لا شكّ أن خيبة الأمل الناتجة عن الخسارة في نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025 كان لها وقعها الطبيعي على الرأي العام المغربي. ومع ذلك، عندما نتجاوز تلك المشاعر الظرفية وننظر إلى النتائج الاجتماعية والاقتصادية الفعلية، فإن الصورة الكلية للحدث تظهر إيجابية إلى حد كبير. فدعونا نتفحص ذلك بالتفصيل. مجهود مالي عمومي كبير لكنه استراتيجي محسوب: يتمثل النموذج الاقتصادي لكأس الأمم الأفريقية في أن الدولة المضيفة تمول استضافة البطولة، بينما تحصل الاتحادية الأفريقية لكرة القدم (الكاف) على معظم العائدات التجارية القارية. في هذا الإطار، استدعت استضافة كأس الأمم الإفريقية 2025 تحمُّل تكاليف كبيرة من ميزانية الدولة المغربية. ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار هذه النفقات على أنها تكلفة معزولة أو ترف مجاني. فجزء كبير من الاستثمارات المنفذة هو ذو طابع هيكلي ودائم. يتعلق الأمر بتجديد وبناء ملاعب مخصصة لاستضافة المنافسات الرياضية الدورية، ولكن الأهم من ذلك هو تحديث وتنمية البنية التحتية الحضرية الأساسية من وسائل النقل والطرق والمساحات الخضراء والإنارة وغيرها من الخدمات العمومية، التي يستفيد منها السكان والزوار بشكل مستمر وعلى المدى الطويل. ومن المؤكد أن الاستثمارات المرتبطة بكأس الأمم الإفريقية 2025 لم تُشكِّل برنامجًا منحصرًا في ذاته، بل جاءت في إطار المشاريع الكبرى المهيكلة التي كان المغرب قد أطلقها منذ مدة. فقد أسهم هذا الحدث في تسريع وتيرة تنفيذ برامج تأهيل المحاور السككية، وتمديد شبكة القطار فائق السرعة، وتحديث وتوسعة الموانئ والمطارات، وتطوير وتقوية شبكات الطرق السيارة، وتعزيز منظومات النقل الحضري، ولا سيما الترامواي والحافلات ذات الخدمة عالية المستوى. كما شملت هذه الدينامية إعادة تأهيل المجالات الحضرية للمدن الكبرى، والاستثمارات الضخمة في قطاعات السياحة وإنتاج الطاقة وتعبئة الموارد المائية ومختلف التجهيزات العمومية المهيكلة. وقد صُمِّمت هذه البنى التحتية لتكون مستدامة وتخدم مصالح البلاد والعباد على المدى الطويل، وتندرج ضمن مسار استراتيجي أوسع يهدف إلى تعزيز الجاذبية السياحية والاستثمارية للمغرب والاستعداد لاستحقاقات كبرى، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030. الدور الاجتماعي المحوري للسَّيْل الاقتصادي (le ruissellement économique): يتمثل العنصر الجوهري في الحصيلة الإيجابية أساسًا في ما يمكن تسميته ب "السيل الاقتصادي"، والذي غالبًا ما لا يُلْقَى له بال على أهميته القصوى. ولتوضيح آليته بشكل أدق، يمكن الاستشهاد بمثال الاستثمار في تجديد ملعب مولاي عبد الله، المموَّل من ميزانية الدولة. فالأموال العمومية التي تُرصد لهذا المشروع لا تختفي بشكل سحري في خزائن مغلقة. بل يُعاد ضخُّها مباشرة في الاقتصاد الوطني عبر شركات مغربية تنشط في مجالات الأشغال العمومية والبناء والمقاولات والهندسة ومختلف مؤسسات المناولة والخدمات المرتبطة بها. وتتحول كل تلك النفقات في نهاية المطاف إلى أجور تُدفع لمختلف طبقات مواردها البشرية، من الأطر الإدارية العليا إلى فئة صغار العمّال، مرورًا بجميع المستويات بينهما. وتنتهي في جيوب أفراد وأرباب وربات الأسر الذين ينفقونها في متطلبات الحياة اليومية، من مثل السكن والتغذية والملبس والتأثيث والنقل والتعليم والصحة والعديد من المقتنيات والخدمات الأخرى. وهي أنشطة تولِّد بدورها مداخيل وأجورًا جديدة، بما يضمن استمرار دوران ذلك السيل الاقتصادي داخل المجتمع. فمَثَله في ذلك مثل الدورة الدموية في الجسد، التي تُغذي على الدوام كل أجزائه بمتطلبات بقائه على قيد الحياة. والقلب في الدورة الاقتصادية يتشكل من الاستثمار والاستهلاك، والذي بنبضه يضخ منهما ذلك السيل الاقتصادي في شرايين المجتمع. الآثار الاقتصادية العامة الفورية والملموسة: على الصعيد الوطني، أسفر تنظيم كأس الأمم الإفريقية 2025 عن آثار اقتصادية كبيرة، من زيادة في أعداد السياح وما ترتَّب عنها من تنشيط قوي لخدمات الفنادق والمطاعم والنقل، وتحفيز العديد من الأنشطة الاقتصادية المحلية، علاوة على الزيادة في خلق فرص شغل مؤقتة. كما استفاد المغرب من زيادة وضوح الرؤية الدولية، مما عزز صورته كبلد صاعد وآمن ومستقر وواعد، قادر ليس فقط على تنظيم أحداث كبرى بكفاءة مدهشة ومنقطعة النظير، ولكن أيضًا على جذب الاستثمارات الأجنبية. والبنية التحتية المُحدَّثة والصورة الإيجابية المعززة للبلد تولد فوائد مستدامة على المدى المتوسط والطويل، وتتجاوز بكثير الجدول الزمني الرياضي. رأس مال السمعة والصيت غير المسبوق: تأثير آخر، غالبًا ما لا يُلْقَى له بال، على الرغم من كونه بالغ الأهمية ويستحق أن يُسلَّط عليه الضوء، ومن حق المواطن المغربي أن يفتخر به وبحق. يتعلق الأمر بصورة المغرب في عيون وذهن آلاف الزوار الأفارقة والعرب والأوروبيين الذين حضروا كأس الأمم الإفريقية 2025. اكتشف الكثير منهم باندهاش وإعجاب بلدًا أكثر حداثة وتنظيمًا وتقدمًا مما كانوا يتصورون، بالمقارنة مع ما يعرفون عن بلدان من نفس المستوى بل حتى المتقدمة. وقد عبّروا عن هذا الانبهار على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما على منصة يوتيوب، حيث أظهرت شهاداتهم العفوية جودة وجمال البنى التحتية وسلاسة المواصلات ورقي التنظيم الحضري وفُرة الأمن ورفعة مستوى الخدمات العامة. مع العلم أن قيمة الشعوبِ في نظرِ بعضها البعض تُقاسُ بمدى تقدُّمِ وتطوُّرِ بلدانها. فالمغربي حيث ما وُجِدَ اليوم في العالم قد أصبح معروفًا ويحظى بالتقدير والاحترام بفضل الصورة البهية التي عُرف بها بلده المغرب من خلال هذه التظاهرة الرياضية الإفريقية. والجدير بالذكر هنا، أن هذا الانعكاس للصورة عبر مرآة تلك الشهادات أتاح للمغاربة، بل حتى لسكان الرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش وأكادير وفاس أنفسهم، اكتشاف الطريق الطويل من حيث التقدم الذي قطعته مدنهم والمغرب بصفة عامة، لكن من غير أن يُلْقُوا له بال بسبب "الإيلاف" والتعوُّد، ولا سيما مع اكتشاف الفجوة من حيث التقدم التي أصبحت ظاهرة للعيان بين بلدهم والعديد من البلدان المماثلة، بل مقارنتها حتى بالبلدان المتقدمة. هذا الأثر غير المادي والقوي شكَّل رأس مال الصيت والسمعة على الصعيد الدولي، وفيه مدعاة للفخر الجماعي بالانتماء للوطن وللثقة في مستقبله الواعد، والذي يتجاوز بكثير ذلك الشعور بالإحباط الناتج عن خسارة نهائي بطولة كأس الأمم الإفريقية. والجدير بالذكر أن انعكاس الصورة الذي تجلى من خلال مرآة تلك الشهادات والتجارب الأجنبية قد أتاح للمغاربة، بما في ذلك سكان الرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش وأكادير وفاس أنفسهم، إدراك حجم التقدم الذي حققته مدنهم وبلدهم بشكل عام. تقدم غالبًا ما يغيب عن الأذهان بسبب الإيلاف، فلا يُلْقَى له بال. كما أبرز لهم بوضوح الفجوة الحقيقية في مجال التنمية التي تفصل المغرب عن العديد من الدول المماثلة، بل وتقارنه أحيانًا بمستوى الدول المتقدمة. وهذا الأثر المعنوي القوي على الشعب المغربي من شأنه أن يعزِّز فيه مشاعرَ العزّة والفخر بالوطن، وأن يُذْكِي فيه الرغبة في خدمته بإخلاص والارتقاء بمكانته بين الأمم، تماماً كما يطمح لأن تحتل فرقه الرياضية الصدارة في البطولات القارية والعالمية. آثار نفسية تتجاوز بكثير آثار التظاهرات الرياضية الموسمية ونتائجها العابرة. تقييم اجتماعي-اقتصادي عقلاني يتجاوز خيبة الأمل الرياضية: على الصعيد الرياضي، تظل الهزيمة في النهائي مصدر شعور مفهوم ومشروع بالإحباط. لكن على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والاستراتيجي، يمثل تنظيم كأس الأمم الإفريقية 2025 بالمغرب نجاحًا منقطع النظير ومجمعًا عليه عالميًا ولا جدال فيه. لقد استثمرت فيه الدولة من ميزانيتها، لكن هذه النفقات قد رَوَتْ ودعمت النشاط الاقتصادي الوطني، وعززت ثقة الفاعلين الاقتصاديين المحليين والأجانب فيه، وأعدت الأرضية للمزيد من التنمية مستقبلاً على المدى المتوسط والطويل. في النهاية، وبالرغم من العبء المالي الذي تحملته الميزانية العامة وغياب التعويض المباشر من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، فقد أنتج تنظيم كأس الأمم الإفريقية 2025 قيمة مضافة هائلة اقتصاديًّا على الصعيدين المحلي والجهوي من جهة، والوطني من جهة ثانية، وذلك بفضل تدفق الاستثمارات والتأثير المضاعف والفوائد المستدامة بالنسبة للشعب المغربي. الحدث، بما يتجاوز النتيجة الرياضية، يستحق منا الشعور بالرضا الملموس والمشروع على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي. لذا، ومن هذا المنظور الشمولي، لا ينبغي أن تكون الهزيمة في النهائي هي الشجرة التي تخفي الغابة، ولا حبة الكرز المفقودة التي تنسينا حجم وجودة الكعكة نفسها. فالحدث كان اختبارًا ناجحًا ومشرِّفًا، ويحمل في طياته أسبابًا كافية للفخر والتفاؤل بالمستقبل إن شاء الله، بما يتجاوز بكثير النتيجة النهائية على أرض الملعب.