيهي من ساهم بكتابات معادية للمسلمين والإسلام". وشدد دليل بوبكر، على أن هناك تدخلا من الدولة الفرنسية في الدين الإسلامي، بل هناك رغبة في تغيير مبادئه، عكس باقي الديانات مثل اليهودية والمسيحية التي لا تتدخل فيها السلطات الفرنسية". وقال "لماذا الإسلام فقط هو الاستثناء بين بقية الديانات". وزاد "هذا التدخل ملازم للإسلام فقط، ولم نشهد مثل هذه الممارسات فيما يخص الديانة اليهودية أو المسيحية". ووفق بوبكر، فإنه "من غير المنطقي أن تقوم السلطات الفرنسية بتعيين أعضاء المجلس التوجيهي ومنهم من لا علاقة له بالإسلام (غير مسلم)، ثم تكون لهؤلاء فيما بعد سلطة انتخاب رئيس المجلس". من جهة أخرى، نقل الموقع الإخباري "كل شيء عن الجزائر" الناطق بالفرنسية، السبت الماضي، أن "دليل بوبكر، التقى برئيس مؤسسة إسلام فرنسا، ووعده بحضور اجتماع غير رسمي لأعضاء المؤسسة في 22 فبراير". جدل ورفض سياسة الكرسي الشاغر ووفق ذات المصدر فإن "دليل بوبكر، فاجأ الجميع بعدم الحضور في التاريخ المذكور، واستدعى ندوة صحفية أعلن فيها عن مقاطعة مؤسسة إسلام فرنسا". ونقل الموقع تصريحا لعبد الله زكري، رئيس مرصد مكافحة الإسلاموفوبيا بفرنسا، (عضو سابق في فدرالية مسجد باريس)، قال فيه إنه ضد سياسة الكرسي الشاغر ويجب أن يكون للجزائر تمثيلها في هذه المؤسسة. أما المستشار السابق لوزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري، عدة فلاحي، فيرى أنه من حق فرنسا أن تعبر عن انشغالها لتسيير الإسلام في ظل ظهور أصوات وتيارات متطرفة على أراضيها. ووفق عدة فلاحي، فإن "القضية تعتبر سياسية أكثر من علاقتها بالإسلام كدين". وأشار فلاحي، للأناضول، إلى أن "رئيس مؤسسة إسلام فرنسا جون بيار شوفانمون، يعتبر من الشخصيات المحسوبة على الجزائر، بل هو صديق لها". واعتبر أن "كيفية إنشاء المؤسسة والإجراءات المرافقة لها، مبعث خلاف كونها جاءت كمحاولة للالتفاف على الإسلام والمسلمين". وأوضح المتحدث أن "إنشاء مؤسسة إسلام فرنسا يجب أن لا يتخذ بقرار أو بشكل أحادي من طرف السلطات الفرنسية، بل بقرار تشاركي يحترم نسبة التمثيل وخاصة الجزائر التي لها أكبر جالية، حتى لا ندخل فيما بعد في متاهات". وبحسب فلاحي، فإنه يجب أن نطرح التساؤل فيما إذا كان موقف مسجد باريس يعبر بحق عن توجه الجزائر والجالية الجزائريةبفرنسا ومصالحها، أم أن الموقف مبني على مسائل أخرى شخصية ربما. أما المنسق العام لحركة المواطنين الجزائريينبفرنسا (مستقلة) عمر آيت مختار، فيرى بأن فرنسا لجأت لشخصية غير مسلمة لترأس "مؤسسة إسلام فرنسا" نظرا لعدم وجود تفاهم بين مختلف الجاليات المسلمة بفرنسا. وأوضح عمر آيت مختار، في حديث للأناضول، أن "هناك ندية ومنافسة بين ممثلي الجاليات المسلمة في فرنسا، ولذلك اختارت فرنسا شخصية غير مسلمة لترأس المؤسسة، وهو جون بيار شوفانمون، في محاولة لإيجاد إجماع حوله". وأوضح المتحدث أن "مقاطعة مسجد باريس الكبير، لمؤسسة إسلام فرنسا مرده رغبة هيئة دليل بوبكر، في أن يكون دورها محوريا في تسيير هده المؤسسة الجديدة".