قرر "سلام" هذه المرّة أن يزور السوق الأسبوعي لعاصمة إمارة سيكا عند الفجر. البارحة، في المقهى الملاصق لبيته، جرى بينه وبين صديقه "عبد العليم" حوار طويل حول تحولات الأسواق الأسبوعية، وكيف أصبحت سلوكيات الوافدين إليها مرآة صافية لقياس حرارة المجتمع ونبضه. حين بلغ السوق بعد أن قطع كيلومترات على قدميه، كانت العتمة ما تزال تكسو الأفق. جلس ليستريح على صخرة عند جذع شجرة هرِمة يتجاوز عمرها القرنين، وأطلق بصره في حركة القادمين، أفرادًا وجماعات، يتدافعون صوب البوابة. كانت عيناه تلتقطان التفاصيل، بينما ذهنه غارق في تأمل عميق في دلالات ما يرى. وفجأة دوّى صراخ حاد، اهتز له فضاء السوق: "لص! لص!" انتُزع سلام من شروده حين لمح شابًا قوي البنية يركض بجنون، وخلفه أصوات التجار والزوار تتعالى باللعنات. وبعد لحظات لحق به أربعة شبان أكثر قوة ونشاطًا، يركضون بأرجل مرفوعة كأنهم في سباق، يصرخون: "قف أيها اللص الملعون!" اقترب سلام من أول خيمة نُصبت بعد بوابة السوق، وكان صاحبها شيخًا يبيع أقمشة بيضاء، فسأله: "السلام عليك، ما الذي حدث؟" رد التاجر دون تردد، وعلى ملامحه مرارة السنين: "انتشرت السرقة هنا منذ ثلاث سنوات، يا سيدي الفاضل. كان سوقنا مضرب المثل في الأمان، ثم تغيّر كل شيء. هذا اللص اختطف محفظة فلاح لحظة قبض ثمن بيعه لأجود ثور لجزار كبير في العاصمة." عاد سلام إلى مكانه مضطربًا. اجتاحه حزن غامض وسهاد ثقيل. تذكّر حديث البارحة مع عبد العليم، واستحضر في ذهنه شذرات من أقوال الفلاسفة في الشخص والهوية والغير، وفي الحرية والاضطرار، وفي جدوى القيم حين تنكسر الموازين. وبعد نصف ساعة عاد الشبان الأربعة. كانوا يبتسمون كأنهم أحرزوا نصرًا أخلاقيًا. نهض سلام متفائلًا، فبادرهم: "أمسكتموه؟" مر ثلاثة منهم أمامه بضحكات غامضة. أما الرابع فتوقف قليلًا، نظر في عيني سلام طويلًا، كأنه يعرفه ويقدّر مكانته، ثم اقترب وهمس في أذنه اليمنى سرا وطلب منه أن لا يفشيه لأحد: "أمسكناه يا عمي سلام... لكنه مكّننا من نصيبنا." شعر سلام بارتجاف يديه، فشدّ على جذع الشجرة الهَرِمة وهمس لنفسه بمرارة: "انتهى الكلام..."