نشرت صحيفة لوموندLe Monde الفرنسية مقالا بعنوان متهافت: "في المغرب، أجواء نهاية عهد محمد السادس"، قُدمت فيه صورة متحيزة عن الواقع المغربي، زاعمة وجود ارتباك داخلي بسبب الحالة الصحية للملك وتزايد ظهور ولي العهد في مناسبات رسمية، ومضيفة تكهنات عن صراعات نفوذ داخل مؤسسات الدولة؛ غير أن هذا الطرح لم يُبنَ على معطيات موثوقة أو قراءة متوازنة، بل صيغ بلغة تقريرية أقرب إلى إصدار الأحكام المسبقة منها إلى التحليل الصحفي الرصين والمهني. وما يزيد هذا الطرح هشاشة أن الوضع الصحي لجلالة الملك ليس سرّا؛ بل ظل موضوع تواصل رسمي منتظم يعزز الصلة بين الملك وشعبه ويؤكد منسوب الثقة المتبادلة. ثم إن المرض في حد ذاته حالة إنسانية طبيعية وظرفية لا يَسلم منها أحد، ولا يمكن اختزاله في خطاب يراد به التشكيك في الاستقرار السياسي أو في استمرارية المؤسسات. إن ما كان أجدر بالصحافة أن تفعله هو التعامل مع هذه المعطيات بروح مهنية متوازنة، بعيدا عن تضخيم الحدث أو توظيفه في صناعة سرديات مغرضة. ولأن الصحافة المهنية، في جوهرها، تقوم على مبادئ الاستقلالية والالتزام الصارم بالتحقق من المعطيات، فإن أي انزياح عن هذه القواعد من قبل جريدة كبرى مثل لوموند يعرضها لفقدان جزء معتبر من رصيدها الرمزي كمؤسسة إعلامية مرجعية. وقد بينت الانتقادات الموجهة للجريدة أن بعض مقالاتها تجاوزت وظيفة الصحافة بوصفها سلطة تنويرية، إلى إنتاج خطاب يوحي باستنتاجات مسبقة، ويضخم بعض الأحداث على نحو يفتقر للتوازن؛ فالمقال موضوع الانتقاد لم يقتصر على عرض معطيات قابلة للنقاش أو صياغة أسئلة مفتوحة، بل قدم صورة مشحونة برؤية أحادية توحي بوجود فراغ سياسي أو أزمة بنيوية، وهو ما عُدّ إخلالا بحق القارئ في الحصول على تغطية دقيقة ومتوازنة. إن هذا النوع من المعالجة يطرح إشكالية جوهرية حول قدرة الصحافة المرجعية على الحفاظ على مسافة نقدية متوازنة، والوفاء بوظيفتها الأساسية القائمة على تقديم الحقيقة كاملة، في إطار من الموضوعية والمنهجية الصحافية. ولا يمكن النظر إلى هذا الانزياح بمعزل عن طبيعة الخط التحريري للجريدة نفسها، الذي كان محل جدل حتى من داخلها؛ فقد كشف صحافيون بارزون عملوا سابقا فيها، مثل آلان رولا (Alain Rollat) ودانيال شنايدرمان (Daniel Schneidermann)، عن محدودية استقلاليتها التحريرية بفعل تأثيرات دوائر المال وضغوط سياسية غير معلنة تؤثر في خيارات التغطية. وإذا وضع هذا المعطى في سياق المقال الأخير، يتضح أن الأمر لا يقتصر على قراءة صحافية للوضع المغربي؛ بل يثير شبهة توظيف الإعلام في تكريس سرديات معينة. فحين تختار الجريدة التركيز على صحة الملك أو الحديث عن صراعات داخلية دون تقديم سند وقائعي صلب، فإنها لا تمارس النقد التحليلي وفق القواعد المهنية، بقدر ما تعيد إنتاج ذلك النمط الذي أشار إليه زملاؤها السابقون: خضوع التغطية لاعتبارات سياسية واقتصادية قد تؤثر في صياغة الصورة المقدمة عن المغرب. ومن هنا، يتضح أن استهداف المغرب ليس عفويا ولا قائما على مجرد اختلاف في التقدير الصحافي. فالمغرب ليس مجرد دولة تبحث عن الاعتراف الدولي، بل هو كيان سياسي وتاريخي عريق اختار منذ عقود مسارا ثابتا يقوم على الوحدة الترابية والاستقرار السياسي والتنمية التدريجية. إن محاولة المس بموقع المؤسسة الملكية ورمزيتها العميقة والعريقة لا تقرأ إلا في إطار مساع تهدف إلى النيل من ثوابت وطنية راسخة. وقد تجاهل المقال هذه الحقائق الجوهرية؛ وفي مقدمتها أن علاقة المغاربة بملكهم ليست مجرد علاقة سياسية عابرة، بل هي امتداد لعمق تاريخي وثقافي يجعل المؤسسة الملكية محور التماسك الوطني وضمانة الاستمرار. إن تعامل المقال مع المغرب وكأنه ساحة مفتوحة للتجاذبات الخارجية يتجاهل أن الثوابت الوطنية ليست قابلة للمساومة ولا للتأويل المصلحي؛ بل هي أساس التعاقد السياسي والاجتماعي الذي يحفظ للبلاد استقرارها منذ قرون، حيث شكلت المؤسسة الملكية عبر العصور الركيزة المركزية لهذا الاستقرار وضمان استمراريته. وفي مقابل ذلك، يبرز وعي القارئ المغربي كعنصر حاسم في التصدي لمثل هذه المحاولات؛ فالمغربي، اليوم، بفضل تعدد مصادر المعلومات وسعة الاطلاع، يمتلك أدوات نقدية تمكنه من التمييز بين الخبر المهني والتحليل الموجه وبين المقال الرصين والمادة المضللة. ولهذا، فإن محاولات بعض الأقلام الأجنبية في "صناعة رأي عام بديل" كثيرا ما تصطدم بهذا الوعي الوطني اليقظ، الذي لا يكتفي بتلقي الخطاب بل يضعه موضع مساءلة دائمة: من كتب؟ ولماذا؟ ولأي غرض؟ وإذا نظرنا إلى السياق الأوسع، فلا يمكن فصل ما نشرته الجريدة عن الدينامية الإقليمية والدولية؛ فالمغرب نجح، خلال السنوات الأخيرة، في تنويع شراكاته الاستراتيجية مع أوروبا وإفريقيا وآسيا، ولعب دورا محوريا في القضايا الأمنية بالمنطقة، خصوصا في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية. كما انخرط في مشاريع تنموية كبرى عززت حضوره الاقتصادي والدبلوماسي. هذه النجاحات لا تتلاقى مع مصالح بعض القوى الدولية التي تفضل استمرار التوتر في المنطقة لتوظيفه في حسابات جيوسياسية واقتصادية. ومن ثم، يصبح استهداف صورة المغرب في الإعلام الغربي إحدى أدوات الضغط والتشويش. وعليه، فإن ما نشرته "لوموند" يعكس انحرافا عن المعايير الصحافية الرصينة، ويكشف في الوقت ذاته عن تهافت سياسي وظّف الحالة الصحية للملك كمدخل لإنتاج خطاب إعلامي متحيز، بعيد عن مقتضيات المهنية الصحفية. ومع ذلك، فإن مثل هذه المحاولات، مهما بلغت حدتها، تظل قاصرة عن تقويض المسار المغربي القائم على السيادة الوطنية والإصلاح التدريجي والانفتاح المتوازن. والرد الحقيقي على هذه المقالات لا يقتصر على نقدها؛ بل يتمثل أساسا في مواصلة تعزيز النجاحات الوطنية وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، بما يجعل كل خطاب خارجي متحامل مجرد صدى عابر أمام واقع راسخ ومتجذر. أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاضي عياض، مراكش