على الملاعب الإفريقية، وكما هو الحال في المغرب، الذي يستضيف حاليا نهائيات كأس إفريقيا للأمم، تتجاوز كرة القدم حدود المستطيل الأخضر، فهي ليست مجرد خطط تكتيكية ترسم أو أهداف تسجل أو انتصارات وألقاب تحقق، بل هي طقس احتفالي كامل ومتكامل. وعلى مر السنين أبدعت منتخبات إفريقية عديدة في تحويل لحظات الظهور في الملاعب والاحتفال بالانتصارات إلى تعبيرات ثقافية أصيلة، عبر رقصات باتت جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية، وعنوانا للفخر والهوية والانتماء. الماكوسا.. عندما تعرف العالم على الرقص الإفريقي في مونديال 1990 يستحيل الحديث عن الرقصات الإفريقية دون الرجوع إلى الكاميرون، ففي تسعينيات القرن الماضي أسهمت "الأسود غير المروضة" في التعريف برقصة الماكوسا، التي سرعان ما تحولت إلى رمز للانتصار. وخلد روجيه ميلا، النجم التاريخي للمنتخب الكاميروني وأحد أبرز معشوقي الجماهير الإفريقية، هذه الرقصة في الذاكرة الكروية الجماعية، عندما أبهر العالم في كأس العالم 1990 بإيطاليا، وهو في سن الثامنة والثلاثين، برقصة شهيرة قرب راية الزاوية عقب تسجيله الأهداف، لتدخل بذلك الرقصة الكاميرونية تاريخ كرة القدم العالمية من أوسع أبوابه. الزانغاليوا.. بين الفولكلور واللحمة في الكاميرون دائما برزت رقصة الزانغاليوا كأحد أبرز التعبيرات الجماعية المرتبطة بكرة القدم، إذ تؤدى في الغالب عقب انتصارات المنتخب الوطني في منافسات كأس إفريقيا للأمم. ولا تقتصر هذه الرقصة على كونها لحظة احتفال، بل تختزل روح الانسجام داخل المجموعة، وتعكس فرحا جماعيا يتقاسمه اللاعبون والجماهير، لتتحول بفضلها كل لحظة انتصار وكل هدف مسجل إلى مشهد احتفالي. غرب إفريقيا.. طاقة الرقصات القبلية في نيجيريا وغانا وكوت ديفوار تستلهم الاحتفالات الكروية عمقها من الرقصات التقليدية. خطوات منسجمة، وحركات الأكتاف والرقص بالأرجل، ترافق الأهداف المسجلة للمنتخبات. تستحضر هذه الرقصات الطقوس الاحتفالية الضاربة في عمق التاريخ، معززة الصلة بين كرة القدم الحديثة والإرث الثقافي لقارة تتطلع إلى المستقبل دون أن تنسى ماضيها. إفريقيا الجنوبية وقوة الجماعة في بلدان الجنوب الإفريقي، مثل زامبيا وزيمبابوي وجنوب إفريقيا، تأخذ رقصات الفرق طابعا جماعيا، غالبا على شكل دائرة تبرز وحدة الصف، كما تجسد قيم التضامن والانتماء، التي تشكل ركائز أساسية في المجتمعات المحلية؛ حيث ينصهر كل لاعب داخل المجموعة، ويغدو من خلال هذه الطقوس، مخرجا وممثلا في آن واحد، في احتفاء جماعي يكرم الفريق ككل، ويعلي من شأن الجماعة على حساب الفردانية. شمال إفريقيا.. رمزية الهدوء واتزان الفرح أما في بلدان شمال إفريقيا فالعرض الاحتفالي هو أكثر هدوءا وأقل استعراضا، لكنه، رغم بساطته، يحمل في طياته أبعادا عميقة، وإيماءات مختصرة أو تحركات جماعية محسوبة تعبر عن فرح متزن، يعكس ثقافة تفضل التعبير الرصين، وتضع الاحترام وروح المنافسة في صميم الاحتفال.