المغرب يتصدر دول العالم في مساعدة لبنان بعد انفجار المرفأ    أخنوش دار اعادة تنظيم الصيد البحري بمشروع قانون: عقوبات كتسنا المخالفين صحاب السفن فيها الحبس وها كيفاش الصيد فالمنطقة الخالصة    بريطانيا تسجل أسوء ركود إقتصادية في تاريخها    مجتهد: صحفيون أمريكيون حصلو على وثائق تثبت اختفاء تريليون دولار بعهد ابن سلمان    ترامب مهاجما نائبة منافسه بايدن: بغيضة ووضيعة وفظيعة!    واحد من اللعابة ديال البارصا تصاب بكورونا قبل ساعات من مواجهة بايرن ميونيخ    كورونا يؤجل مباراة رجاء بني ملال والفتح الرباطي إلى وقت لاحق    البطل المغربي "أيوب المغاري" في أول نزال له بالديار التايلاندية    بسبب كورونا… تأجيل التصفيات الأسيوية لكأس العالم إلى 2021    هذا ما قاله بونو عن تصديه لضربة جزاء خمينيز    تفكيك شبكة للهجرة السرية بطانطان ضمنها أفارقة و آسيويين !    محامو فاس يلغون احتجاجتهم بعد تكفل هيأة المحاميين بمصاريف التحاليل الخاصة بكورونا    حقوقيون: المنظومة الصحية بمراكش انهارت ومواطنون مصابون ب"كورونا" ظلوا مرابطين أمام مستشفى "ابن زهر" لأكثر من يومين دون إخضاعم للتحاليل    حرب الطرق.. انقلاب "طاكسي" ينهي حياة سائق ويصيب راكبا بجروح خطيرة ضواحي تاونات    وفاة معلم الدقة المراكشية عبد الرزاق بابا متأثرا بفيروس كورونا    عاجل : فيروس كورونا يتسلل إلى محكمة إنزكان، و حالة من الاستنفار تعقب الحادث المفاجئ.    آيت الطالب: اعتماد المراكز الصحية في الأحياء لاستقبال المشكوك في إصابتهم بكورونا    الاتحاد العام لمقاولات المغرب يقترح اعتماد "شهادة احترام المعايير الصحية"    البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية يمنح المغرب تمويلا بقيمة 40 مليون يورو    طقس الأربعاء..درجات الحرارة تصل إلى 44 درجة ببعض أقاليم المملكة    غوغل تطلق نظام إنذار بالهزات الأرضية للهواتف الذكية    إغلاق مقهى شهير بتطوان بسبب "مواد فاسدة"    بنشيخة: "لم أتعرّف على فريقي في الشوط الأول أمام ي.برشيد .. وسأُحرم من نِصف اللاعبين في اللقاء القادم"    الشارقة للفنون تفتح باب التسجيل في منحة نقطة لقاء للنشر    مغني الراب "الجوكر": أنا والسبعتون بدينا من والو.. وسأصبح رقم واحد في الراب المغربي- فيديو    تقرير…المفرب في صدارة ترتيب الدول الإفريقية من ناحية الامن و السلامة    دراسة تكشف أن مدخني السجائر الإلكترونية أكثر عرضة للإصابة بكورونا    روسيا تعلن البدء في إنتاج لقاح فيروس كورونا    ربورطاج بالصور.. السلطات تُغلق منطقة "المشروع" بالحي المحمدي بسبب ارتفاع الاصابات ب"كورونا"    السلامي يشيد بلاعبيه بعد الانتصار على الحسنية    الشاعر و الملحن المغربي أنس العراقي يعلن عن إصابته بفيروس كورونا "كوفيد-19"    قصة قصيرة: شجن    أطفئي نيرانك ولا تنطفئي..    لغزيوي يكتب: لبنان.. الشاطر حسن والأربعون حراميا!    منظمة الصحة العالمية تُعلق على لقاح "كورونا" الروسي    الشبيبة الاشتراكية تطالب الحكومة بتحري التوازن في قراراتها بخصوص الوضع الوبائي    عامل إقليم الجديدة يحدث لجنة للحوار الاجتماعي للحفاظ على مناصب الشغل في القطاع الخاص    السكوت عن الفساد فساد    الجماعات الترابية تحقق فائضا بقيمة 37 مليار درهم في النصف الأول من سنة 2020    اليونان تتأهب عسكريا ضد تركيا    متهمين جدد في قضية "حمزة مون بيبي " .. استدعاء الفنانة سميرة الداودي    ما أحوجنا إلى فقه إسلامي جديد يموج بالتسامح وحب الحياة؟    منظمات حقوقية فلسطينية: إسرائيل اعتقلت 429 فلسطينيا بينهم 32 طفلا الشهر الماضي    المغرب..خسائر القطاع الرياضي تخطت عتبة ثلاثة ملايير درهم    تعميم التغطية الصحية والتعويضات العائلية ما بين 2021 و2023    كوفيد-19: الاتحاد العام لمقاولات المغرب يقترح اعتماد "شهادة احترام المعايير الصحية"    على طريقة "الكيفواي" فرانش مونتانا يعلن عن مسابقة جديدة    جمعية أباب المقاهي تدعو المهنيين بضرورة عدم بث بعض المباريات تفاديا للتجمعات    فسحة الصيف.. مغرب المتناقضات    فسحة الصيف.. حين ابتسم الحظ للطفل ضعيف وملكت قندهار قلبه    وثائق تكشف علم "ميشال عون" و "حسان دياب" بخطر وجود نترات الأمونيا في مرفأ بيروت قبل الكارثة    وزير الصحة في زيارة مفاجئة للمركز الصحي بمدينة البئر الجديد    نقطة نظام.. الحجر الرمادي    كورونا تؤجل مباراة اتحاد الفتح الرياضي ورجاء بني ملال    فقهاء المغرب.. والتقدم إلى الوراء    فقيه يكشف مظاهر الأنانية التي تصاحب احتفالات عيد الأضحى بالمغرب    بيان حقيقة ما ورد في مقال تحت عنوان " عامل أزيلال يقاضي الرئيس السابق ل"آيت أمديس "    أولا بأول    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أمريكا تريد النفط، وجون قرنق لا يريد وحدة السودان
نشر في التجديد يوم 16 - 08 - 2002

انطلقت يوم الإثنين الماضي في العاصمة الكينية المفاوضات الثنائية بين الحكومة السودانية و "الحركة الشعبية لتحرير السودان" التي يقودها حون قرنق، وهي المفاوضات التي تأتي بعد توقيع الطرفين في 20 يوليوز الماضي على الاتفاقية التي أصبحت تعرف باتفاقية ماشاكوس، نسبة إلى المدينة الكينية التي جرى فيها التوقيع على الاتفاق الإطار الذي سيخضع لمفاوضات طويلة حول تفاصيله، لن تنتهي قبل منتصف دجنبر القادم.
ويتوقع المراقبون ومتابعو الشأن السوداني شديد التعقيد في القرن الإفريقي، أن مفاوضات حكومة الخرطوم وحركة جون قرنق ستكون حاسمة هذه المرة، كما أن من شأنها أن تدخل الملف السوداني حقبة جديدة لم يشهدها من قبل، في تاريخ المواجهات الدامية بين الشمال والجنوب منذ أول الثمانينات من القرن الماضي.
لقد نص الاتفاق الإطار الموقع في 20 يوليوز على عدة بنود كانت موضع خلاف بين الحكومة السودانية وحركة جون قرنق، بل إنها كانت سبب الحرب المديدة التي شهدها السودان خلال عمر الحكومات المتعاقبة مع المتمردين الجنوبيين بقيادة جون قرنق الذي كان يوصف دائما بالعميل قبل أن تهب الرياح الدولية الجديدة التي حملت معها المشاريع الأمريكية للحل "ومن جملة هذه البنود قضية الدين والدولة التي حصل فيها لأول مرة اتفاق بين الجانبين، يقضي بإعطاء سكان الجنوب المسيحيين والأرولعيين حق حكم أنفسهم بالعرف وليس بالشريعة الإسلامية التي ستصبح مقصورة على سكان الشمال، كما أقر الاتفاق لأول مرة أيضا الاعتراف العلني للحكومة السودانية بالمظالم التي لحقت بسكان الجنوب طوال سنين النزاع، على أيدي الحكومات السودانية، ووضع إطار لاقتسام الثروة الجديدة التي ظهرت في الأراضي السودانية متمثلة في المخزون النفطي، وحدد فترة انتقالية من ست سنوات ونصف، يجري خلالها تطبيق مقتضيات الاتفاق والاتفاقات التفصيلية التي تنبثق عن المفاوضات الجارية، ليجري بعدها استفتاء شعبي في كل من الشمال والجنوب من أجل الحسم في مصير هذا الأخير، إلى الانفصال أو إلى
الوحدة السودانية الشاملة.
حقيقة الاتفاق وخلفياته
مهما يكن من أمر نتائج المفاوضات الجارية بين وفدي الحكومة والحركة الشعبية، فإن مسألة الاتفاق بين الجانبين في الوقت الحالي تعتبر خطوة كبيرة لكلا الجانبين، وحسب المهتمين بالشأن السوداني وتداعياته الإقليمية على مستوى القرت الإفريقي، فإن الأمر يتعلق بخطوة إلى الخلف بالنسبة لحكومة عمر البشير، وخطوة إلى الأمام بالنسبة لجون قرنق وحركته الانفصالية، فالحكومة السودانية في الاتفاق قدمت تنازلات كبيرة لم تكن مطروحة حتى للنقاش على المستوى الداخلي للسودان في الأعوام الماضية، وعلى الخصوص فيما يتعلق بقضية الدين والدولة والعلاقة الجامعة بينهما. ذلك أن السودان، منذ انطلاق جيش التمرد في الجنوب في 1983، كان ينظر إلى تلك المواجهات على أنها تحد أمام الحكومة السودانية كدولة عربية وإسلامية في محيط إقليمي شديد التحرك بسبب عمليات الاستقطاب الدولي، وكانت الحرب تبدو بالنسبة للحكومة المركزية وكأنها محاولة لتكريس هوية السودان الحقيقية، وظلت قضية الجنوب لا تقبل أي نقاش في شأنها، كما كانت أحد الأسباب الرئيسية للانقلابات المتوالية للسيطرة على الحكم باسم الإسراع في حل هذه القضية والحسم في الوحدة الوطنية السودانية.
وينص الاتفاق الأخير على اللجوء إلى مرحلة انتقالية بشروط يرضى بها الفصيل الجنوبي المتمرد، على رأسها الفصل بين الدولة والدين، والمرور بعد تلك المرحلة إلى استفتاء لا يوجد لدى حكومة الخرطوم أي تصور عنه من الآن، تكون هذه الأخيرة قد جعلت وحدة السودان موضع شك ومحل مفاوضات، وقبلت بسودانين إثنين بعد كل هذه الأعوام من الحرب من أجل بناء وحدة السودان.
إن التنازلات التي قدمتها حكومة الخرطوم لحركة التمرد تسجل تراجعا كبيرا قياسا بالشعارات التي رفعتها ثورة الإنقاذ قبل عشرة أعوام حين نادت بالمحافظة على وحدة أراضي السودان وتأكيد انتمائه إلى الأمة العربية والإسلامية، ويمثل شكلا واضحا من السقوط في التبعية الأمريكية والرضوخ لأجندتها في رسم الخريطة الإقليمية للقرن الإفريقي، فقد فشلت الإدارة الأمريكية في الإطاحة بنظام ثورة الإنقاذ بفضل المناعة الداخلية في السنوات الأولى لها، ولجأت إلى العقوبات الاقتصادية والديبلوماسية لكسر شوكة النظام، حتى أن عدة مسؤولين أمريكيين أقروا بفشل سياسة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون لعزل السودان وتأليب جيرانه عليه، ورغم ذلك ظهرت الثروة النفطية في السودان لتفك الطوق المضروب عليه، وتدفع الشركات الأوروبية إلى طلب وده، الأمر الذي دفع الشركات الأمريكية إلى الضغط على إدارة جورج بوش لتغيير سياستها إزاء السودان من أجل فتح أبواب الاستثمار في النفط السوداني أمامها لمنافسة نظيراتها الأوروبية.
وقد قاد اكتشاف النفط في السودان الإدارة الأمريكية إلى إدخال تغييرات على سياستها تجاه حكومة الخرطوم، وبدل التفكير في الإطاحة بنظام الإنقاذ أصبح هناك تفكير في الإطاحة بسياسته مع الإبقاء عليه، وبانقسام النظام وخروج الدكتور حسن الترابي من التحالف مع البشير بانقلاب هذا عليه في العام 0002، وبداية التخفيف من الطابع الإسلامي للنظام السوداني، بدأت الإدارة الأمريكية تدرك أن مرحلة احتواء السودان قد بدأت، خصوصا حينما تحول النفط إلى ورقة قوية في الصراع الدائر مع حركة التمرد الجنوبي، وأصبح استهداف آبار البترول هدفا مفضلا في المخططات العسكرية لجيش جون قرنق، إذ أدركت الحكومة السودانية أن الصراع العسكري المستمر سوف يؤخر الاستفادة المرجوة من ثمار الثروة النفطية المكتشفة، ويدفع بالتالي المستثمرين إلى الهروب والبحث عن ارتياد آفاق جديدة للاستثمار.
لقد وضعت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة جديدة في القارة الإفريقية، منذ الجولة التاريخية الطويلة التي قام بها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون قبل ثلاث سنوات وشملت عدة دول إفريقية، وقد بقيت القضية السودانية تعيق هذه السياسة الإفريقية للإدارة الأمريكية، فكان لا بد من وضع حل لمسألة الجنوب وفق التصور الأمريكي الذي يرتكز على توظيف التجزئة من أجل إحكام السيطرة، فواشنطن تريد من الآن ضمان تدفق النفط الإفريقي إليها دون إزعاج، وخلق توازن في حاجياتها مع منطقة الشرق الأوسط التي تشتعل بالأزمات، وقد أصبح معتادا أنه حيث ظهر النفط ظهرت أمريكا.
أي مستقبل للمفاوضات؟
لقد حسم جون قرنق اختياراته منذ أول يوم وقع فيه الاتفاق مع الحكومة السودانية، فهو ما فتئ يعلن طموحه في تفكيك وحدة السودان، أو إعادة تركيب وحدته على أسس جديدة تضمن له نصيبا في الحكم، وقد أعلن قبل ثلاثة أيام في إرتيريا في ندوة صحافية قائلا: "إذا كنا سنقبل وحدة على الأسس القديمة فلماذا أعلنا الثورة منذ البداية؟" فهو يعتبر ما توصل إليه في الاتفاق نتيجة
لثورته التي قادها أزيد من عشرين عامل ضد السودان، ولم يكن الاتفاق بالنسبة إليه تنازلا بقدر ما كان نجاحا غير متوقع، على عكس ما هو عليه الأمر بالنسبة لحكومة الخرطوم، حتى أن الكثيرين من المراقبين يرون أن الاتفاق تم توقيعه على عجل تلبية للضغوط الأمريكية، وإنهم فوجئوا به.
ويبدو أن المواجهات العسكرية لن تتوقف في الأجل المنظور، فقد تجددت المواجهات المسلحة خلال هذا الأسبوع، بعد هجوم قادة الجيش الشعبي التابع لحركة جون قرنق ضد منطقة لافون، وقال قرنق بأن الهجوم جاء بهدف استعادة هذه المنطقة التي احتلها الجيش السوداني في 15 يوليوز الماضي، وخلال هذه الفترة التي لم يتم بعد توقيع أي اتفاق لوقف إطلاق النار، فإن حركة قرنق ستحاول تأكيد تواجدها العسكري على الأرض لخلق حقائق ميدانية تصبح مكسبا لها في مرحلة ما بعد وقف النار.
الأزمة السودانية إذاً مقبلة على سيناريوهات جديدة في المراحل المقبلة، فالمعارضة السودانية لم تقل كلمتها بعد، وهي لم يتم إشراكها في الاتفاق أو في المفاوضات، كما أن المؤتمر الشعبي للدتور حسن الترابي أعلن رفضه للاتفاق، وعبرت مصر المجاورة للسودان والمعنية أكثر بأوضاعه لتأثيرها عليه، من تخوفاتها من أن يؤدي الاتفاق إلى تشرذم السودان وانقاسمه إلى دولتين إلى جانبها، وتشعر القاهرة أن أي تحرك أمريكي في السودان يقصدها هي لكون السودان عمقا استراتيجيا في القارة الإفريقية، وقد تم القضاء على المبادرة المصرية الليبية المشتركة لحل الأزمة السودانية من قبل واشنطن حتى لا تتمكن مصر من التواجد في القارة، وتحصار ليبيا الراغبة في لعب دور إفريقي أوسع، كل هذه المعطيات تجعل من الملف السوداني غدا ملفا مفتوحا لكل الاحتمالات، وغدا تعني الأسابيع المقبلة، كما تعني ما بعد ست سنوات، هي المرحلة الانتقالية وفق اتفاق ماشاكوس.
ادريس الكنبوري


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.