بلال الخنوس يحرز هدفين أوروبيين    النيابة العامة تؤكد فرضية انتحار "ضيف" الفرقة الوطنية.. ووالداه يشككان في الرواية ويطالبان بكشف ملابسات القضية    إطلاق سراح الأمير أندرو بعد ساعات من التحقيق.. والملك يؤكد أن "القانون يجب أن يأخذ مجراه"    تشريح يؤكد وفاة بالقفز من مقر BNPJ    بنسعيد يعلن اعتماد صيغة جديدة لدعم المقاولات الصحفية    دعم أمني وطبي.. المغرب ينخرط عملياً في تثبيت الاستقرار بغزة        نصائح ابن حزم في "طوق الحمامة" للعشاق وحكاية ابن السراج والفاتنة شريفة        المجلس الوطني لحقوق الإنسان: تدبير فيضانات الغرب واللوكوس يؤسس لنموذج مغربي في مجال الجاهزية الاستباقية في تدبير الأزمات والكوارث الطبيعية    مطلب برلماني لوزارة الداخلية بتعويض متضرري فيضانات الحسيمة    الحكومة تصادق على تعيين بنحيون عميدًا لكلية الآداب بتطوان    إحباط محاولة تهريب أقراص مهلوسة إلى المغرب عبر سبتة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة    أحكام بسجن المشجعين السنغاليين في المغرب بين ثلاثة أشهر وسنة    أمريكا تمنح 10 مليارات لمجلس السلم    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولات بأداء إيجابي    عن القلوب التي تواسي بلا حدود أو قيود    تقرير إسباني: ميناء طنجة المتوسط غيّر خريطة الموانئ في مضيق جبل طارق        الزلزولي: "أنصار ريال بيتيس الأفضل في "الليغا" ويذكرونني بجماهير المنتخب المغربي"    ليلى شهيد.. رحيل امرأة استثنائية    الذهب يرتفع مع تزايد التوتر بين أمريكا وإيران وترقب بيانات تضخم أمريكية    عمالة إقليم العرائش .. كافة سكان مدينة القصر الكبير يمكنهم العودة إلى منازلهم ابتداء من اليوم الخميس    مكتب الصرف يطارد استثمارات "مخفية" لرجال أعمال مغاربة في الخارج    وزارة الأوقاف تحدد موعد قرعة الحج        انطلاق عملية الإحصاء الخاص بالخدمة العسكرية بداية مارس المقبل    وزارة الأوقاف تعلن مواعيد قرعة الحج لموسم 1448ه وإعلان اللوائح النهائية    "الكونفدرالية" ترفض الإصلاح الحكومي الأحادي لأنظمة التقاعد وتحذر من المساس بمكتسبات الأجراء    نقابات الصيادلة تندد ب"الإقصاء" ومجلس المنافسة يؤكد شرعية إصلاح القطاع    شنغن تتجه لتمديد التأشيرات لأكثر من خمس سنوات    استيراد أبقار إضافية يعزز تموين السوق باللحوم الحمراء في شهر رمضان        بنزيما: "شهر رمضان يمنحني التركيز والتألق"    المغرب يجمع منتخبات إفريقيا وآسيا في دورة دولية ودّية بالرباط والدار البيضاء    آيت منا يراهن على جمهور الوداد لاقتحام دائرة أنفا بالدار البيضاء    إنفوجرافيك | 5780 شخصًا.. ماذا نعرف عن الموقوفين على خلفية حراك "جيل زد 212"؟    عمدة واشنطن تعلن عن حالة طوارئ بعد تسرب مياه للصرف الصحي في نهر "بوتوماك"    ملحق أبطال أوروبا.. إنتر يسقط في فخ بودو وأتلتيكو يتعثر ونيوكاسل يكتسح    سامي: الأسرة أساس تناقل الأمازيغية    ليلى شهيد.. شعلة فلسطين المضيئة في أوروبا تنطفئ إلى الأبد    ارتفاع الإيرادات الضريبية في المغرب إلى 291 مليار درهم ما بين 2021 و2025 وحصتها ناهزت 24.6% من الناتج الداخلي الخام    رئيس وزراء إسرائيل الأسبق: تركيا باتت تمثل "إيراناً جديدة" في المنطقة تقود "محورا سٌنيّا" ضد إسرائيل    "مجزرة ضرائب" أم "سلّة إنقاذ"؟ قرارات الحكومة اللبنانية تحرك الشارع    السيناتور الأمريكي غراهام يهاجم السعودية ويقول إن "حربها" مع الإمارات بسبب تطبيعها مع إسرائيل    وفاة المدافع عن "حقوق السود" جيسي جاكسون    لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في رمضان؟    متى ندرك المعنى الحقيقي للصوم؟    من الإفطار إلى السحور .. نصائح لصيام شهر رمضان بلا إرهاق أو جفاف    في حفل مؤثر أربعينية الحسين برحو بخنيفرة تستحضر مساره في الإعلام السمعي الأمازيغي وخدمة السياحة والرياضات الجبلية    المتحف محمد السادس بالرباط يحتضن تأملات يونس رحمون... من الحبة إلى الشجرة فالزهرة    إمام مسجد سعد بن أبي وقاص بالجديدة ينتقل إلى فرنسا خلال رمضان 1447ه    وفاة الدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد في فرنسا عن 76 عاماً... صوت القضية الفلسطينية الناعم في أوروبا    إشبيلية .. مركز الذاكرة المشتركة يتوج بجائزة الالتزام الدولي ضمن جوائز إميليو كاستيلار    مخرجة فيلم "صوت هند رجب" ترفض جائزة مهرجان برلين وتتركها في مكانها "تذكيراً بالدم لا تكريماً للفن"    القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



معاهدة "استرياك" ونهاية الحلم البحري للمغرب بعد معركة العرائش (3)
نشر في شمال بوست يوم 20 - 04 - 2017


عزيز قنجاع - كاتب وناشط جموي
معركة العرائش وتوقيع معاهدة "استرياك": قراءة في النصوص
أ- ظروف المعركة
انتهج المولى عبد الرحمان بن هشام سياسة صارمة اتجاه الدول التي تعبر شواطئ المغرب حيث بات رؤساء البحر المغاربة " يقتنصون مراكب الدول التي ليس لها عقد مهادنة مع المغرب " كما قال ابن زيدان، وكذا "الدول التي ليس لها جواز المرور يبيح لها حرية التجول بمياهه وعبور شواطئه " وفي إحدى تلك الدوريات البحرية أسرت البحرية المغربية مراكب نمساوية، ففي سرده لهذه الحادثة كتب صاحب "الاستقصا" أن البحرية المغربية بقيادة الرئيسان الحاج عبد الرحمان بريطل والحاج بركاش استاقوا المراكب النمساوية "اذ لم يجدوا معها ورقة الباسبورط المعهودة عندهم و عثروا فيها على شيء كثير من الزيت و غيرها وكان بعضها قد جيء به الى مرسى العدوتين وبعضها الى مرسى العرائش" ورغم المجهودات الدبلوماسية التي قام بها سفير النمسا إلى طنجة لطلب عقد معاهدة صلح في هذا الشأن فان طلبه قد تم رفضه بذريعة " انه أخذ – أي المركب- في وقت الحرب، فرجع ذلك السفير خائبا " وذلك حسب الرواية التي اوردها ابن زيدان في إتحافه.
رد النمسا لم يتأخر فقد كان سريعا ومباغثا حيث ارسلت هذه الأخيرة مراكب قرصانية للاحتيال على قنص مراكب مغربية " فصار ذلك المركب القرصاني يتطوف بنواحي مياه المراسي المغربية " إلى أن رأى منها بمرسى العرائش فحدثته أطماعه بالقبض عليها، ولما قابلوا المرسى انزلوا عددا من الجند بالبر وقصدوا المراكب السلطانية" لا تختلف هذه الرواية التي أخذناها عن ابن زيدان عن تلك التي أوردها الناصري بكثير من التفصيل في كتاب الاستقصا حيث اضاف "فهجم النابريال على العرائش بستة قراصين يوم الأربعاء 3 ذي القعدة سنة 1245 ورمى عليها الكور شيئا كثيرا من الضحى الى الاصفرار وعمد في أثناء ذلك الى سبعة قوارب فشحنها بنحو 500 من العسكر ونزلوا الى البر من جهة الموضع المعروف بالمقصرة، وتقدموا صفوفا قد انتشب بعضهم في بعض بمخاطيف من حديد لئلا يفروا و مشوا الى مراكب السلطان التي كانت مرساة بداخل الوادي وهم يقرعون طنابيرهم و يصفرون ومراكبهم التي بالبحر ترمي بالضوبلي مع امتداد الوادي لتمنع من يريد العبور إليهم، فانتهوا الى المراكب وأوقدوا فيها النيران وقصدوا بذلك أخد ثأرهم فيما انتزع منهم" وقد استمرت هذه العملية العسكرية طيلة النهار ولم يتم صد النمساويين إلا بعد أن انضم أهل الدواوير المجاورة للمعركة حسبما نفهمه من شهادة صاحب الإتحاف الذي قال " فحال بينهم وبين ذلك أهل البلد والمجاورين لها وأحاطوا بهم قبل وصولهم للمراكب واستأصلوهم قتلا ، وقطعوا رؤوسهم ووجهوا بها الى الحضرة السلطانية" اما الناصري فيدقق كثيرا في تفاصيل هذه المعركة حيث يضيف "فلم يكن الا كاد و لاحتى انثال عليهم المسلمون من كل جهة من آهل الساحل وغيرهم، وعبر إليهم أهل العرائش و أحوازها سبحا في الوادي وعلى ظهر الفلك إلى أن خالطوهم وفتكوا فيهم فتكة ، وكان هناك جملة من الحصادة يحصدون الزرع في الفدن فشهدوا الوقعة وابلوا بلاء حسنا حتى كانوا يحتزون رؤوسهم بمناجلهم" ولا يكتفي الناصري بالرواية المحلية بل ينقل عن مؤرخ اسباني قائلا : " وقد ذكر مانويل هذه الوقعة وبسطها وقال : ان النابريال قتل منهم ثلاثة واربعون سوى الأسرى وتركوا مدفعا واحدا وشيئا كثيرا من العدة وافلت الباقي منهم إلى مراكبهم وذهبوا يلتفتون وراءهم" ان كانت المعركة انتهت بنصر عسكري مغربي فما هي النتائج السياسية التي ترتبت عن هذه المعركة ؟.
ب نتائج المعركة
لم ترد بالأبحاث الأكاديمية أية قراءة متأنية لهذه المعركة ودراسة لتفاصيلها و نتائجها ولا لبنود معاهدة استرياك التي ترتبت عنها بل ان الكثير من الغموض يلف هذه المعركة حتى بالنسبة للذين حكوا عنها، فأمام نصر عسكري غير مسبوق على امبراطورية النمسا نجد أن الصيغ التعبيرية التي رافقت سرد حيثيات هذه المعركة يكاد يكون احالة الى هزيمة نكراء بل كأننا أمام هزيمة كارثية، حتى ان المؤرخ الناصري الذي لا يترك شاذة ولا فادة الا وأطال في ذكرها، لم يتوسع في ذكر نتائج هذه المعركة ولا تكبد عناء نقل تفاصيلها بل أشار إليها إشارة عابرة مقتضبة، مما يثير الكثير من التساؤلات المرتبطة بهذه المعركة. فمن المعلوم إن المنطق الحربي يقتضي أن يعقب النصر العسكري مكاسب دبلوماسية وسياسية، بل وارتباطا بهذه المعركة، كان من اللازم ان يصبح للمغرب اليد الطولى في البحر او على الأقل فيما يخص شريطه الساحلي بعد أن اثبت جدارة حربية في الدفاع عن مجاله البحري، الا ان ما كتبه المؤرخون منهم ابن زيدان و الناصري على الخصوص يخالف هذا المنطق.
ترد أنباء الانتصار في هذه المعركة مقترنة بتعاليق قوية تشير الى حجم الكارثة، هل كانت العملية جديدة على مؤرخينا؟، إذ لم يسبق أن صادف اقتران نصر عسكري بهزيمة دبلوماسية وسياسية. يقول الناصري في سياق حديثه عن النتائج الميدانية للمعركة وفي سياق تعداد الغنائم الحربية ووصف هذه الملحمة البطولية ودون سابق انذار يفاجئنا بالقول : "واعلم ان هذه الوقعة هي التي كانت سببا في إعراض السلطان المولى عبد الرحمان عن الغزو في البحر والاعتناء بشأنه" بل إن صاحب الاتحاف، ابن زيدان علق بكلام قاس على نتائج هذه المعركة اذ قال " وكانت هذه الواقعة وما نشأ عنها من فتح أبواب المشاكل بين الدولة الشريفة والدول الأجنبية من أعظم ما فت في عضد صاحب الترجمة – ويقصد بذلك السلطان المولى عبد الرحمان بن هشام – واكبر حائل بينه و بين الوصول لبغيته" ، فإذا كان ابن زيدان استعمل عبارة جد خطيرة تبين مدى خطورة المعركة و تداعياتها لدرجة أنها فتت عضد الدولة فانه اضاف كذلك في سياق الحديث عن المعاهدة الموقعة بين المغرب و النمسا " وقد كانت من أعظم الأسباب في إهمال المراكب البحرية المغربية والإعراض عن الاعتناء بها" اما الناصري فسيزيدنا توضيحا حين يقول انه على اثر هذه المعركة "ظهر له – اي للسلطان – التوقف عن امر البحر رعيا للمصلحة الوقتية " ويضيف قائلا في إشارة قوية إلى الضغوط الدبلوماسية التي مورست على السلطة بالمغرب عقب معركة العرائش " ان لا تكون المراكب إلا لمن يقوم بضبط قوانين البحر التي يستقيم بها أمره وتحمد معها العاقبة و تدوم المودة" مما يعني أن المولى عبد الرحمان بن هشام انصاع في الأخير لبنود معاهدة فيينا فيما يخص الأبواب المتعلقة بضبط حركة الملاحة الدولية وبمباركة من النخبة نفهمها من خلال قول الناصري "و لعمري أن تركه – اي العمل البحري – لمصلحة كبيرة لمن أمعن النظر فيها".
وقد لخص السي محمد المنوني الموقف المترتب عن معركة العرائش في كتابه " مظاهر يقظة المغرب الحديث" "ان جعلت – معركة العرائش – حدا لنشاط الأسطول المغربي" كل هذه الملاحظات المساقة في هذا الصدد ومن خلال مجمل الملاحظات التي ضمنها المؤرخان القريبان زمنيا من الحدث، ومن خلال التعقيبات المتلاحقة عن المعركة، بتبين بما لا يدع مجالا للشك أن معركة العرائش كانت السبب في خروج المغرب نهائيا من البحر، واضعة بذلك حدا للتوجهات البحرية للسلطة المركزية المغربية، لازالت معالمها قائمة إلى حدود اللحظة الراهنة.
* معاهدة استرياك في سياق النصوص .
تطرح معاهدة "استرياك" التي وقعها المغرب مع النمسا او جنس "النابريال" حسب التسمية المغربية للنمساويين خلال يداية القرن التاسع عشر عدة ملاحظات على مستوى سياقاتها التاريخية، فالسؤال الذي يرتبط مباشرة بظروف هذه الاتفاقية هو: هل وقعت اتفاقية "استرياك"مع النمساويين قبل معركة العرائش البحرية ضدهم، ام بعد المعركة؟ فالحديث عن الاتفاقية في المتنين التاريخين الذين تحدثا عنها سواء عند الناصري في كتاب "الاستقصا" او في "الاتحاف" لابن زيدان يأتي مبهما مبتسرا، بل يطرح مجموعة من المشاكل في التوطين التاريخي لهذه الاتفاقية. فالمصدر الأقدم الذي هو الناصري يتحدث عن اتفاقية "استرياك" بشكل فجائي في سياق حديثه عن حروب سنة 1243 التي خاضها المولى عبد الرحمان بن هشام ضد قبائل الشراردة ليقول " ثم دخلت سنة 1245 ففي شعبان منها عقد الصلح مع جنس النابريال ويقال له : استرياك وهي اثنا عشر شرطا مضمنها المخالطة بالبيع و الشراء وغير ذلك مع الأمان والاحترام من الجانبين والاخر منها مضمنه الصلح الدائم على هذه الشروط لا يفسده امر يحدث بعده ولا يقع فيه زيادة ولا نقصان" ثم يضيف الناصري في جملة مختصرة قائلا : " ثم حدثت الفتنة عقب هذا بيسير على ما نذكره " لا تترك الصيغة التي أورد بها الناصري حديثه عن معاهدة أسترياك اي شك في أننا أمام اتفاقية عقدت مع جنس النمساويين قبل معركة العرائش البحرية بنحو ما ينيف عن الشهرين، نظرا لكون تاريخ المعركة كما أوردها الناصري وأحجم عن ذكر تفاصيلها صاحب "الإتحاف" متعللا بكونها قد وردت كاملة عند الناصري في "الاستقصا" كان يوم الاربعاء الثالث من ذي القعدة سنة 1245. ثم ينتقل الناصري بعد ذكر خبر معاهدة استرياك وعدد بنودها دون إيراد التفاصيل الخاصة بهذه البنود وهي عملية تثير الكثير من الأسئلة على اعتبار ان الناصري قد يورد قصيدة مطولة قيلت على هامش حدث تاريخي ويتغافل في إيراد اتفاقية يبدو جليا انه كان على اطلاع على تفاصيلها موردا في هذا السياق ملخصا عنها دون الالتفات الى تفاصيلها وذلك كما قلنا في سياق آخر وهو سياق حروب السلطان مع الشراردة وهو سياق لا علاقة بالموضوع وينتقل بعد ذلك للحديث عن معركة العرائش تحت عنوان مستقل يلخص مغزى الحدث وهو: " هجوم جنس النابريال على العرائش والسبب في ذلك" هكذا . وبعد أن يستعرض أحداث المعركة و تفاصيلها وينقل عن مؤرخ أجنبي تثبيتا لعمل المؤرخ في إيراد الغنائم و الأرباح ، وينهي حديثه عن هذه الواقعة بعد ان يستفيض في ذكر المساوئ والمشاكل التي أصبح يسببها النشاط البحري بالقول : "وأما فتنة النابريال هذه فإنها تفاصلت بواسطة النجليز حيث وجه باشدوره مع باشدور النابريال فقدما على السلطان رحمه الله مكناسة في شهر ربيع الأول سنة ست و أربعين ومائتين وألف.".
اما صاحب "الاتحاف" ابن زيدان، فلا يخرج عن ما ورد عند الناصري في سياق حديثه عن اتفاقية استرياك بل يعود له الفضل في ايراد بنود الاتفاقية الاثنى عشر التي سبق وعددها الناصري دون نقلها، وبعد ان ينقل عن الوثيقة الاصلية للاتفاقية يقول مختتما هذا الموضوع : " وقد دام الأمر على ذلك الى ان حدثت فتنة وورد سفير الانجليز مع سفير النابريال على السلطان لعاصمة سلفه مكناسة الزيتون في ربيع الاول عام ستة واربعين للنظر فيها – اي اتفاقية استرياك – وتعديل مشكلة ما غنمته القراصين المغربية من قراصين جنس النابريال التي كانت تتجول بالمياه بدون تأبط لورقة الجواز" ويختتم القول في هذا الموضوع بالقول " وقد تكفل صاحب الاستقصا بشرح هذه الحادثة فلا داعي لجلبها هنا، وقد كانت من أعظم الأسباب في إهمال المراكب البحرية المغربية والإعراض عن الاعتناء بها".
* معاهدة استرياك في سياق الأحداث
" في شعبان سنة خمسة واربعين انبرم الصلح بينه وبين دولة النابريال (استرياك)على اثنى عشر شرطا مضمون جميعها تحسين العلائق وترويج البضائع واحترام كل رعية رعية للاخر" هكذا يديل ابن زيدان الحديث عن معاهدة استرياك ثم ينتقل مباشرة للنقل من الوثيقة الأصلية للمعاهدة التي تقول " الحمد لله مضمن شروط عقدها من ناب عن السلطان سيدنا المقدس بالله مع جنس النابريال في تاريخ 1830:" هنا المشكلة، فابن زيدان ينقل عن الناصري أحداث معركة العرائش وينقل تفاصيلها بل ويحيل اليه والى كتابه "الاستقصا" في حديثه عنها تجنبا للاطالة، لكنه لا ينتبه ان الوثيقة الأصلية للمعاهدة التي نقلها لنا هنا حرفيا جاءت في تاريخ 1830 وهي السنة التي تلت المعركة التي وقعت سنة 1829 ثم ان التعاليل التي ساقها المؤرخان والتي كانت سببا في الهجوم النمساوي على العرائش والتي مردها ما " غنمته القراصين المغربية من قراصين جنس النابريال التي كانت تتجول بالمياه بدون تأبط لورقة الجواز التي تخولهم التجول بتلك السواحل طبق الاتفاق الواقع بين الدولة الشريفة والدول الاوروبية" حسب ابن زيدان، ونفس السبب يورده الناصري حين يقول ان البحرية المغربية: " لم يجدوا معها ورقة الباسبورط المعهودة عندهم" تتناقض مع سياق الأحداث كما أوردها شاهد ثالث وهو ابو القاسم الزياني في كتابه "تاريخ الولاية المحمودة البدء و النهاية " المتوفي سنة 1833 والذي يعد أقدم مصدر قريب من هذه الحادثة وعنه نقل ابن زيدان في موضع ذكر سبب معركة العرائش.
وسنسوق النص كاملا نظرا لأهمية المعلومات التي ساقها هذا المؤرخ عن هذه الحادثة وإيراده لسياقات أخرى تفيد في تثبيت الزمن التاريخي لتوقيع معاهدة "استرياك" حيث يقول ان المولى عبد الرحمان بن هشام تمكن من " شراء مركبين حربيين وتعميرهما بالعساكر و المدافع ، و اختار لذلك من له رسوخ و ثبات في الدين، وصار يتجولان في البحر الى ان انقض احدهما على مركب انجليزي وجده غير متابط لورقة الجواز، وسار به الى مرسى الرباط اسيرا، ثم لما اتصل الخبر بقنصل الانجليز القاطن بطنجة ، طلب من المولى عبد الرحمان بن هشام ان يرد عليه مركبهم لانهم مسالمون للسلطان قبله، واعتذر على عدم حمل المركب لورقة الترخيص في الجواز بأنه خرج من بلد ليس به قنصل يعطيه الورقة ، وان السنجق (العلم) يغني عنها فلا تسمح القوانين والحالة هذه بأخذ ذلك المركب أسيرا. ثم اجتمع قناصل الدول للنظر في القضية فسلموا عذر القنصل الانجليزي وعضدوا ما احتج به، فسلمه السلان لهم – أي المركب – " يفيدنا هذا الجزء الاول من الحكاية كما اوردها الزياني عن كيفية التعامل الدولي في قضايا النزاعات البحرية وتفيدنا في المقارنة مع الامور كما تطورت مع النمساويين حيث يستمر الزياني في السرد قائلا : " وأسر المركب المغربي الآخر مركبا نامسويا ذ، ولم يكن لهم عقد صلح مع الدولة المغربية ولما اتصل بهم الخبر انهضوا سفيرا لطنجة يطلب رد مركبه عليهم ويزعم أن باشدورهم متأهب للقدوم على الحضرة السلطانية متأبط لهدية من سلطانهم للسلطان لطلب عقد الصلح واتخاذ قنصل لهم بطنجة ، فأبى المولى عبد الرحمان من رد المركب واحتج بأنه انه اخذ في وقت الحرب ، فرجع ذلك السفير خائبا" فكيف يمكن ان يكون المغرب في حرب مع دولة له معها اتفاقية هدنة وصلح موقعة من طرف الدولتين قبل الحادثة بشهرين، بحسب ما جاء ب"الاستقصا" خصوصا ان الكلام المنقول من طرف الزياني صادر عن السلطان نفسه ، ثم ان الزياني قال ان سبب اسر المركب الانجليزي كان بسبب عدم توفره على ترخيص العبور او الجواز او الباسبورط "وجده غير متابط لورقة الجواز" حسب الرواية ، أما سبب اسر المركب النمساوي فيرده هذا المؤرخ إلى " انه لم يكن له عقد صلح مع الدولة المغربية " مما لا يدع مجالا للشك أن معاهدة استرياك سواء من خلال تاريخ توقيعها الذي يصادف سنة 1830 أي بعد المعركة التي وقعت بالعرائش سنة 1829، أو حسب سياق الأحداث كما وردت عند الزياني تدل بشكل قاطع ان معاهدة "استرياك" وقعت بعد معركة العرائش.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.