كنتُ من بين الصحفيين الذين حالفهم الحظ بالحصول على اعتماد الاتحاد الإفريقي لكرة القدم لمواكبة بطولة كأس أمم إفريقيا المنظمة في المغرب، وهو اعتماد يتيح لحامله حرية اختيار المباريات التي يرغب في متابعتها، شريطة موافقة اللجنة المنظمة. غير أن في بعض الأحيان، قوبلت طلباتي لحضور عدد من المباريات بالرفض، إذ كانت تمنح الأولوية غالبا لوسائل الإعلام القادمة من البلدين اللذين تجمعهما المباراة. وبعيدا عن هذا التفصيل، فقد شهدت هذه الدورة، التي نظمها المغرب، حضورا إعلاميا قياسيا واهتمامًا عالميا غير مسبوق بالبطولة القارية. ومن بين المواقف التي جسّدت هذا الزخم الإعلامي، مشهد ظل راسخًا في ذاكرتي بقوة. فبعد نهاية المباراة النهائية التي جمعت منتخبنا الوطني بالمنتخب السنغالي، وبينما كنت أهمّ بمغادرة الملعب عبر الممر المخصص للصحفيين، صادفت أربعة صحفيين، أمام كل واحد منهم كاميرا ومصور، لكن جميعهم يعملون ضمن مجموعة إعلامية واحدة « France 24 ». كان أحدهم يروي القصة بالفرنسية، والثاني بالإنجليزية، والثالث نقل الحدث بالإسبانية بينما الرابع لم أركز مع اللغة التي كان يتحدث بها. مشهد منظم بدقة: سطر واحد، إيقاع واحد، وخطاب متعدد اللغات، يلخص باحترافية كيف يشتغل الإعلام الدولي حين يجذب البلد المنظم الاهتمام العالمي. لا أخفي أن الغصة كانت كبيرة بعد النهاية التراجيدية لهذه البطولة، لكن ذلك المشهد ظل يفرض نفسه بإلحاح، إلى أن قررت كتابة هذه السطور لتوثيق بعض ما عشته خلال هذه الدورة، بما لها وما عليها. غير أن الهدف الأهم لا يكمن في جرد الإيجابيات والسلبيات فقط، بل في التوقف عند الدروس المستخلصة، لأن تجاوز هذه المرحلة سيكون صعبا دون استيعابها، والعمل على بناء ذهنية جماعية لا ترى في الفشل نهاية، بل تعتبره محطة لتشييد منظومة متكاملة في مختلف القطاعات. في عالم اليوم، يُقال إن الأرقام لا تكذب، بل أصبحت مرادفًا للنجاح أو الفشل، إلى درجة بات يُقال معها إن الأرقام تتحدث. ووفق هذا المنطق، نجحت دورة المغرب في أن تصنع نجاحا حقيقيا، ليس فقط للبلد المنظم، بل للقارة الإفريقية بأكملها. فبحسب معطيات رسمية، قفزت إيرادات هذه الدورة بنسبة تقارب 90 في المئة مقارنة بالدورة السابقة، كما ارتفع عدد المستشهرين والرعاة من 17 إلى 23. إضافة إلى ذلك، نُظمت المباريات، في سابقة قارية، عبر تسعة ملاعب بست مدن، مع توفير فنادق مصنفة وملاعب تدريب لكل المنتخبات، ناهيك عن الاستقبال الشعبي الحار الذي حظيت به مختلف الجماهير الإفريقية. هذا النجاح التنظيمي واكبه تألق لافت للمنتخب المغربي. ورغم الأداء المحتشم في بعض المباريات، ظل المنتخب المغربي المرشح الأبرز للتتويج بالكأس، لتُضاف إلى الكأس التي فاز بها قبل نصف قرن. غير أن الأداء التكتيكي الضعيف في النهائي بعدما استنزفت طاقة اللاعبين خلال مباراة نيجيريا التي وصفت من طرف خبراء كرة القدم، بأنها أفضل مباراة في الكان، على الرغم من القتالية العالية للاعبين، إضافة إلى ما يمكن وصفه بالخبث الكروي الذي جسده بعض لاعبي المنتخب السنغالي وبعض جماهيره، أضاع فرصة ثمينة على إفريقيا لتقديم نفسها للعالم كقارة قادرة على الجمع بين التنظيم المحكم، والروح الرياضية، والأخوة بين الشعوب، والمشترك الإنساني الذي يفترض أن يوحد المنتخبات المشاركة. وبدل ذلك، خرج العالم بخلاصة تعزز، للأسف، السردية الغربية القديمة عن إفريقيا باعتبارها قارة لا تحسن إدارة نجاحها ولا استيعاب لحظاتها المفصلية. قد يبدو الأمر، في ظاهره، مجرد كرة قدم، أو كما يُقال في دارجتنا "جلدة منفوخة"، غير أن هذه الرياضة أضحت اليوم من أهم أدوات التأثير على المستوى العالمي، باعتبارها اللعبة الأكثر شعبية في العالم. والصورة التي قدمها بعض أفراد المنتخب السنغالي وجماهيره عن إفريقيا في هذه المحطة كانت، للأسف، صورة سلبية لا تخدم مستقبل قارة مقبلة على تحديات كبرى تمس استقرار الدول ومصالح الشعوب. اليوم، حُرم المغرب من التتويج بالكأس، وحُرم أيضًا من الاحتفال بتنظيم عالمي ناجح. فقد دخل هذه البطولة وهو يأمل أن تتحول إلى لحظة التقاء إفريقي في أقصى شمال غرب القارة، ونموذج ملهم يركز على الحاضر والمستقبل، وهو الانطباع الذي نقله عدد من المؤثرين الأفارقة والعرب الذين زاروا المغرب بهذه المناسبة. غير أن ما يجب فهمه اليوم هو أن هذه المحطة، مهما كانت قاسية، لا ينبغي أن تكون سببًا في عزل المغرب عن قارتِه أو في التراجع عن عمقه الإفريقي. بل على العكس، فهي فرصة حقيقية ليفهم الإعلام المغربي، كما المسؤولون، أن تقديم المغرب للعالم والدفاع عن صورته مسؤولية داخلية بالدرجة الأولى، ولا يمكن بأي حال من الأحوال انتظار أن يقوم بها الآخرون نيابة عنا. فالبلد الذي تُسخَّر ضده كل الآلة الدعائية، ويُستهدف عبر الشائعات والتضليل، لا يمكن مواجهته بالصمت، ولا بالتحفظ المفرط، ولا بالخجل الذي يمنع يمنعنا من نقل الحقيقة، ولا بالخوف الدائم من الوقوع في الخطأ. الرد الوحيد الممكن هو إعلام وطني مهني، حر، واثق من نفسه، مدعوم بتواصل مؤسساتي استباقي، يضع المعلومة الدقيقة في متناول الرأي العام قبل أن تُطلب، ويصنع السردية بدل الاكتفاء بردود الفعل. في السياق نفسه، لا يمكن إغفال محاولات بعض البلدان الجارة والمتنافسة مع المغرب توظيف مناخ المنافسة القارية لإعطاء صورة سلبية عنه، عبر ترويج اتهامات جاهزة وأخبار زائفة تستهدف التأثير في عاطفة الجمهور وشحن أجواء التنافس، في واقع إفريقي تكون فيه الأرضية مهيأة أحيانًا لتصديق نظريات المؤامرة. ويزداد خطر هذا السلوك حين يترك المجال للرواية المضادة، حتى وإن بدت نوايا أصحابها حسنة، إذ إن منطق وسائل التواصل الاجتماعي لا يرحم، وخوارزمياتها تكافئ الإثارة، بينما يجد بعض الإعلام غير المهني في الأخبار الزائفة مادة سهلة للترويج. ولعل أخطر مثال على ذلك، ما جرى تداوله من ادعاءات تزعم أن المغرب يتحكم في دواليب الاتحاد القاري ويشتري قرارات التحكيم، وهي رواية لم يتم تفنيدها في وقتها بالشكل الكافي. لاحقًا، وخلال ندوة صحفية، أوضح رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم أسباب اختيار المغرب لتنظيم عدد من البطولات القارية، مشيرًا إلى عزوف دول إفريقية عديدة عن تنظيم بعض التظاهرات، ومنها كأس أمم إفريقيا للسيدات، خوفًا من الخسائر المالية، في حين أعلن المغرب استعداده لتحمل المسؤولية والدعم. غير أن هذا التصريح، رغم وجاهة مضمونه، تُرك دون تأطير تواصلي يشرح خلفياته وسياقه، ما فتح الباب أمام تأويلات سلبية، ولم ينتبه الإعلام الوطني بما يكفي إلى خطورة ترك هذا الكلام عرضة للفهم المغلوط، وهو ما يبرز مرة أخرى أهمية اليقظة الإعلامية والدفاع الاستباقي عن صورة البلد. في وقتنا الحاضر لا يكفي أن تنجح في التنظيم أو في الميدان، بل يجب أن تكون مستعدًا للدفاع عن نجاحك بشراسة، وبالقدر نفسه من الاحتراف والوضوح، لأن من لا يروي قصته بنفسه، سيجد دائمًا من يرويها عنه... على طريقته.