رغم السقوط المدوي أمام الأرسنال... سيدات الجيش الملكي يرفعن راية العرب وإفريقيا في سماء    6 مليارات مشاهدة تُكرّس نسخة المغرب الأكثر متابعة في تاريخ كأس أمم إفريقيا    دوري أبطال أوروبا .. برشلونة يحجز بطاقة ثمن النهائي و ريال مدريد يسقط إلى الملحق    كريستين يشلّ حركة العبور البحري بين إسبانيا وطنجة    مجلس الحسابات يكشف متابعة 154 رئيس جماعة و63 مدير مؤسسة عمومية    رد قانوني حازم من المغرب على اتهامات رئيس الاتحاد السنغالي لكرة القدم    بعد تهديدات ترامب لإيران.. وزير الخارجية التركي يؤكد إستعداد طهران لإجراء محادثات حول برنامجها النووي    السلطات ترفع حالة التأهب بعد ارتفاع منسوب وادي اللوكوس    افتتاح السنة القضائية الجديدة بمراكش    من سانتياغو إلى الرباط    غياب أخنوش عن اجتماع العمل الملكي يكرس واقع تصريف الأعمال    سلطات مقريصات تتدخل بشكل عاجل عقب انهيار صخري بالطريق المؤدية إلى وزان    أسلاك كهربائية متساقطة تتسبب في نفوق عجلين بدوار الشاوية بأمزفرون    الناظور غرب المتوسط.. ركيزة جديدة للأمن الطاقي وسيادة الغاز بالمغرب    المجلس الأعلى للحسابات: ميزانية سنة 2024: ضغط على النفقات رغم تحسن في الموارد مما استلزم فتح اعتمادات إضافية بقيمة 14 مليار درهم    المال العام تحت سلطة التغول الحزبي: دعوة للمساءلة    عالم جديد…شرق أوسط جديد    أكاديمية المملكة تُعيد قراءة "مؤتمر البيضاء" في مسار التحرر الإفريقي    المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون .. كيف يصاغ سؤال الهوية الشعرية وغنى المتخيل داخل الاختلاف    الأدب الذي لا يحتاج قارئا    التشكيلية المغربية كنزة العاقل ل «الاتحاد الاشتراكي» .. أبحث عن ذاتي الفنية خارج الإطار والنمطية والفن بحث دائم عن المعنى والحرية    إنزكان تختتم الدورة الأولى لمهرجان أسايس نايت القايد في أجواء احتفالية كبرى    صعقة كهربائية تنهي حياة شاب ببرشيد    العصبة الاحترافية تقرر تغيير توقيت مباراة اتحاد طنجة والكوكب المراكشي    المجلس الوطني..    بورصة البيضاء تنهي التداولات بارتفاع    بيت مال القدس يدعم صمود 120 عائلة    "العدالة والتنمية" يطلب رأي مجلس المنافسة حول قطاع الأدوية والصفقات الاستثنائية لوزارة الصحة    المغرب يرتقي إلى المراتب الثلاث الأولى بين الدول المستفيدة من التأشيرات الفرنسية في 2025    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    تدخل ميداني سريع لجماعة مرتيل عقب سقوط أشجارا إثر رياح قوية    المهدي بنسعيد يلجأ إلى القضاء بعد حملة اتهامات وصفها بالكاذبة والمغرضة    إفران تستضيف الدورة ال27 من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير    الحاجة إلى التربية الإعلامية لمواجهة فساد العوالم الرقمية    نشرة إنذارية.. أمطار قوية ورياح عاصفية الأربعاء والخميس بعدد من مناطق المملكة    محمد شوكي مرشحا لخلافة أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار    الصين تسجّل 697 مليون عملية دخول وخروج خلال 2025    الاتحاد الإفريقي في ورطة ويبحث عن "مُنقذ" لتنظيم نسخة 2028    المغرب أكبر من هزيمة... والإنجازات أصدق من الضجيج    الجبهة المغربية لدعم فلسطين تعلن انخراطها في يوم عالمي للنضال من أجل الأسرى الفلسطينيين    لأول مرة السيارات الكهربائية تتجاوز مبيعات البنزين        الشرع في ثاني زيارة إلى موسكو لبحث العلاقات السورية الروسية مع بوتين والوضع في الشرق الأوسط    توقعات أحوال الطقس لليوم الأربعاء    ترامب: دولة كوبا "على حافة الانهيار"    الذهب يواصل ارتفاعه الكبير متجاوزا 5200 دولار للمرة الأولى        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    كمين يسلب حياة عسكريين في نيجيريا    بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    فرنسا.. الباحثة المغربية نبيلة بوعطية تحصل على جائزة أنسيرم عن أبحاثها في علم الوراثة    تافراوت تطلق أول "فرقة دراجين" لحفظ الصحة بالمغرب: استثمار في الوقاية ورقمنة للعمل الميداني    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أوقفوا حملات المهاترات والإحتراب الإعلامي!
نشر في بيان اليوم يوم 05 - 03 - 2019

■ ما معنى أن تنزلق الحالة الوطنية الفلسطينية إلى مرحلة جديدة من التحشيد الإعلامي، وحملات الإعتقال السياسي والأمني، بين حركتي فتح وحماس، في ظل أوضاع، أجمع الطرفان، في بيانات لكل منهما، أنها شديدة الخطورة، في ظل هجمة استعمارية استيطانية على يد قوات الإحتلال وقطعان المستوطنين، وهجمة سياسية مسعورة، على يد الإدارة الأميركية، إن في عقد مؤتمر وارسو، الذي حضرته أكثر من ستين دولة، لتمرير ومباركة «صفقة ترامب» ومعادلاتها السياسية الجديدة، في منحاها العدواني للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، أو في جولة الثنائي كوشنر وغرينبلات في بعض العواصم العربية، لتحشيد التأييد السياسي والدعم المالي لمشروع تصفية المسألة الفلسطينية، وتحويلها من قضية حقوق شعب في تقرير مصيره بنفسه، وتحرير أرضه من دنس الإحتلال، وقيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وضمان حق أبنائه اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، إلى مجرد قضية «إنسانية»، يمكن حلها ببضعة مليارات، تغرق فيها الضفة وقطاع غزة، بسلسلة مشاريع إقتصادية، مقابل التخلي عن الحقوق والقضية، وشطب المسألة الفلسطينية.
(2)
منذ العودة من موسكو (14/2/2019) بعد تعطيل بعض الأطراف، لأسباب متباينة، إصدار إعلان يحمل اسم العاصمة الروسية، ويفتح الباب والفرص أمام الجهود الدبلوماسية الروسية لدعم القضية والحقوق الوطنية، وسياسية التحشيد الإعلامي، تتلاحق موجة وراء موجة.
الموجة الأولى من حركة فتح ضد حركة الجهاد الإسلامي، تحملها مسؤولية تعطيل إصدار الإعلان، وتعلن مقاطعتها لها، ورفضها الجلوس معها إلى طاولة واحدة، مادامت الحركة الإسلامية لا تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.
ما يجب قوله، في هذا الصدد، أن موقع م.ت.ف التمثيلي والسياسي غير قابل للعبث أو المس به، ليس لأنها معبد مقدس، فهذا أمر خارج الحسابات السياسية، بل لأن العبث بالكيانية الفلسطينية هو خط تدمير هذه الكيانية التي ناضل الشعب، وقدم من أجلها التضحيات الغالية، بعدما كان الرأي العام ينظر إليه على إنه مجموعة لاجئين في المخيمات، وينظر إلى باقي المناطق الفلسطينية، قبل عدوان 67، أنها إمتداد لدول عربية مجاورة. دفع الفلسطينيون غالباً، في الميدان، وفي السياسة، وقدموا الشهداء، وخاضوا المعارك، وتعرضوا لحصارات، إلى أن فازوا بالإعتراف الدولي بكيانيتهم السياسية، والإعتراف بشخصيتهم الوطنية المستقلة، وعنوانها م.ت.ف.
وفي المداخلات التي شهدها حوار موسكو، أكد الجميع، دون إستثناء، على الموقع التمثيلي للمنظمة. وفي ذات السياق أيضاً أكد العديد من المداخلين على ضرورة تطوير النظام السياسي الفلسطيني، ليتسع لقوى مازالت خارج المؤسسة، أو علقت عضويتها في المؤسسة، منها حركتا حماس والجهاد، من جهة، ومنظمتا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، والصاعقة من جهة أخرى، ما يتوجب إدخال إصلاحات على النظام السياسي القائم، بهدف استيعاب واحتضان كل القوى في مؤسساته. والمقصود بذلك بطبيعة الحال، م.ت.ف، بحيث يدخل إلى صفوفها القوى التي مازالت خارجها أو عند أبوابها، تنتظر اللحظة السياسية المناسبة للدخول.
بقاء هذه الفصائل خارج المنظمة لا يمس موقعها التمثيلي، فهي تحتل هذا الموقع، ليس من خلال الفصائل التي تنتمي إلى عضويتها فحسب، بل أيضاً من خلال كونها المؤسسة الوطنية الجامعة للشعب الفلسطيني بقواه، وتياراته، واتحاداته، ومؤسساته الإجتماعية والتربوية وسواها. لكن دخول هذه الفصائل، سيؤدي بالطبع إلى تعزيز موقعها السياسي، وثمة فرق بين التمثيلي وبين السياسي، وسيعزز موقعها في المعادلات السياسية، العربية والإقليمية، فضلاً عن كونه سيرسم مشهداً فلسطينياً مختلفاً عن المشهد الفلسطيني الحالي، وسيضع آليات وضوابط وقوانين جديدة لإدارة الخلافات السياسية، بحيث تبقي المؤسسة، في لجنتها التنفيذية، وباقي مؤسساتها، وإتحاداتها، هي ميدان الصراع والخلاف، وميدان التوافق السياسي.
لذلك نعتقد أن موقف حركة الجهاد، في موسكو، حين طالبت بالربط بين تأكيد موقع المنظمة، وبين ضرورة إصلاح أوضاعها، كانت وجهة نظر سياسية، قد نختلف معها، وقد لا نختلف، لكننا نعتقد أن تحويل هذه المسألة إلى قضية كبرى تصل إلى حد الإعلان عن القطيعة، فهذا أمر لا يخدم لا م.ت.ف [المؤسسة الأم] ولا يخدم فتح [الحركة التي تمسك بالعديد، بل بكل مفاتيح المؤسسة الأم]، ولا يخدم جهود الحوار الواجب أن تتابعه الفصائل الفلسطينية، وصولاً إلى ما تم الاتفاق عليه في موسكو، أي إنهاء الانقسام والعودة إلى الوحدة الداخلية، عبر الإنتخابات الشاملة وفق نظام التمثيل النسبي الكامل.
(3)
الموجة الثانية كانت في الدعوة إلى العمل على «تقويض حركة حماس وحسم الموقف معها». وهو تصريح، يبدو في ظاهره إعلان حرب، ستؤدي إلى إشعال النيران في الضفة والقطاع وفي أنحاء مختلفة من مناطق الشتات. علماً أن هذه الدعوة، إذا ما وضعت في سياقها العمل، وإحتمالية تنفيذها، لا تعدو كونها توتيراً إعلامياً لا أكثر. فمطلقو هذه الدعوة يعرفون جيداً أن الحالة الجماهيرية، ترفض مثل هذه الدعوات، وأن المصلحة الوطنية تتناقض مع هذه الدعوات، وأنها تحمل رسالة إلى الإخوة في القاهرة، وكأنها تطلب إليهم وضع وساطتهم على الرف، في وقت أحوج ما تكون فيه الحالة الفلسطينية إلى هذه الوساطة وضرورة تزخيمها. فضلاً عن ذلك إن أصحاب الدعوة لا يملكون القدرة العملية، على الإطلاق، لتنفيذ هذا التهديد، أو هذه الدعوة.
فحركة حماس، أياً كانت الخلافات معها، هي جزء لا يتجزأ من المشهد السياسي الفلسطيني، وعضو في الإطار القيادي الموحد(مثلها مثل حركة الجهاد) وهي مدعوة لدخول م.ت.ف، وهي الطرف الممسك بالسلطة [سلطة الأمر الواقع] في قطاع غزة، وتملك قوة عسكرية من الخطأ التقليل منها، فضلاً عن أنها تعبر عن رأي من قطاعات الشعب الفلسطيني وذات تحالفات عربية وإقليمية. وإذا كان كل هذا قد غاب عن أصحاب الدعوة، فمعنى ذلك أن الأمور ليست على ما يرام، وأن صياغة الموقف والقرار، تحتاج إلى إعادة نظر. فضلاً عن أن هذا، يتناقض بشكل كامل مع المداخلات التي شهدتها قاعة الحوار في موسكو، إن في فندق «بريزيدانت»، أو في استوديوهات «روسيا اليوم»، والتي أكدت على ضرورة إنهاء الإنقسام «المدمر»، والذي «يلحق الخسائر والكوارث بشعبنا» وضرورة إستعادة الوحدة الداخلية، في إطار م.ت.ف. الممثل الشرعي والوحيد.
الجانب الإيجابي أن هذه الدعوة أطلقت مرة واحدة، ثم وضعت جانباً، وهذا أفضل ما يمكن فعله. التراجع عن الخطأ فضيلة.
(4)
الموجة الثالثة هي تصريح بتهم حماس أنها متواطئة مع إسرائيل والولايات المتحدة لتمرير «صفقة ترامب». ويفسر هذا التصريح نفسه بالقول إن سياسات حماس، تقود عملياً، إلى الفصل النهائي للقطاع عن الضفة، في إطار تأهيل القطاع ليكون هو «الدولة الفلسطينية»، وأن يقام في الضفة حكم إداري ذاتي. وهذا هو التواطؤ مع إدارة ترامب وحكومة نتنياهو.
المداخلات في حوار موسكو، لم تتطرق على الإطلاق إلى هذا الأمر. كان الطرفان، فتح وحماس، يجلسان إلى طاولة واحدة، يفصل بينهما مدير الجلسة والحوار، البروفسور فيتالي نعومكين. وكانت التعليقات الفكاهية تصدر عن الطرفين. وفي مداخلاتهما، كل من جانبه، أدان صفقة ترامب، ومؤتمر وارسو، والتطبيع مع الإحتلال، ورفض الإنقسام ودعا إلى الوحدة الداخلية، وإلى إستنهاض المقاومة الشعبية، والتمسك بحق العودة، والدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية المحتلة، والتمسك بوكالة الغوث.. إلى آخر ما بات يعرف بالثوابت الوطنية التي تحددها الأهداف المنصوص عليها في وثائق الإجماع الوطني.
ثم في قاعات الإستراحة، كان الحوار يتواصل بين الطرفين، ويسود المرح والتعليقات الضاحكة، بل إنفجر الطرفان في ضحك عميق رصدته إحدى العدسات، ما أثار إهتمام الرأي العام، وأثار تعليقات كثيرة في وسائل التواصل الإجماع.
إذا كانت حماس، منخرطة فعلاً، ومتواطئة فعلاً، في لعبة «صفقة القرن»، «صفقة ترامب»، كان يجب ألا تكون إلى طاولة الحوار، لأن معايير ومقاييس الخلاف السياسي اختلفت. كما كان يجب ألا يدور هذا الحوار الثنائي، وهذه اللقاءات الضاحكة. كما كان يفترض ألا نتوجه إلى القاهرة لنستأنف جهودها لإنهاء الإنقسام. إلا إذا كانت الإتهامات، جزءاً من الألاعيب الإعلامية التي دخلت في المنطقة المحظورة. لسببين: أولهما أن الإتهام وجه إلى طرف شريك في الإطار الوطني الفلسطيني، وله مكانته، ومسؤول عن إدارة منطقة فيها ما لا يقل عن مليوني فلسطيني. وعلى قاعدة هذا الإتهام تقام آليات وسياسات مدمرة. أما الثاني فهو إبعاد النظر عن الخطر الحقيقي لصفقة العصر. الصفقة لا تتم في قطاع غزة، بل يجري تطبيقها في الضفة والقدس. والتصدي الميداني لخطوات الصفقة وتطبيقاتها، يتم في القدس وفي الضفة، ليس من خلال بيانات إدانة [وهي مطلوبة] بل وكذلك من خلال إجراءات ميدانية، رسمها المجلسان المركزي والوطني، في قراراتهما بشأن العلاقة مع الإحتلال، ومع الولايات المتحدة، ومع العملية السياسية. وبالتالي من يود أن يقف في وجه صفقة ترامب، عليه أن يبادر إلى تنفيذ هذه القرارات. لا أن يعوم الأمر، وإن يرجم الآخرين بإتهامات جزافاً، ليس من شأنها سوى التعتيم على سياسة تعطيل قرارات المجلسين المركزي والوطني وإن تشعل نار الحرب في البيت الفلسطيني. لذلك من المصلحة الوطنية أن تتوقف هذه التصريحات، وأن تزاح جانباً، وأن تطوى صفحتها، وأن يبقى الخلاف في إطاره الصحيح، هو إنقسام في الصراع على السلطة، بين فتح وحماس، وعلى الجانبين أن يغلبا المصلحة الوطنية على المصالح السلطوية، وأن يستمعا إلى الرأي العام الذي قالها أكثر من مرة «كفى».
(5)
من أكثر الحملات خطورة تلك التي تنظمها حماس، أو بعض أطرافها، في التشكيك بشرعية الرئيس محمود عباس، أمام المحافل الدولية.
المرة الأولى (منذ أيام قليلة) حين توجه إلى نيويورك ليتولى رئاسة مجموعة ال 77+الصين. وهو منصب سياسي مهم على الصعيد الدولي لصالح الإعتراف بدولة فلسطين، دولة تحت الإحتلال، وبالإعتراف بالرئيس عباس رئيساً لشعب تحت الإحتلال. عندها قام أحمد بحر، أحد قادة حماس، ونائب رئيس المجلس التشريعي المنحل، بتوجيه رسائل إلى أعضاء المجموعة كافة، في الأمم المتحدة، «ينزع فيها الأهلية والشرعية» عن الرئيس عباس. في تلك الواقعة، كان بحر ينتحل لنفسه صفة زالت عنه بعد قرار حل المجلس التشريعي. وهذا عبث بالنظام السياسي، ليس مقبولاً من أي طرف كان، مهما كانت الذرائع والأسباب والحجج.
وفي تلك الواقعة، جرى تقديم المشهد السياسي الفلسطيني إلى الرأي العام الدولي بحالته الهزيلة والمثيرة للشفقة، والمثيرة (في الوقت نفسه) للسخرية والتشفي. دون أن يطرح السؤال التالي: من المستفيد من هذا العبث. لا مجموعة ال77، ولا رسائل بحر، هي التي تمنح الرئيس عباس شرعيته، وتعترف له بأهليته، كما أن هذه الرسائل لن تنزع عنه هاتين الصفتين، سوى أنهما تشوشان على النظام السياسي الفلسطيني، وعلى موقع الدولة الفلسطينية في الحسابات الدولية. فضلاً عن هذا أنه لا يعود ولن يعود على حماس بأية فائدة ترجى، سوى أن يثير امتعاض القوى الفلسطينية والأطراف العربية. فالمعارضة السياسية، للسلطة ولرئيسها، لا تعني نزع الشرعية عنه والتشكيك بهذه الشرعية، وإلا كيف تفسر لنا حماس جلسات حوارها مع فتح، وتوقيعها معها تفاهمات وإتفاقات، وكيف تفسر لنا دعوتها الرئيس عباس، على سبيل المثال، أن يحضر إلى غزة، ويدير الشأن الفلسطيني من هناك، إن كانت حماس لا تعترف به رئيساً للسلطة. وكيف تفسر لنا حماس أنها شريك في «حكومة التوافق الوطني» التي وقع الرئيس عباس مراسيم تشكيلها. وكيف تفسر لنا تمسكها بهذه الحكومة إذا لم يكن هذا التمسك فيه إعتراف واضح بشرعية الحكومة وشرعية رئيس السلطة الذي وقع مراسيم هذه الحكومة.
المرة الثانية: (وأيضاً منذ أيام قليلة) حين توجه الرئيس عباس إلى شرم الشيخ ليمثل دولة فلسطين في مؤتمر الشراكة العربية الأوروبية. حيث سيرت في شوارع غزة مسيرات تحمل شعارات «إرحل» في رسالة متعمدة إلى المؤتمرين في شرم الشيخ، لإلقاء ظلال الشك على موقع الرئيس عباس في حسابات الشارع ، تمّ الرد عليها في رام الله والخليل، بشعارات مضادة « بايعناك – اخترناك».
الحالة الأولى شديدة الضرر بالحالة الوطنية الفلسطينية، فالرئيس عباس في شرم الشيخ لم يكن بمثل فتح بل دولة فلسطين وشعبها، بغض النظر عن الموقف من سياسته وتكتيكاته. وبالتالي هي خطيئة أن توجه رسائل إلى العالم وكأن النظام السياسي الفلسطيني في حالة إنشقاق وإنقسام. هناك إنقسام بين فتح وحماس، لكن م.ت.ف، ليست منشقة على نفسها.
والحالة الثانية ارتكب فيها أخطاء فنظامنا السياسي الفلسطيني لا «يبايع»، «فالمبايعة» تكون للخلفاء في التاريخ الإسلامي، ولبعض الملوك. والتفويض أيضاً تعبير خاطئ. عباس رئيس للسلطة ولمنظمة التحرير، يمارس صلاحياته محكوماً بالنظام والقوانين والدستور، وبالتالي نشر ثقافة المبايعة لا تنتمي لا لحركة التحرر وتاريخها، ولا للأنظمة الديمقراطية البرلمانية والرئاسية.
فضلاً عن هذا كله، إن مثل هذه السلوكيات، من شأنها أن تمد الإنقسام إلى الشارع وأن تزج بالشارع في المعارك الجانبية، على حساب انخراطه في المعارك الوطنية ضد الإحتلال وضد الإستيطان. الزج بالشارع في معارك الإنقسام تدمير للحركة الشعبية، يجب الحذر الشديد من اللجؤ إليه كسلاح في تصفية الحسابات السلطوية.
(6)
أخيراً وليس آخراً.
ما هكذا تكون المعارضة السياسية. وما هكذا تدار الخلافات بين أطراف الحالة الوطنية. المعارضة السياسية هي صراع على البرنامج، وهنا يلعب الشارع دوره. أما الصراع على السلطة فشكل أخر الصراع، يجب أن تضع الحالة الوطنية حداً له.
وحتى لا نقوم بدور الواعظ، والناصح، وناشر الحكمة، ندعو الجميع إلى العودة لمطالعة مداخلة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في لقائه مع الوفود الفلسطينية في موسكو.
نقترح على الجميع إن يعيدوا قراءة مداخلة لافروف كلمة كلمة وجملة جملة، وبالتأن والعمق المطلوبين. ما قاله لافروف شديد الخطورة، ليس في شرحه لمخاطر السياسة الأمريكية وأهدافها فحسب، بل في حديثه أيضاً عن مخاطر الإنقسام وأثره على مستقبل القضية الوطنية الفلسطينية. قال بوضوح إنه لا يستطيع أي صديق أن يدافع عن القضية الوطنية الفلسطينية في المحافل الدولية مادام الإنقسام قائماً. لذلك «اذهبوا واتفقوا». هذه هي نصيحة لافروف. وحتى نضع النقاط على الحروف، نقول إن المشكلة لدى فتح وحماس وليست لدى باقي الفصائل. والحل لديهما هما، وليس لدي أي طرف آخر.
وكم كانت مداخلة وفد الجبهة الديمقراطية إلى حوار موسكو صائبة، حين توجهت، ليس إلى الوفود، بل إلى فتح وحماس، تحديداً، لتقول لهما، بالصراحة المطلوبة، أنتما المشكلة، وأنتما الحل. ودعتهما إلى عدم الإنغماس بخطوات من شأنها أن تزيد الأمور توتيراً، بل ودعت كلاً منهما إلى التراجع عن خطوات اتخذاها، أسهمت في التوتير وتعقيد المشكلة. بيد الطرفين قرار التمهيد لاستئناف الحوار، وبيد الطرفين قرار تعقيد الأمور وزيادة الأزمة تفاقماً. لذلك لم يعد مقبولاً بعد الآن أن يقال للفصائل ماذا فعلتم في موسكو؟ أو أن يقال للفصائل ماذا فعلتم لتضعوا حداً للإنقسام بين فتح وحماس.
الفصائل تملك النصيحة. تملك الأفكار، تلك أدوات الضغط السياسي والجماهيري. هذا كل ما عندها.
لذلك علينا أن نتوجه إلى كل من فتح وحماس (نسألهما معاً) لماذا لم تستجيبا حتى الآن لنداء الفصائل، ونداء القاهرة، ونداء مكة، ونداء موسكو، ونداء الشارع الفلسطيني لإنهاء الإنقسام. ومتى سيكون لهذه النداءات أثرها الإيجابي في سياسة كل منكما، فتتغلب المصالح الوطنية العليا، على المصالح السلطوية والفئوية والحزبية الضيقة.■
معتصم حمادة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.