منذ بداية الزوال، تتشكل طوابير من المواطنين عند منبع "عين النخلة" بغابة الرميلات غرب مدينة طنجة. ويحمل رجال قنينات بلاستيكية وتملأ نساء دلاء معدنية، في مشهد يومي يعكس إقبالا متزايدا على مياه المنابع الطبيعية، وهو توافد يبلغ ذروته مع حلول شهر رمضان. ولا تقتصر هذه الحركة الدؤوبة على عين النخلة، بل تشهد منابع أخرى مثل "عين الرميلات" و"عين الطابا" و"عين سيدي ماعطا الله" قرب جبل سبارطيل تدفقا مماثلا. وتعد الاستعانة بمياه العيون الجوفية للشرب عادة متجذرة لدى ساكنة المدينة، تكتسب زخما إضافيا خلال فترة الصيام لاعتبارات صحية واجتماعية. يقول عبد القادر (40 عاما)، وهو موظف اعتاد التردد على المنبع: "مياه العيون أخف على المعدة، خصوصا في رمضان". من جهته، يعتبر شاب كان يملأ قنيناته بعين الرميلات أن الرحلة إلى المنبع تشكل "فسحة رمضانية"، مضيفا أن "الساكنة تخرج لتغيير الأجواء". ويتزامن هذا الإقبال المعتاد هذا العام مع سياق هيدرولوجي استثنائي. فقد سجلت جهة طنجة-تطوان-الحسيمة تساقطات مطرية بلغت نحو 560 ملمترا منذ بداية الموسم الفلاحي حتى أواخر يناير، بزيادة تناهز 261 في المئة مقارنة بالموسم الماضي. وفي عمالة طنجة-أصيلة، تجاوزت التساقطات حاجز 1000 ملم، ما رفع نسبة ملء سدود وكالة حوض اللوكوس إلى أكثر من 94 في المئة منتصف شباط/فبراير. وفي خضم هذا التوافد الملحوظ، يدعو المتخصصون إلى مقاربة يقظة تروم الحفاظ على الصحة العامة. ويوضح الخبير في البيئة والتنمية أحمد الطلحي أن العيون "تعد من مصادر المياه الجوفية المنبثقة من الفرشة المائية، وتتسم غالبا بجودة عالية لا تتطلب معالجة مسبقة"، مشيرا إلى وقعها الإيجابي على صحة المستهلكين. لكنه يحذر في الوقت ذاته من تعرض بعض المنابع لتدهور جودتها جراء "تسرب المياه العادمة أو المبيدات الفلاحية إلى الفرشة المائية، فضلا عن تركز مواد طبيعية كالحديد والمنغنيز بنسب مرتفعة". ولتفادي أي مخاطر، تجري المصالح التابعة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية وأقسام حفظ الصحة بالجماعات الترابية مراقبة دورية لمياه العيون والآبار. ويدعو الخبراء المواطنين إلى التأكد من خضوع المنابع للمراقبة الرسمية قبل استهلاك مياهها. وتزخر طنجة بعيون كثيرة داخل المدار الحضري وفي ضواحيه، مما يشكل تراثا طبيعيا يقتضي "الحفظ والتثمين"، بحسب الطلحي. ويستحضر الخبير نموذج "عين سيدي ميمون" بالمدينة العتيقة، التي تلوثت بمياه الصرف الصحي. ويوضح أنه يتم حاليا تجميع مياهها في خزان تحت أرضي لإعادة ضخها عبر شبكة مخصصة لسقي المساحات الخضراء بمحيط "مارينا طنجة"، معتبرا إياه "استثمارا عقلانيا لمورد مائي كان يهدر في البحر". وبين الاعتقاد بفوائد المياه الجوفية وجهود المراقبة الصحية، تظل زيارة منابع طنجة طقسا تتداخل فيه الأبعاد الاجتماعية والبيئية، يحافظ على استمراريته وتدفقه في يوميات المدينة.