عندما تشكلت حكومة عزيز أخنوش في خريف 2021، بدا المشهد السياسي المغربي وكأنه يدخل مرحلة جديدة. فقد جاء صعود حزب التجمع الوطني للأحرار إلى قيادة الحكومة ممتطيا صهوة شعارات براقة على رأسها " تستاهلو حسن " ، و محملا بوعود طموحة، على رأسها بناء "الدولة الاجتماعية"، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وإطلاق إصلاحات عميقة في التعليم والصحة، وخلق فرص شغل واسعة للشباب. لكن بعد سنوات من تولي هذه الحكومة مسؤولية تدبير الشأن العام، تبدو الحصيلة بالنسبة لكثير من المتابعين بعيدة عن سقف تلك الوعود. فبدل أن تصبح "الدولة الاجتماعية" واقعا محسوسا في حياة الناس، وجد المواطن المغربي نفسه أمام سلسلة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والاحتجاجات المهنية التي جعلت التجربة الحكومية الحالية توصف لدى بعض المنتقدين بأنها حكومة الأزمات المتتالية. لعل أول اختبار لأي حكومة هو قدرتها على حماية القدرة الشرائية للمواطنين. غير أن السنوات الأخيرة شهدت موجة غلاء غير مسبوقة في أسعار المواد الغذائية والمحروقات والخدمات. فقد ارتفعت أسعار اللحوم الحمراء إلى مستويات قياسية تجاوزت في بعض الأسواق 120 درهما للكيلوغرام، بينما قفزت أسعار الخضر الأساسية والمواد الغذائية الأخرى بشكل ملحوظ. أما المحروقات، فقد ظلت أسعارها مرتفعة في كثير من الفترات رغم تراجعها في السوق الدولية أحيانا . هذا الوضع جعل القدرة الشرائية للأسر المغربية تتآكل تدريجيا، خصوصا لدى الطبقة الوسطى والطبقات الهشة. ومع أن الحكومة تعزو هذه الأزمة إلى عوامل خارجية مثل الحرب في أوكرانيا وتوالي سنوات الجفاف، فإن كثيرا من المنتقدين يرون أن السياسات الحكومية لم تنجح في ضبط السوق أو الحد من المضاربات التي تضرب أسعار المواد الاستهلاكية . وتجدر الإشارة أن من أكثر الملفات التي أثارت الجدل في التجربة الحكومية الحالية قضية تضارب المصالح. فإلى جانب النقاش الذي رافق ارتفاع أسعار المحروقات، برزت قضية أخرى تتعلق بمشاريع تحلية مياه البحر التي أطلقتها الدولة لمواجهة أزمة الجفاف. وقد أثيرت تساؤلات سياسية وإعلامية حول استفادة شركات مرتبطة بمحيط رئيس الحكومة من بعض هذه المشاريع الاستراتيجية. ورغم أن الحكومة تؤكد أن هذه المشاريع تمت وفق المساطر القانونية المعمول بها، فإن منتقدين يرون أن مجرد وجود هذا التداخل بين النفوذ الاقتصادي والقرار السياسي يكفي لإضعاف الثقة في شفافية تدبير الصفقات العمومية. وفي بلد يسعى إلى ترسيخ قواعد الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن مثل هذه الملفات تظل كفيلة بإثارة نقاش واسع حول ضرورة الفصل الواضح بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية. و لم تقتصر الأزمات على الجانب الاقتصادي، بل امتدت أيضاً إلى عدد من القطاعات المهنية. ومن أبرز هذه الأزمات إضراب المحامين الذي شهدته المحاكم المغربية احتجاجا على تعديلات قانونية وضريبية اعتبرتها الهيئات المهنية مجحفة. وقد أدى هذا الإضراب إلى تعطيل عدد كبير من الجلسات القضائية وتأجيل آلاف الملفات، مما انعكس مباشرة على مصالح المتقاضين. وكشف هذا الوضع عن خلل في تدبير الحوار بين الحكومة والهيئات المهنية، حيث اعتبر المحامون أن الإصلاحات التي مست مهنتهم لم تجر بشأنها مشاورات كافية. و في السنوات الأخيرة برز فاعل جديد في المشهد الاحتجاجي المغربي: جيل Z، أي الشباب الذين نشأوا في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. هذا الجيل لم يعد يعتمد على النقابات أو الأحزاب للتعبير عن مطالبه، بل يستخدم منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" للتعبئة والتأثير في الرأي العام. وقد شهدت هذه المنصات موجات من الغضب الشعبي المرتبط بتدني مستوى الخدمات الصحية وارتفاع الأسعار والبطالة وصعوبة الولوج إلى فرص العمل. إن بروز هذا الشكل الجديد من الاحتجاج يعكس تحولا عميقا في المجتمع المغربي، ويضع الحكومة أمام تحد جديد يتمثل في كيفية مخاطبة جيل شاب سريع التأثر بالأزمات الاقتصادية وأقل ثقة في المؤسسات التقليدية. وغير بعيد عن الملفات الحساسة في النقاش العمومي برزت إلى السطح أزمة القطيع الوطني التي أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار الأضاحي. فقد أدى توالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف إلى تراجع أعداد الماشية، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الأغنام في الأسواق. وفي كثير من الحالات تجاوز ثمن الأضحية 4000 درهم، وهو مبلغ يفوق قدرة عدد كبير من الأسر المغربية. ويرى منتقدون أن هذه الأزمة ليست فقط نتيجة الظروف المناخية، بل أيضا نتيجة سياسات فلاحية لم تنجح في حماية القطيع الوطني أو دعم صغار المربين بشكل كاف، وهو ما جعل كثيرا من الأسر تشعر بأن أداء شعيرة عيد الأضحى أصبح عبئا ماليا ثقيلا . ويرتقب أن يشهد سوق المواشي لهذه السنة نفس موجة الغلاء التي قهرت القدرة الشرائية للمواطنين ، تحت مسوغات من قبيل غلاء ثمن الأعلاف ، وكذلك في غياب مراقبة صارمة لهذه الأسواق . ومن جانب آخر فعلى المستوى الاقتصادي، ما تزال البطالة تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة.إذ لا زالت نسبتها مرتفعة بالمقارنة مع السنوات الفارطة 13٪ . فالشباب المغربي، خصوصا حاملي الشهادات، ما يزال يواجه صعوبات كبيرة في الولوج إلى سوق الشغل. ورغم إطلاق برامج لدعم الاستثمار والتشغيل، فإن الاقتصاد المغربي لم يحقق بعد التحول الهيكلي الذي يسمح بخلق فرص شغل واسعة ومستدامة. ويؤكد خبراء الاقتصاد أن تحقيق هذا الهدف يتطلب إصلاحات أعمق في بنية الاقتصاد، خاصة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. إلى جانب هذه الأزمات، يلاحظ كثير من المتابعين ضعفا في التواصل الحكومي مع الرأي العام. ففي لحظات الأزمات الكبرى، كان المواطن ينتظر خطابا سياسيا واضحا يشرح السياسات الحكومية ويطمئن الناس. غير أن هذا التواصل ظل محدودا ومتقطعا، مما فتح المجال واسعا للشائعات والتأويلات، وعمق فجوة الثقة بين الحكومة والمجتمع. لا شك أن الحكومة أطلقت مبادرات اجتماعية مثل تعميم التغطية الصحية وبرنامج الدعم الاجتماعي المباشر. غير أن التقييم الحقيقي لأي تجربة حكومية يبقى مرتبطا بمدى انعكاس السياسات على حياة المواطنين. واليوم، وبعد سنوات من توليها المسؤولية، تبدو حكومة أخنوش أضعف حكومة تسجل في الذاكرة السياسية للمغاربة كتجربة رفعت سقف الوعود عاليا، لكنها اصطدمت بواقع اجتماعي أكثر تعقيدا مما توقعت. وفي النهاية، يبقى الحكم الحقيقي بيد المواطن المغربي، الذي لا يقيس السياسات بالشعارات، بل بمدى انعكاسها على حياته اليومية وكرامته الاجتماعية.