حسن رامو الخميس 12 فبراير 2026 - 13:17 الجزائر وملفاتها مع المغرب إلى أين؟ مع الجزائرالجديدة، عرفت العلاقات المغربية الجزائرية انتقالا نوعيا. فمنذ مجيء الثنائي تبون- شنقريحة للحكم بالجارة الشرقية والمغرب يحقق ليس فقط انتصارات ديبلوماسية بل واختراقات كبيرة في كبريات القضايا والملفات. ففي نوفمبر 2020 استطاع المغرب تامين معبر الكركرات -موريتانيا بعد قطعه من طرف المليشيا الانفصالية للبوليساريو. طبعا، لم تتدخل الحركة الانفصالية إلا بأوامر من النظام العسكري الجزائري مما أبان عن قصور في فهم الواقع الجيوسياسي الجديد وفي التكتيك الحربي خاصة مع رئيس أركان جديد كان في شبابه أسيرا بالمغرب عقب حرب الرمال. وبعد الحادث، تراكم الفشل وقامت الجزائر و بوليساريو بأخطاء كبيرة متتالية ديبلوماسية وعلى مستوى الأممالمتحدة، خاصة مع مهزلة إعلان الحرب من طرف بوليساريو على المغرب والخروج من اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 1991. وأبان الوافدون الجدد على الحكم بالجزائر سواء المدني أو العسكري عن قصور كبير في مسايرة الأحداث وفهم الواقع. بعد ذلك، وعكس باقي فترات الحكم السابقة في الجزائر، عرفت فترة الثنائي شنقريحة – تبون توالت الاعترافات الوازنة بمغربية الصحراء و بوجاهة الطرح المغربي المعتمد على منح الحكم الذاتي للصحراء وخاصة الولاياتالمتحدةالأمريكية في دجنبر 2020 (أقل من شهر على تأمين الكركرات) واسبانيا وألمانيا (2022) لتتبعها دول كثيرة وازنة خاصة فرنسا وهولندا وبلجيكا ورومانيا و هنغاريا ويتوج هذا المسار باعتراف الاتحاد الأوروبي في بداية 2026. بموازاة ذلك، عرفت مدن الصحراء المغربية تناسل القنصليات الأجنبية لأكثر من 25 دولة افريقية وعربية وأمريكية. مقابل ذلك، استمرت السياسة الخارجية الجزائرية على حالها ؛ إذ وبالرغم من دعوات اليد الممدودة من المغرب منذ 2019، سلكت الجزائر خطابا عدائيا خاصة في غشت 2021 حيث قطعت الجزائر علاقاتها مع المغرب بل و تفنن الرئيس المدني تبون في إطلاق التصريحات المستفزة خاصة في 2023 باعتباره أن العلاقات وصلت الى نقطة اللاعودة وعلى استحالة التوسط بين البلدين. وطبعا استمر الفشل حتى 2026 حيث تبنى مجلس الأمن الأممي للقرار 2797 والذي أقر الحكم الذاتي كحل للتفاوض مع ترحيبه "لاستعداد الولاياتالمتحدة لاستضافة مفاوضات" في إطار المهمةِ التي يقودها المبعوث الشخصي للتوصل إلى حل للملف والصراع في المنطقة. وهو القرار الذي امتنعت الجزائر باعتبارها عضو غير دائم بمجلس الامن التصويت عليه. وهنا تكمن ذروة الفشل ؛ إذ أنها كانت تتغنى بالمقعد وبالسرديات التي تروجها داخليا لتجد نفسها في مجلس الامن ترفض حتى المشاركة في التصويت، إذ لا هي صوتت بالرفض ولا بالامتناع عن التصويت في ملف جعلت منه قضيتها الأولى منذ السبعينات من القرن الماضي وكأن الأمر لا يعنيها. بدراسة علاقات المغرب اتجاه الجزائر يمكن أن نستشف أن المغرب ومنذ الخطاب الملكي لعيد العرش في 2018 يرسل إشارات جد إيجابية للجارة الشرقية وخاصة مع اقتراح جلالته لإنشاء آلية سياسية مشتركة للحوار المباشر بين البلدين. وتم تجديد هذا الخطاب الإيجابي في نوفمبر 2018 في ذكرى المسيرة الخضراء ثم في خطاب العرش 2019الذي عبر فيه جلالته عن اليد الممدودة من المغرب ثم التأكيد على ضرورة تغليب منطق الحكمة وحسن الجوار والتعاون في خطاب العرش 2020 ثم خطاب العرش 2021 (تجديد اليد الممدودة); ثم خطاب عيد العرش 2024 الذي دعى فيه جلالة الملك لعلاقات طبيعية ومستقرة تخدم الشعبين. ولعل آخر ما يمكن سرده في هذا المسار قبل إغلاقه هو تصريح وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في نوفمبر 2025 والذي أكد فيه أن المغرب والجزائر يمكنهما حل المشاكل دون وساطة ودعى للحوار المباشر. وهو التصريح الذي أتى بعد تصريح مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف والذي أقر أن الإدارة الأمريكية تعمل على لتفاق سلام بين البلدين في غضون 60 يوما. في فبراير 2026، تضطر الجزائر الى الجلوس الى مفاوضات تنزيل القرار الأممي 2797 التي امتنعت عن التصويت عليه مما يعكس فشلا ذريعا ومضاعفة لحدة للأخطاء الديبلوماسية المرتكبة والمرتبكة خلال هذه الفترة 2020-2026 وتضييعا للفرص التي منحها المغرب. وطبعا حضور الجزائر من خلال وزير الخارجية ومسؤولين عسكريين بمدريد ينسف كل السرديات والركائز التي قامت عليها الديبلوماسية الجزائرية (الجزائر ليست طرفا، الحكم الذاتي مقترح فرنسي، لا تنازل عن تقرير المصير، الخ) وفي تضييع كبير لإشارات اليد الممدودة التي عبر عن جلالة الملك محمد السادس. إذ أن التفاوض المباشر مع المغرب والاستجابة للخطابات الملكية ولليد الممدودة كان سيسمح للجزائر بضمان حد أدنى للمصالح وحل لعدد من الملفات العالقة أكثر ما سيكون عليه التفاوض تحت مظلة الأممالمتحدة وتحت أعين الولاياتالمتحدةالأمريكية. إذ أن الجزائر ستكون ملزمة باحترام وتطبيق مخرجات جولات التفاوض دون حصولها على تنازلات، لأنها تعتبر نفسها طرفا غير معني بالنزاع في الصحراء. يضاف إلى ذلك، الفشل الكبير والخطأ الجسيم لحكام الجزائر الجديد والذي يأتي من خلال عملهم اللاإرادي على فتح ملف الصحراء الشرقية ؛ فالنظام الحالي تحت شنقريحة – تبون مدفوعا بعقيدة العداء الأعمى يقود الجزائر إلى تدويل ملف الصحراء الشرقية وذلك من خلال عدة ملفات لم يطرحها أصلا المغرب بصفة رسمية. فاقتحام العرجة في مارس 2021 وإطلاق استغلال غار الجبيلات بشكل أحادي في يوليو 2022 وما تم تسويقه من تدشين للاستغلال في يناير 2026; وكذا مناوشات إيش بإقليم فكيك في الأسبوعين الماضين (بداية فبراير 2026) تعتبر كلها تحركات تدفع الى تسليط الضوء على ملف الصحراء الشرقية خاصة مع تصريحات الرئيس تبون إبان تدشين استغلال غار الجبيلات بكون ذلك تعبير عن السيادة الجزائرية المزعومة على هذه المجالات. وهي تحركات تتناقض مع الاتفاقية التي وقعتها الجزائر في 1971 . فاستمرار الجزائر في التحرك في الصحراء الشرقية المغربية يعجّل من مسار التدويل وتسليط الأضواء عالميا على ملف تعرف الجزائر يقينا خباياه ومتأكدة من عدم امتلاكها أي أوراق قانونية ولا تاريخية ولا ديبلوماسية. ومأل هذا الملف يمكن ان يتحدد من خلال تحركات المغرب (بعد إغلاق ملف الصحراء المغربية في شقها الغربي) وفرنسا المقبلة على انتخابات قد تعجل من خسارة الجزائر لهذا الملف. وتبقى الحكمة والروية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس في هذا الصدد هي الفيصل في تحديد مسار هذه الملفات كما جاء في الخطاب الملكي في06 نوفمبر 2024 والذي كان صريحا للغاية ويعكس فهما عميقا للظرفية الجيوسياسية وللأبعاد الجيواقتصادية للمنطقة "هناك من يستغل قضية الصحراء، للحصول على منفذ على المحيط الأطلسي. لهؤلاء نقول: نحن لا نرفض ذلك؛ والمغرب كما يعرف الجميع، اقترح مبادرة دولية، لتسهيل ولوج دول الساحل للمحيط الأطلسي، في إطار الشراكة والتعاون، وتحقيق التقدم المشترك، لكل شعوب المنطقة.- وهناك من يستغل قضية الصحراء، ليغطي على مشاكله الداخلية الكثيرة. - وهناك كذلك من يريد الانحراف بالجوانب القانونية، لخدمة أهداف سياسية ضيقة. لهؤلاء أيضا نقول : إن الشراكات والالتزامات القانونية: أستاذ جامعي باحث في الجغرافيا السياسية- باحث بالمرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة