مروان بشيشي السبت 7 مارس 2026 - 14:46 خطاب رياض مزور وجرح الجالية المغربية.. سقطة تواصلية أم انعكاس لقصور في الرؤية الوزارية؟ أثارت التصريحات الأخيرة لوزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، خلال لقاء إعلامي جمعه بمجموعة من الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج، موجة عارمة من الاستياء والجدل الأكاديمي والسياسي. فعبارته التي وُصفت بالعامية والساخرة: "دخلتي لبلادك؟ بزعط... بلادك هادي"، لم تمر مرور الكرام، بل فجّرت نقاشاً عميقاً حول جودة التواصل الوزاري ومدى إدراك المسؤولين لمكانة "مغاربة العالم" في المشروع التنموي الوطني. 1. ما وراء العفوية: خلل في المنهجية التواصلية رغم أن البعض قد يُدرج هذه التصريحات في خانة "العفوية" أو محاولة لكسر الحواجز البروتوكولية، إلا أنها كشفت في عمقها عن خلل بنيوي في التواصل السياسي. فالمغاربة المقيمون بالخارج ليسوا مجرد أرقام تعزز احتياطي العملة الصعبة أو زواراً عابرين، بل هم فاعل استراتيجي وجزء لا يتجزأ من النسيج الهوياتي والاقتصادي للمملكة. إن توظيف لغة "التبخيس" -حتى وإن كانت بصبغة هزلية ينمّ عن عدم تقدير لحساسية الدور الذي تضطلع به هذه الفئة. 2. التصريحات الرسمية في مواجهة التوجيهات الملكية تضع هذه السقطة التواصلية الخطاب الحكومي في موقف حرج أمام التوجيهات الملكية السامية، التي طالما أكدت على ضرورة تجويد الخدمات المقدمة للجالية وتشجيع كفاءاتها على الاستثمار والمساهمة في بناء مغرب الغد. فبينما تسعى الدولة لبناء جسور الثقة مع "مغاربة العالم"، تأتي مثل هذه الانزلاقات اللفظية لتهدم ما تم بناؤه، وتطرح تساؤلات مشروعة حول مدى استيعاب بعض الوزراء لروح "التعاقد الوجداني" الذي يربط الوطن بأبنائه في المهجر. 3. أزمة التواصل: غياب الرؤية وتكرار "الزلات" تعكس هذه الحادثة إشكالية كبرى تتمثل في غياب "استراتيجية تواصلية مندمجة" لدى بعض القطاعات الوزارية. فالاعتماد على الارتجال في مخاطبة جمهور يتسم بالوعي العالي والحس الوطني المرهف، يؤدي حتماً إلى أزمات رقمية تسيء لصورة المؤسسات وتُضعف منسوب الثقة. إن التواصل الوزاري ليس مجرد رصف للكلمات، بل هو "فن إدارة الرموز" وبناء العلاقة المتينة بين الدولة والمواطن أينما وجد. 4. الأثر السياسي والاجتماعي: رسائل سلبية وشعور بالإقصاء من الناحية السوسيولوجية، فإن التقليل من شأن الارتباط بالوطن عبر خطاب ساخر قد يولد شعوراً بالإحباط والاغتراب النفسي لدى الجالية. فالوطنية ليست شعوراً يحتاج لمباركة وزير، بل هي حق وواجب. وتصدير خطاب يوحي ب"اللامبالاة" تجاه عودة الكفاءات أو استثماراتها يشكل رسالة سلبية قد تعيق جهود استقطاب "مغاربة العالم" للمساهمة في الأوراش التنموية الكبرى. 5. نحو مراجعة عاجلة لآليات التواصل الحكومي تفرض هذه الأزمة ضرورة ملحة لمراجعة أساليب التواصل الوزاري. إن المسؤولين اليوم مطالبون بتبني لغة تحترم ذكاء المواطنين وتُثمن مساهماتهم. يتطلب الأمر الانتقال من "تواصل الأزمات وردود الفعل" إلى "تواصل استراتيجي" يعتمد على الخطاب المدروس واللغة الرصينة التي تعكس هيبة الدولة وتقديرها لمواطنيها. إن ما صدر عن رياض مزور لا ينبغي أن يُختزل في كونه "زلة لسان" عابرة، بل يجب أن يكون نقطة انطلاق لتقييم شامل لكيفية تدبير الشأن العام تواصلياً. إن الوطن لا يحتاج إلى تذكير أبنائه ببديهيات انتمائهم، بل يحتاج إلى حكومة تتقن لغة "الشراكة الحقيقية" وتجسد الاحترام والتقدير لكل مغربي يحمل اسم الوطن في قلبه وعقله، في الداخل كما في الخارج. الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة