قرب الإعلان عن خطة وزارية لحماية الأطفال من الاستغلال في التسول    استعداداً للبطولة الافريقية.. منتخب المحليين يفوز على منتخب غينيا    هشام الدميعي: "رحلتي مع إتحاد طنجة لن تكون مفروشة بالورود وينتظرنا عمل كبير"    توتنهام يقيل مدربه بوكيتينو وخليفته جاهز    اعتقال شخصين بحوزتهما أكثر من طن ونصف من الشيرا بمكناس داخل مستودع لتخزين المواد الإستهلاكية ببوفكران    في محاولة للهجرة السرية.. مصرع شاب إثر سقوطه من أعلى السياج المحيط بميناء طنجة المتوسط    من هو شكيب بنموسى المكلف من طرف الملك لرئاسة اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي؟    مندوبية التخطيط: 39 في المائة من المقاولات تتمركز بجهة البيضاء    سلطات تطوان تمنع وقفة تضامنية مع غزة.. و”تمزيق للعلم الفلسطيني أمام الملأ”    خاص | صِباغة عُشب "الملعب الشرفي" بالأخضر لإظهاره في كامل "نُضجه" قبل نهائي "كأس العرش"    الترسانة الباليستية الايرانية الأولى في الشرق الاوسط بحسب البنتاغون    خامنئي: إيران تواجه حربا اقتصادية.. والاحتجاجات « مفتعلة »    الرئيس اللبناني يعرض حقائب وزارية على المتظاهرين    شرعنة الاستيطان شرعنة للاحتلال وانقلاب على الشرعية الدولية    «هيئة الرساميل» تكشف حصيلة مخططها الاستراتيجي    مكناس: حجز طن و625 كيلوغراما من مخدر الشيرا    مديرية الأرصاد تتوقع نزول أمطار رعدية غدا الأربعاء بعدد من مناطق المملكة    الدورة الخامسة لمهرجان الوطني للتراث الجبلي الفنانة بشفشاون يكرم شامة الزاز    إجراءات استباقية لمواجهة آثار موجة البرد بورزازات    البيجيدي وبرنامج "التمكين" من النساء لا لهن    الاتحاد العربي يرفض استئناف الوداد    الرئيس السيراليوني يشيد بريادة الملك لفائدة التعاون جنوب-جنوب والتعاون الإفريقي    ضمير: المقاربة المحاسباتية تطغى على القانون المالي    الذكاء الاصطناعي أساسي لتطوير المقاولات    ذكرى ميلاد الأميرة للا حسناء.. مناسبة لتسليط الضوء على الالتزام الثابت لسموها إزاء قضايا البيئة والتنمية المستدامة    اعتقال شرطيين في ملف سمسار قضاة    إنريكي يقود إسبانيا في يورو 2020    وفاة تلميذة بالمينانجيت بالجديدة    حاليلوزيتش يشيد بأداء لاعبي المنتخب أمام بوروندي    فيفو تكشف عن هاتفها الذكي V17 Pro    مندوبية « التامك » تنظم دورة تكوينية لفائدة مديري المؤسسات السجنية    بنعليلو: وسيط المملكة انتقل إلى هيئة دستورية لتحليل تظلمات المواطن في إطار منظومة مندمجة    أحكام بالسجن بحق متظاهرين رافضين للإانتخابات الرئاسية في الجزائر    أخنوش: “أليوتس” من أحسن الاستراتيجيات.. و”الأحرار” يهاجم مجلس جطو خلال حديثه بمجلس المستشارين    استئنافية طنجة تؤجل محاكمة المتهمين في مقتل الطالب الصحراوي    هام للمسافرين.. توقف مؤقت لحركة السير بين العرائش ومولاي بوسلهام    فيسبوك يحذر من خلل أمني جديد في واتساب يسمح بسرقة البيانات الشخصية لمستخدميه    تأثير الإفراط في تناول السكر على الدماغ    مضيان لبلافريج..توافقت معنا على المادة9 و »كل شاة تعلق من كراعها »    شرطي يشهر سلاحه لتوقيف شخص في سكر طافح عرض حياة والديه للخطر    الطفولة تجمع لطيفة رأفت و سلمى رشيد و شوقي    التشكيلة الرسمية للمنتخب المغربي لمواجهة بوروندي    كوستا كافراس: المهرجان الدولي للفيلم بمراكش أصبح موعدا بارزا في الأجندة السينمائية الدولية    مروان حاجي يكشف ل »فبراير » حقيقة مشاركته في « مهرجان باسرائيل »    الدورة 24 لمهرجان سينما المؤلف بالرباط تحتفي بالممثلة المصرية وفاء عامر والمخرج المغربي داوود أولاد السيد    تقرير”الثروة العالمية”: متوسط ثروة كل مغربي يصل إلى حوالي 12.5 مليون سنتين    المهرجان الوطني للمسرح في دورته ال 21 يكرم أربعة من رواد المسرح المغربي    منظمة الصحة العالمية أطلقت حملة لأسبوع من أجل التوعية بمخاطرها : استعمال المضادات الحيوية دون وصفة طبية يهدد المرضى بمضاعفات وخيمة    منظمة الصحة العالمية تدق ناقوس الخطر : تلقينا 78 ألف بلاغ عن أمراض باليمن خلال 2019    انطلاق أشغال اجتماع المجلس التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية    السفياني يبرز سر إشعاع مدينة شفشاون على المستوى العالمي    "Google"يشارك المغاربة احتفالات عيد الاستقلال    وفاة الطفلة الكبرى المصابة بداء «المينانجيت» وشقيقتها تصارع الموت بمستشفى الجديدة    مجموعة مدارس هيأ نبدا تنظم ورشة بعنوان " كيف تخطط لحياتك و تحقق اهدافك " - ( منهج حياة ) .    مسلم يرد على خبر زواجه من أمل صقر بآية قرآنية    تدوينة لمغني الراب الطنجاوي مسلم تنفي زواجه للمرة الثانية    مسلم يكذب خبر زواجه الثاني ب”آية قرآنية”    هكذا علق الرابور مسلم بخصوص زواجه بالممثلة أمل صقر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مهمة علماء الإسلام- الحلقة الثانية
نشر في التجديد يوم 22 - 07 - 2004

نقدم في ما يلي للقراء الكرام النص الكامل لمحاضرة ألقاها الأستاذ علال الفاسي في شهر أكتوبر سنة 1959 في الندوة التي نظمتها وزارة التربية الوطنية للعلماء، وفيها يتحدث زعيم حزب الاستقلال، وأحد أبرز رجال الحركة الوطنية، عن المهمة النبيلة التي انتدب الله لها العلماء ورثة الأنبياء، وإذ ننشر هذه المحاضرة، فلأننا نرى أن مضامينها ما تزال راهنة وتحتاج إلى التأمل والدراسة.
ورد الدكتور محمد قاسم في مقدمة ترجمته لكتاب مبادئ علم الاجتماع الديني على روجيه باستيد مؤلف ذلك الكتاب في زعمه أن العقائد الإسلامية قد تطورت جاعلا جهل باستيد للإسلام نفسه وبعقائده سببا في جنوحه لهذا الرأي، وبعد أن نقل كلام جولد زهير كحجة قال: إنه إذا لم توجد تلك الأمور كلها فالسبب في هذا يرجع إلى أن الإسلام يقرر أن العاطفة الدينية فردية وأن الصلة بين الفرد وربه لا تحتاج إلى وساطة اجتماعية، وجعل الدكتور قاسم التسامح الذي كان قائما بين المسلمين دليلا على أن المناقشات لم تكن تمس صميم العقائد الأساسية، وأن الاختلاف كان بصدد الفروع التي يجوز الاجتهاد فيها (4)
وتحقيقا للوعد النبوي فقد برز في العصر الأخير علماء مسلمون في كل أنحاء العالم الإسلامي سيبحثون عن الأسباب التي جعلت المسلمين ينحطون بينما يتقدم غيرهم من تلامذتهم. وكان من أبرز هؤلاء العلماء الشيخ محمد عبده الذي جعله تجواله في مختلف أنحاء الخلافة العثمانية يعتقد في أن تأخر المسلمين ناشئ عن أمرين لا ثالث لهما:
الأول: قبول الإضافات التي أدخلها المندسون في الإسلام والمشعوذون عليه مع التقليد لكل ما نقل عن السابقين من العلماء أو غيرهم ونبذ الاجتهاد الديني نبذا ظهريا.
الثاني: استبداد الخلفاء والرؤساء المسلمين ومقاومتهم كل حرية فكرية مع تملق العلماء المسلمين لهم، وتزيينهم لهم ما يعملون بالسكوت أحيانا وبتحريف الأحكام وتأويل التشريع تأويلا متفقا مع الرغبات السياسية وشهوات أولئك الولاة.
العزة في الدين لا في غيره
وإذا كان في ذينك الأمرين السبب المباشر لتأخر المسلمين فلن يعود العالم الإسلامي لعزته وكرامته إلا عن طريق العودة إلى الدين الصحيح من طريق الاجتهاد الحر والنظر المجرد ومقاومة كل استبداد وطغيان.
لأن الإيمان بالله نفسه لا يتم إلا إذا صاحبه الكفر بالطاغوت.
يقول الشيخ محمد عبده في هذا المعنى:
وارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول تحرير الفكر من قيد التقليد وفهم الدين على طريقة السلف قبل ظهور الخلاف، والرجوع إلى كسب معارفها إلى ينابيعها الأولى واعتبار الدين من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه وتقلل من خلطه وخبطه.
أما الأمر الثاني فهو إصلاح اللغة العربية (5)
ويقول عبده أيضا: وهناك أمر آخر كنت من دعاته والناس في عمى عنه وبعد عن تعقله ولكنه الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلو مجتمعهم منه، وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة (6).
وبالعودة للمصادر الأولى للإسلام وبإطلاق الاجتهاد ونبذ التقليد وبمعرفة ما للحكومة من حق وما للشعب من حق تنفتح من جديد آفاق الثقافة البناءة التي يذهب اجتنس جولد زهير في الفصول الأخيرة ن كتابه (مذاهب التفسير الإسلامي) إل يتوضيح منابع انطلاقها من المدرسة السلفية (7)
ولا يتأخر الدكتور محمد البهي عن تأكيد ما لاحظة جولد زهير من كون مدرسة محمد عبده تمتاز عن حركات التجديد التي انبثقت في الهند باستقلالها وبكونها تطورا طبيعيا لحالة المسلمين (8).
على أن الحركات الإسلامية، سواء منها الهندية أو العربية، كانت ترمي لغاية واحدة هي إقناع المسلمين بضرورة عودتهم إلى دينهم الحقيقي، ومعنى ذلك التحرر من الخرافات وفتح باب الاجتهاد، وقيام إجماع جديد على أسس من الدين تتفق ومقتضيات التطور الإنساني في ميادين العلم والاقتصاد.
ولكن المسلمين لم يمهلوا حتى ينظروا في أمرهم، ويستقبلوا من أمرهم ما استدبروه، فإن الزحف الاستعماري الغربي اكتسح العالم الإسلامي برمته، وأدهشه بقواته المادية ومقدرته الصناعية وبهرجته اللفظية، فأصبح في حيرة من أمره لا يدري أيشتغل بالدفاع عن نفسه وتحرير وطنه أم يبالي بالدعوات التي يقوم بها الغرب لهدم الكيان الروحي الإسلامي. وقد فعل الجهاز الاجتماعي الذي خلقه الاستعمار لممالاته من الداخل ما لم يفعله الجهاز العسكري والسياسي الأجنبيان.
ولقد بدأ الإنجليز الحملة في الهند، بتكوين حركة لتعويض الدين التلقائي بدين موجه، والوطنية التلقائية بوطنية موجهة. ووجد في السيد أحمد خان داعية بالغ المقدرة، كما وجد في الإرساليات الدينية والعلمية خير مهيئ لمجموعة من الشباب لا تبالي بممالاة المستعمر عن طريق الإعلاء من قيمة كل ما هو أجنبي وتحقير كل ما هو إسلامي أو وطني، وامتدت هذه الحملة إلى البلاد العربية وقلدتها فرنسا باستعمال مشايخ الطرق وبعض العلماء، كما قلدتها روسيا التي برعت براعة كلية في توجيه الحركات الأهلية في الاتحاد السوفياتي طبقا لخطة عامة مضبوطة.
الاستعمار يحارب مظاهر التدين
وإذا كانت للاستعمار رسالة غير الاستغلال المادي الذي استطاع المستعمرون أن يقاوموه دائما فهي في عرض هذه الشقة القوية في كل ما هو غربي. وفي اتخاذ تجارب الغرب كلها معيارا لا يخطئ في الحكم على الأشياء والأفكار في الشرق. وهذه هي العبودية الفكرية التي كانت في نظر المفكرين المسلمين عامة أشد على الإسلام وذويه من كل حملة صليبية أو استعمارية.
ومن سوء الحظ أن الحملة الاستعمارية على العالم الإسلامي صادفت بلوغ المادية في الغرب أعلى درجاتها فإن الخلاف الذي قام بين العلماء الغربيين في بدء النهضة وبين رجال الكنيسة أدى إلى عزل الديانة المسيحية منذ ذلك الوقت عن كل مظاهر الحضارة الحديثة، وكان أثر محاكم التفتيش الكنيسية شديدا على الديانة المسيحية بل ضربة قاسية على العقائد الدينية كلها، لأن الصراع بين رجال الدين وبين رجال العلم تحول إلى صراع بين ما سمي بالمنهج العلمي وبين ما سمي بالمنهج الديني، ومع أن الإسلام لم يقاوم قط ولم يخش الدراسة العلمية على اختلاف مناهجها، فإن المسلمين لم يتحرروا اليوم بعد من الحكم على الفكر الإسلامي قياسا على الفكر المسيحي، أي بذنب لم يقترفه الإسلام ولا علماؤه.
إن الفرق بين النظرة الدينية وبين النظرية العلمانية في الغرب هي أن الأولى تعتبر أن كل ما في هذا العالم من مظاهر وآثار مرده إلى قوة أعلى وأسمى من هذا العالم بينما ترفض الثانية تفسير تلك الظواهر إلا على أساس لا وجود فيه لإله أو قوة فوق الطبيعة، وما ذلك في واقع الأمر إلا إمعان في الخصومة بين رجال الحركة العلمية ورجال الكنيسة.
على أن رد فعل روحاني وقع من طرف مجموعة من الفلاسفة والعلماء الذين حاولوا الإصلاح بين المسيحية وبين العلم. وهذه المحاولة هي التي تكون شتى المدارس الفلسفية والعلمية التي ابتدأت بديكارت وسبينوزا وانتهت بهيجل وكانت، وقد كانت نهايتها الفشل لكونها نظرت إلى الدين كمجرد حاجات اجتماعية أو تخيلات مثالية وبلغت في القرن التاسع عشر المادية مستواها الأعلى منذ ظهر فيخته وبوخنر، ومنذ ظهرت الأفكار التجريبية في الفلسفة النفعية وتقدم الاكتشاف العلمي في ميدان طبقات الأرض وعلوم الحياة وعلم النفس التجريبي، وقد مهد ذلك كله لقبول الفكر الغربي نظرية المادية التاريخية التي برزت كرد فعل آخر لتكتل الرأسمالية وحلولها محل الإقطاعية القديمة.
إزاء هذا الهجوم الجارف على المجتمع الإسلامي وقع انفصال كامل بين التراث العربي بما فيه من ثقافة ودين وبين الناشئة التي لم تعد تجد مربعا لدراستها وتلقى معارفها إلا في مدارس الغرب ومعاهدها العليا وهي كما يعرف الجميع لا يمكن أن تعنى في قليل ولا كثير لا باللغة العربية وأسرارها، ولا بالحضارة الإسلامية ومفاخرها ولا بتعاليم الإسلام وأخلاقه لأنها على أحسن الأحوال تومن بأن من الإحسان للشعب الأهلي أن ترفعه إلى المستوى الثقافي الذي عليه أبناء المستعمر وتوحدهما توحيد العبد مع السيد. وقد استيقظ المسلمون اليوم فوجدوا الأغلبية الساحقة من أبنائهم بعيدة بعدا كليا عن أية معرفة إسلامية وعن كل لغة عربية، بل لقد أصبحوا في نفس الحالة التي كان عليها الإسبانيون في أوائل القرن التاسع والتي يصفها الأب ايجاروا بقوله: يطرب إخواني المسيحيون لأشعار العرب وقصصهم فهم يدرسون كتب الفقهاء والفلاسفة المحمديين لا لتفنيدها بل للحصول على أسلوب عربي صحيح رشيق، فأين تجد اليوم علماءنا الذين يقرؤون التعليقات اللاتينية على الكتب المقدسة؟ وأين ذلك الذي يدرس الإنجيل وكتب الأنبياء والرسل؟ واأسفاه إن شباب المسحيين الذين هم أبرز
الناس مواهب ليسوا على علم بأي أدب ولا أية لغة غير العربية فهم يقرؤون كتب العرب ويدرسونها بلهفة وشغف وهم يجمعون منها مكتبات كاملة تكلفهم نفقات باهظة وأنهم ليترنمون في كل مكان بمدح تراث العرب، وأنك لتراهم في الناحية الأخرى يحتجبون في زاوية إذا ذكرت الكتب المسيحية، محتجين بأن تلك الكتب غير جديرة بالتفاتهم فواحر قلباه لقد نسي المسيحيون لغتهم. ولا يكاد يوجد واحد منهم في الألف قادر على إنشاء رسالة لصديق بلاتينية مستقيمة، ولكن إذا استدعى الأمر كتابة العربية فكم منهم من يستطيع أن يعبر عن نفسه في تلك اللغة بأعظم ما يكون من الرشاقة بل يقرضون من الشعر ما يفوق في صحة نظمه شعر العرب أنفسهم<. (9)
خوفا من لادينية هدامة
أليس من نكد الدهر أن تنقلب الآية وأن يصبح المسلمون أولى بتلك النعوت التي يضفيها الأب الكارو على أبناء دينه؟ ولقد تغير شيء في العالم المسيحي، فهل نستطيع أن نغير من أمرنا كما غير المسيحيون من أمرهم؟
على أن قسما من المسؤولية في هذا الأمر يرجع إلى جمود بعض العلماء وعدم قيامهم بواجبهم، فالتقهقر الذي أصاب الدراسات الإسلامية وانعزال المعاهد الدينية عن مسايرة التطورات الفكرية في الشرق وفي الغرب وعدم استماع العلماء لنصح الناصحين من أمثال عبده وجمال الدين ومحمد إقبال وغيرهم من المفكرين العصريين كاد أن يحدث هوة سحيقة بين الدراسات العربية والدينية المحافظة على أساليبها العتيقة ومراكزها غير المجددة، وبين الفكر الجديد الذي يتلقفه أبناء المسلمين في معاهد الغرب الكبرى مباشرة أو بواسطة المعاهد العربية الجديدة التي أقصى شرفها أن تردد دروس العلماء الغربيين في غير نقد ولا ملاحظة، وإذا استمر الحال على ما هو عليه، ولم تقم المعاهد الأصلية بواجبها نحو العربية فإنه لا يمر زمن قليل حتى يعم الإلحاد المدن والقرى ويصبح الكل مقلدا للغرب في انزلاقه نحو لادينية هدامة.
يقول أبو الحسن، من علماء الهند (10): >يجب أن نواجه الحقيقة بفقه ووعي وشجاعة. إن العالم الإسلامي يعاني اليوم ردة دينية وفكرية وثقافية جارفة يجب أن تكون موضوع دراسة جميع من يهمهم الإسلام.
إن الطبقة المثقفة في كل قطر إسلامي مضطربة في العقيدة متحللة في الأخلاق، مادية في التفكير، علمانية في السياسة، وإن كثيرا من رجالها إن لم أقل أن أكثر رجالها لا يومنون بالإسلام كعقيدة ونظام.
والشعوب الإسلامية وفيها كل خير وكل صلاح وكل استعداد وهي أصلح الكتل البشرية في العالم خاضعة لهذه الطبقة بحكم ثقافتها وذكائها ونفوذها. وإذا بقي هذا الوضع تسرب الإلحاد والفساد إلى هذه الشعوب وإلى الطبقات التي تعيش في البادية والقرى، وتعمل في المصانع والمزارع وسارت في طريق اللادينية والزندقة. هذا ما وقع في أوروبا وهو واقع في الشرق إذا جرت الأمور مجراها الطبيعي، ولم تحل إرادة الله القاهرة.
هذه شكوى الهند ولنسمع إلى الدكتور البهي من مصر يقول : (11) ... وتحولت بذلك الحركات التحريرية إلى حركة عزل الإسلام عن الحياة الملية العامة للجماعات المسلمة... إلى أن قال: وبجانب انفصال موضوع الثقافة وعزله عزلا تاما عن الإسلام الذي هيأ الفكر الغربي السابق، الاستشراقي والمادي، فرصة قبول المثقفين له دون أن يجدوا في ثقافتهم التي يحملونها وفي أنفسهم يناقش هذا الفكر حتى يكون قبولهم إياه نتيجة اقتناع وتأمل، وجد فراغ ما آخر في الحياة التوجيهية العامة، وهي حياة الجماهير من العمال والفلاحين وهذا الفراغ سببه عزلة الأزهر عن الحياة الجارية، وهي عزلة رسمت له في ظل الاستعمار أو عاون على بقائها الاستعمار.
ويقول بعد ذلك: وكلا النوعين من الفراغ في حياة المثقفين أو في حياة الفلاحين والعمال أتاح الفرصة لغير الإسلام في التوجيه والتطبيق العملي في الحياة.
ويؤكد الدكتور البهي أن الأزهر لو قام بواجبه وجعل دعوة الإصلاح السلفي تنمو في أحضانه كان احتكاك الإسلام بالصليبية والماركسية على غير الوجه الذي هو عليه الآن ويمكننا أن نقول مثل ذلك عن جميع المعاهد الإسلامية في الشرق والغرب.
وإذن فما هو الواجب إزاء هذا الفراغ..
الجواب بسيط وسهل. يجب ملء الفراغ بما يجب أن يملأ به. يجب أن يعاد للمعاهد الإسلامية مركزها كمشعل لحراسة اللغة العربية وتعليم الدين والدفاع عنه، ويجب أن يقوم العلماء بمهمتهم التاريخية التي ألقاها الإسلام على عاتقهم.
من أجل العناية باللغة العربية والمعاهد الدينية
وكما قام العلماء الأولون بمسايرة التطور الفكري والابتكارات الجديدة، وكما عملوا على التوفيق بين ذلك كله وبين السنية الإسلامية عن طريق الدين والجدل، يجب أن يتجه العلماء المسلمون اليوم إلى بعث معاهد الإسلام وإكسائها الصبغة العصرية التي تساير التطور وتفتح آفاق المعرفة لأبنائها، حتى يتكون منهم علماء يقومون بأداء الرسالة الموروثة وكما أعطت طبيعة الدعوة الإسلامية في الأول طبيعة المعرفة وطبيعة مهمة العلماء كذلك يعطينا الوضع الحاضر في العالم الإسلامي طبيعة البعث الجديد لتلك المعرفة وللغاية المقصودة منها.
إن الغاية الأولى هي عدم بقاء العزل القائم بين المثقفين والشعب وبين المعرفة الإسلامية الصحيحة والانفصال القائم بين العلماء وبين الحياة العلمية الصاعدة.
إن في العالم الإسلامي اليوم حركة تجديد قوى لمناهج الدراسة وأساليبها إصلاحا لما أفسده المستعمر من قبل، وهذه الحركة تشمل المغرب وتونس، كما تشمل بقية العالم الإسلامي ولكن المعاهد الأصيلة تقف بين فكرة الانطواء خوفا من الكيد لها، وبين فكرة اللامبالاة التي تكاد تؤدى بها، وأن طبيعة المهمة الملقاة على هذه المعاهد نتفرض أن يكون لها مركزها الممتاز بين منارات المعرفة القومية، في الوقت الذي لها من المرونة ما يسهل عليها التغلغل في صميم الثقافة وفي صميم الفكر الوطني لأداء رسالتها الإيجابية.
إن التعليم العالي الأصيل يجب أن يعنى قبل كل شيء ببعث اللغة العربية بعثا صحيحا، وتكوين معاهد الشريعة أو الفقه على الطريقة التي تمهد لقيام قانون إسلامي موحد تكون له السلطة العليا في القضاء وفي السلوك إلى جانب العمل على بعث الدراسات الدينية المحض، والأخلاقية بصفة مقارنة لابتكار جدل علمي صالح لمقاومة كل تحريف أو انتحال.
فأما مناهج اللغة العربية فقد أصبحت اليوم في تقدم يشغل كل أنظار المربين في العالم العربي ولا ينقص الجهود المبذولة في هذا السبيل إلا أن تكون مؤاخذة وبعيدة عن كل أغراض سياسية أو إقليمية. ولكن المعاهد الأصيلة في المغرب ما تزال ضعيفة من هذه الجهة سواء من ناحية الأسلوب أو من ناحية المادة.
ولذلك نرى من الضروري عناية المسؤولين والعلماء بشؤون اللغة العربية بكيفية تجعل المعاهد الأصلية منارا لها، ودرعا يحميها من كل تقهقر، خصوصا في هذه المرحلة التي ما تزال مشكلة التعريب صعبة الحل، بعيدة المنال للأسباب التقنية التي يعرفها الجميع.
وأما معاهد الشريعة فأرى أن يدرس فيها الفقه الإسلامي على الطريقة التي خطها الدكتور عبد الرزاق السنهوري، (12) وهي:
الأساس في هذه الدراسة أن تكون دراسة مقارنة فيدرس الفقه الإسلامي في ضوء القانون المقارن ويعنى في هذه الدراسة بأمرين جوهريين: (أولهما) أن تدرس نشأة الفقه الإسلامي دراسة دقيقة، فيبحث كيف تكون هذا الفقه على مر الزمن، وكيف تطور وبخاصة في العصور التي سبقت عصر المذاهب الكبرى الأربعة. والأمر الثاني أن تدرس مذاهب الفقه الإسلامي المختلفة التي منها الشيعي والخارجي والظاهري، وغير ذلك من المذاهب، دراسة مقارنة لنستخلص منها وجوه النظر المختلفة ولتتركز هذه الوجوه في تيارات من التفكير القانوني ثم تتبلور في اتجاهات عامة وتستكشف من كل هذا قواعد الصناعة الفقهية الإسلامية ثم تقارن هذه الصناعة بصناعة الفقه الغربي الحديث، حتى يتضح ما بينهما من الفروق ووجوه الشبه، وحتى نرى أين وقف الفقه الإسلامي لا في قواعده الأساسية ومبادئه، بل في أحكامه التفصيلية وفي تفريعاته، فتمديد التطور إلى هذه التفصيلات على أسس تقوم على ذات الفقه الإسلامي إلى التطور يتطور، وحيث يستطيع أن يجارى مدنية العصر يبقى على حاله دون تغيير وهو في الحالتين فقه إسلامي خالص لم تداخله عوامل أجنبية تخرجه عن أصله.
ومن ثم تكون موضوعات البحث الأساس في دراسة الفقه الإسلامي هي:
1 تاريخ الفقه الإسلامي وبخاصة قبل عصر المذاهب.
2 أصول الفقه الإسلامي على أن يعاد البحث في النظرة التقليدية لهذه الأصول.
3 مقارنة مذاهب الفقه الإسلامي المختلفة فيما بينها
4 مقارنة الفقه الإسلامي بالقوانين الغربية الحديثة.
ويرى الدكتور السنهوري أنه لا بد لهذه الدراسة من معهد خاص يتوفر على الأسباب الرئيسية لنجاحها من أساتذة يتخصصون لها، ومراجع يتعاون بها وطلاب يتفرغون لهذه الدراسة ويؤكد الدكتور أن الغاية من دراسة الفقه الإسلامي هي تجديد شبابه لينبثق القانون الحديث من الشريعة الإسلامية على أن يكون هذا القانون الحديث في منطقه وصياغته وفي أسلوبه فقها إسلاميا خالصا. والواجب أن تدرس الشريعة الإسلامية دراسة علمية دقيقة وفقا لأصول صناعتها ولا يجوز أن تخرج على هذه الأصول بدعوى أن التطور يقتضي هذا الخروج.
وأما الدراسات المتعلقة بالأخلاق وبالعقيدة فيجب أن يؤسس لها معهد خاص أيضا تكون له أقسام، للعقيدة، أصلها وحججها العقلية والنقلية، ومذاهب المتكلمين وطريقة دراستهم المختلفة ومقارنتها بالفلسفات القديمة والحديثة وبالفلسفة التجريبية بصفة خاصة، وقسم للأخلاق من جهتها الواقعية والاجتماعية، وعلم الاجتماع الديني ومقارنته لمختلف النظريات الفلسفية والاجتماعية وقسم الإرشاد والتوجيه، ويعني بطريقة التبليغ وتربية السلوك إلى دراسة لعلم النفس والاجتماع وأساليب الإقناع الحديثة.
وإذا كان الطلبة في إعدادهم الثانوي متهيئين من الناحية العامة تهيأ صحيحا لدراسة هذه المناهج فإنهم لا يلبثون أن يعيدوا للعالمية الإسلامية مركزها اللائق بها ولا تلبث المعاهد الأصلية أن تكتسي حلتها القشيبة التي كانت لها بين مختلف معاهد العالم.
ولكن المعاهد الأصيلة بحاجة أكثر من البرامج والمناهج إلى إيمان القائمين عليها برسالتهم في تكوين جيل جديد يضطلع بمهمة الدعوة الإسلامية وإصلاح ما أفسده العصر وظروفه من شؤون الدين. وهذا التكوين لا يقع بمجرد المعرفة وجودة الفكر، بل لا بد من أن يصاحب ذلك سلوك إسلامي صحيح يتربى عليه الطلبة ويعطي به العلماء قدوة حسنة لأن التربية بالحال أصدق من التربية بالمقال.
إن رسالة القرويين والمعاهد الإسلامية عظيمة جدا، وهي ليست في تقوية المرتبات ولا في إضافة العلاوات، ولكنها في قيام العلماء بمهمة الدعوة وإعداد أنفسهم لها عن طريق المعرفة الصحيحة، ومسايرة التطور المتمسك بالحق، ومقاومة كل جمود وجحود.
إن هذه الرسالة ضرورية لكل بعث إسلامي وعليها يتوقف الاتجاه المغربي نحو الإسلام وكل تقصير في هذه الجهة سيضر بالمجتمع المغربي وعسى أن يوفق الله علماءنا وأولي الأمر منا إلى أداء هذا الواجب والتحرر من تبعيته، وذلك هو المظنون.
4 الدكتور محمد قاسم، مقدمة ترجمة كتاب علم الاجتماع الديني لروجيه باستيد، ص .7
5 الأستاذ رشيد رضا، تاريخ الأستاذ الإمام، ج ,1 ص 11
6 نفس المرجع أعلاه.
7 اجتنس جولد زهير، مذاهب التفسير الإسلامي، الترجمة العربية، ص 347
8 الدكتور محمد البهي، الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، ص 84 وما بعدها.
9 مجلة المسلمون عدد 5 رقم ,6 ص 7
10 مجلة المسلمون، عدد ,5 م ,6 ص .7
11 الفكر الإسلامي، ص 461


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.