وزارة الداخلية: إجهاض 73.640 محاولة هجرة غير شرعية سنة 2025    كيف تدار الحروب؟ والاختراق الصهيوني لمنظومة الوعي العربي..    وزارة الانتقال الطاقي: 11 شاطئا ملوثا غير صالحة للسباحة بجهة طنجة    العنف المجتمعي.. أو حينما يتوهم العاحزون القوة    نقابة أطباء الأسنان بطنجة تطلق نظام للمداومة لتعزيز الولوج للخدمات الصحية    الزفزافي يقرر اجتياز الامتحانات الجامعية ويتشبث بحقه في التقاضي العادل    حسن نجمي ضيف اليوم العالمي للشعر في ثانوية جان جوريس    الانخفاض ينهي تداولات بورصة الدار البيضاء    المنتخب الوطني لكرة السلة على الكراسي المتحركة يتوج ببطولة إفريقيا    أخبار الساحة    وزارة العدل تنبه من موقع إلكتروني مزيف لأداء غرامات مخالفات السير ينتحل صفة الخدمة الرسمية التابعة للوزارة    نور الدين: تشكيلة مجلس الأمن الحالية "فرصة تاريخية" لإنهاء حقبة المينورسو    مجلس الأمن يرجئ التصويت على نص يجيز استخدام القوة لتأمين مضيق هرمز    كأس العالم 2026.. غاتوزو يستقيل من تدريب منتخب إيطاليا    استئنافية مراكش تدين أستاذا بجامعة "ابن زهر" ب4 سنوات حبسا نافذا في ملف "بيع الماستر"    تنسيقية تنشد دعم متضرري شفشاون    الجيش الملكي والوداد يضغطان بقوة .. صراع المقدمة والقاع يشتد في مؤجلات الدوري الاحترافي    حفل تقديم وتوقيع المنجز الرحلي:" أيام في الأندلس" للكاتب أحمد الدحرشي برحاب المكتبة الوسائطية عبد الصمد الكنفاوي بالعرائش    بمناسبة اليوم العالمي لداء السل .. أرقام مقلقة في جهة الرباط سلا القنيطرة    القضاء يجيز انعقاد الملتقى السنوي لمسلمي فرنسا بعد حظره من الشرطة    البنتاغون يؤكد تنحي رئيس أركان الجيش الأميركي بناء على طلب هيغسيث    حديقة كوكنهوف.. أو حينما يتحول فصل الربيع إلى لوحة ألوان في قلب هولندا    إيران.. وكالة "تسنيم" تتحدث عن احتمالية أسر طيار أمريكي بعد إسقاط مقاتلته    فيديو إيراني يوثق إسقاط طائرة أمريكية        ترامب: نحتاج وقتاً إضافياً لفتح هرمز    بنصبيح لم يتوصل بقرار تزكية أحنين وينتظر اجتماعا مع رؤساء الجماعات بتطوان    توقعات أحوال الطقس ليوم غد السبت    بوريطة يكشف إجراءات دعم المغاربة العالقين بدول الخليج    التجارة خارجية.. انخفاض الرقم الاستدلالي للقيم المتوسطة للواردات ب 4,6 في المئة وارتفاع الرقم الاستدلالي للصادرات ب 1,4 في المئة خلال الفصل الرابع من 2025    اتفاق بين وزارة التعليم العالي والنقابة الوطنية للتعليم العالي على تسوية ملفات الأساتذة الباحثين وتسريع الإصلاحات    الصحراء المغربية.. المملكة المتحدة تجدد دعمها لمخطط الحكم الذاتي    بنسعيد: ورش تفعيل مستحقات النسخ التصويري خطوة مهمة لدعم الصحافة الورقية    المحروقات تضغط على نقل المستخدمين    الخطوط الملكية المغربية تلغي رحلاتها من وإلى دبي والدوحة بسبب الاوضاع الإقليمية        حمزة فرجي: مؤتمر العلوم الحرارية منصة عالمية لمواكبة التطورات التكنولوجية وإرساء بحث علمي مستدام        والد لامين يامال يدين الهتافات المسيئة للجماهير الإسبانية أثناء ودية مصر    لقاء بسلا يجمع مسؤولين مغاربة وفرنسيين لتنسيق مشاريع مونديال 2030    "الوينرز" تعلن مقاطعة مباراة الوداد والفتح    شاب يفجر عبوات ناسفة بقطار سريع في ألمانيا    أنفوغرافيك | ارتفاع القروض البنكية بالمغرب بنسبة 8.3% لتصل إلى 1224.6 مليار درهم    "الفاو": أسعار الغذاء العالمية واصلت الارتفاع في مارس    ندوة «التصوف والمقاومة الشعبية كيمياء الحياة في أسمى لحظاتها» بأولاد سعيد    افتتاح معرض فني جماعي يحتفى بالتراث برواق باب الكبير    عرض مسرحي بالرباط يحتفي بالفكر والإرث الإنساني للراحلة فاطمة المرنيسي    متحور "سيكادا" يعود للواجهة.. الطيب حمضي يوضح: سريع الانتشار وليس أكثر خطورة    تقليعة المرافعات في كليات الحقوق: بين بريق الاستعراض ومنطق التسليع    معرض مغربي بواشنطن يحتفي بالإبداع والهوية    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    دراسة: زيادات بسيطة في النوم والنشاط البدني تقلل مخاطر أمراض القلب        دراسة حديثة: العمر البيولوجي مفتاح صحة الدماغ وتقليل خطر السكتة    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لماذا صمت مثقفو المغرب؟
نشر في هسبريس يوم 17 - 01 - 2026

ليس الصمت، في ذاته، موقفًا سلبيًا بالضرورة، فقد يكون أحيانًا تعبيرًا عن التأمل أو الحكمة أو انتظار اللحظة المناسبة. لكن حين يتحول الصمت إلى حالة عامة، ويصبح سمة الغالبية داخل فئة يُفترض فيها إنتاج المعنى ومساءلة الواقع، فإن الأمر يتجاوز الاختيار الفردي ليغدو ظاهرة تستحق التفكيك. من هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح مؤلم: لماذا صمت مثقفو المغرب؟ وكيف تراجع دورهم في المجتمع والسياسة إلى هذا الحد، في لحظة تاريخية يشتد فيها الحاجة إلى الفكر أكثر من أي وقت مضى؟
لقد كان المثقف المغربي، في مراحل متعددة من تاريخ البلاد، فاعلًا مركزيًا في تشكيل الوعي الجماعي، ومساهمًا في النقاش العمومي، وخصمًا عنيدًا للبداهات السائدة. لم يكن دائمًا منتصرًا، لكنه كان حاضرًا، مزعجًا، مشاكسًا، يُربك السلطة، ويُحرج المجتمع، ويُذكّر الجميع بأن السياسة دون فكر تتحول إلى تدبير أعمى. غير أن هذا الدور أخذ في التآكل تدريجيًا، لا بفعل القمع المباشر وحده، بل بفعل تحولات أعمق وأخطر، مست بنية السياسة، ووظيفة الثقافة، وموقع المثقف نفسه.
أول هذه التحولات يتمثل في تغيّر طبيعة الفعل السياسي. فالسياسة، كما تُمارَس اليوم، لم تعد في حاجة إلى الأفكار بقدر حاجتها إلى التقنيات، وإلى إدارة التوازنات بدل صياغة المشاريع. لم تعد تسأل "لماذا" بقدر ما تنشغل ب"كيف"، ولم تعد ترى في الفكر قوة اقتراح، بل مصدر إزعاج. في هذا السياق، يصبح المثقف كائنًا فائضًا عن الحاجة: لا يُقمع بالضرورة، بل يُترك خارج اللعبة، يتكلم دون صدى، وينتقد دون أثر. وهكذا، يتحول الصمت إلى نتيجة طبيعية للإحساس باللاجدوى.
لكن التهميش لم يكن الشكل الوحيد لإبعاد المثقف، بل برزت صيغة أكثر نعومة وفاعلية: الاستيعاب. فقد جرى إدماج بعض المثقفين داخل مؤسسات الدولة، أو الإعلام، أو دوائر القرار، لا بوصفهم ضمائر نقدية، بل باعتبارهم خبراء وتقنيين ومحللين. هذا التحول من "مثقف نقدي" إلى "مثقف خبير" ليس بريئًا، لأنه ينزع عن الفكر طابعه الإزعاجي، ويحوّله إلى أداة شرح وتبرير بدل التفكيك والمساءلة. ومع الوقت، يتعوّد المثقف على هذا الدور الجديد، ويُقنع نفسه بأن الواقعية تقتضي الصمت عن الأسئلة الكبرى.
في المقابل، يتحمل المثقف نفسه جزءًا لا يُستهان به من المسؤولية. فقد اختار كثيرون الانسحاب الطوعي، والاحتماء بالمجال الأكاديمي أو الثقافي الضيق، حيث تُنتج المعرفة من أجل الترقية أو الاعتراف المؤسساتي، لا من أجل التأثير الاجتماعي. الجامعة، التي كان يُفترض أن تكون مصنع النقد، تحولت في حالات كثيرة إلى فضاء بيروقراطي، يُكافئ الامتثال أكثر مما يكافئ الجرأة، ويُنتج خطابًا موجهًا للنخب لا للمجتمع. ومع هذا الانفصال، فقد المثقف تدريجيًا قدرته على مخاطبة الناس، وعلى ترجمة الأفكار إلى لغة مفهومة ومؤثرة.
كما لا يمكن إغفال أثر التحولات الإعلامية والرقمية. ففي زمن السرعة، تراجعت قيمة الفكرة العميقة لصالح الرأي السريع، والجدل السطحي، والخطاب الانفعالي. لم يعد المثقف يحتل موقعًا مركزيًا في تشكيل الرأي العام، بل صار ينافس مؤثرين بلا معرفة، وخطابات بلا عمق. هذا الواقع دفع بعض المثقفين إلى العزلة، وكرّس لدى آخرين قناعة خاطئة مفادها أن المجتمع لم يعد بحاجة إلى الفكر، وأن الصمت أرحم من الصراخ في فضاء لا يصغي.
غير أن أخطر ما في هذا الصمت ليس أسبابه، بل نتائجه. فحين يغيب المثقف، لا يبقى الفراغ فارغًا، بل تملؤه خطابات التبسيط، والشعبوية، واليقينيات الجاهزة. يغيب السؤال، وتحل مكانه الإجابة السهلة. يغيب النقد، فيسود التبرير. ويُترك المواطن وحيدًا أمام واقع معقد، بلا أدوات للفهم أو للمساءلة. عندها، تصبح السياسة أكثر فقرًا، والمجتمع أكثر هشاشة، والديمقراطية أكثر شكلية.
إن السؤال "لماذا صمت مثقفو المغرب؟" لا ينبغي أن يُفهم كاتهام أخلاقي، بل كدعوة إلى مراجعة جماعية. فالمثقف ليس نبيًا ولا بطلًا، لكنه حامل لمسؤولية تاريخية: مسؤولية إنتاج المعنى، وكشف التناقضات، ورفض التطبيع مع الرداءة. والاستيقاظ هنا لا يعني الصراخ أو الخطابة، بل استعادة الوظيفة النقدية للفكر، والنزول بالأفكار من الأبراج إلى الواقع، والانخراط في النقاش العمومي دون خوف أو تواطؤ.
فالكلام، مهما بدا ضعيفًا، يظل أقل خطورة من الصمت حين يصبح هذا الأخير تخلّيًا عن الدور. والتاريخ، وإن كان قاسيًا، لا يحاسب المثقفين على أخطائهم بقدر ما يحاسبهم على صمتهم الطويل. لذلك، فإن استعادة صوت المثقف المغربي ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا من شروط استعادة المعنى في السياسة، والكرامة في المجتمع، والأمل في المستقبل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.