تساؤلات حول قرار المحكمة الدستورية عدد 255-25 بعدم دستورية تدبير وزارة العدل للنظام المعلوماتي ومسك قاعدة المعطيات يعتبر الفصل بين العمل الإداري والعمل القضائي جزءاً لا يتجزأ من إشكالية فصل السلط وتحديد وظائف الدولة التي شغلت الفقه والقضاء على حد سواء، وقد شكل إيجاد معيار فاصل بين ماهية القرار القضائي وطبيعة القرار الإداري هاجساً يقض مضجع الباحثين والمهتمين بالحقل القانوني والقضائي؛ نظراً لأن ضرورة هذا الفصل لا تنبع من الرغبة في إشباع ترف فكري، وإنما لأهمية وخطورة الآثار الناتجة عن التمييز المذكور، خاصة من حيث حجية هذه الأعمال وأوجه الطعن فيها، وكذا أسس المسؤولية عنها والتي تختلف اختلافاً جوهرياً بين كون القرار من الأعمال القضائية وبين إندراجه في خانة الأعمال الإدارية. وقد اشتغل الفقه والقضاء وحتى المشرع المغربي طويلاً على قضية تمييز الأعمال الصادرة عن الدولة ذات الطبيعة القضائية عن تصرفاتها ذات الطبيعة الإدارية، وذلك لتمييز الأعمال التي تقبل رقابة القضاء الإداري، وهو ما انعكس على تسيير المحاكم المغربية؛ إذ يقوم التنظيم القضائي للمملكة على تمييز المجال القضائي عن المجال الإداري والمالي داخل المحاكم، بحيث يكون الأول مشتركاً ومجال تعاون بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، أما الثاني فمحفوظ بمبدأ استقلال السلطة القضائية، وهو بذلك ليس مجالاً مشتركاً. وقد حاول المشرع ثم المحكمة الدستورية تمييز المجالين عن بعضهما في مجال الإدارة القضائية لتحديد صلاحيات واختصاصات كل جهة عن تلك، إلا أن هذا التوجه لم يمنع من وجود الكثير من اللبس حول الأنشطة التي تتم داخل المحاكم وخضوعها لسلطة ورقابة لهذه السلطة أم تلك، وما يعني ذلك من تداخل مهام المسؤولين القضائيين. وفي هذا الإطار جاءت قرارات المحكمة الدستورية لتحاول فك الارتباط بين ما هو قضائي وما هو إداري، بمناسبة بثها في العديد من القوانين التي أثارت جدلاً قانونياً ودستورياً، والتي كان على رأسها قانون التنظيم القضائي رقم 38.15، وخصوصاً النقطة المتعلقة بإحداث منصب الكاتب العام للمحكمة الذي يتولى مهام التسيير والتدبير الإداري بالمحكمة والإشراف على هيئة كتابة الضبط، يساعده في ذلك رؤساء مصالح كتابة الضبط بالمحكمة، ويعين من بين أطر كتابة الضبط. وهو الأمر الذي حسمت فيه المحكمة الدستورية في قرارها عدد 19/89 م.د. بتاريخ 08/02/2019، والذي جاء فيه: «بأن تخويل الكاتب العام للمحكمة أداء مهام كتابة الضبط المندرجة في الشأن القضائي، دون إخضاعه لسلطة ومراقبة المسؤول القضائي خلال مزاولته لتلك المهام، مخالف للدستور» ومسّ باستقلال السلطة القضائية. هذا القرار الذي أثار بعض الملاحظات التي أعقبت القرار، والتي ذهبت إلى القول إن قرار المحكمة الدستورية في هذا الشأن مشوب بعيب في التعليل. وفي قرارها الأخير عدد 255-25 بتاريخ 4 غشت 2025، بمناسبة بثها في دستورية بعض مواد قانون المسطرة المدنية، وعلى الخصوص المادة 624 من خلال التنصيص على تدبير النظام المعلوماتي ومسك قاعدة المعطيات به من طرف السلطة القضائية بتنسيق مع السلطة الحكومية المكلفة بالعدل كل في حدود اختصاصه، تطبيقاً لمبدأ فصل السلط دون أن يحول ذلك من إمكانية التنسيق بين السلطتين بخصوص النظام المذكور في حدود التعاون بين السلط. ووفق نفس القرار والذي اعتبر أنه "لا يمكن تخويل استخدام نظام معلوماتي لغير السلطة القضائية"، وذلك بعدما صادق البرلمان على مقتضى ينص على تولي السلطة الحكومية المكلفة بالعدل تدبير النظام المعلوماتي ومسك قاعدة المعطيات المتعلقة به، بتنسيق مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة. وجب الإشارة إلى أنه في إطار قرار المحكمة الدستورية حول قانون المسطرة المدنية فقد أضيف اختصاص جديد للسلطة القضائية، وذلك من خلال المادتان 624 (الفقرة الثانية) و628 (الفقرتان الثالثة والأخيرة): فقد أسندت تدبير النظام المعلوماتي القضائي للسلطة القضائية عوض السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، والذي اعتبرته المحكمة الدستورية تدخلاً في مجال محفوظ للسلطة القضائية. وبخصوص المادة 628 (الفقرتان الثالثة والأخيرة): وفق قرار المحكمة الدستورية والذي أكد على أن رئيس المحكمة هو الذي يعين فوراً بطريقة إلكترونية القاضي أو المستشار المقرر أو القاضي المكلف حسب الحالة، لتجهيز الملف المحال إليه من خلال النظام المعلوماتي. هذا القرار الذي أثار استغراب كل المتدخلين والمهتمين بقطاع العدل، على اعتبار الأسئلة التي ستطرح عقب تعديل صياغة المادة 624 وفق قرار المحكمة الدستورية مع ما يتبعها من تسليم مسك النظام المعلوماتي بالمحاكم للسلطة القضائية. الأمر الذي أثار غضب وزير العدل، والذي صرح أن قرار المحكمة الدستورية القاضي بمنع وزارة العدل من تدبير النظام المعلوماتي للملفات القضائية "مخالف للصواب"، معبراً عن تخوفه من تداعيات هذا التوجه على سير العدالة والخدمات الرقمية داخل المحاكم. وفي هذا الصدد، فإننا نتفق مع السيد وزير العدل، على اعتبار أن الأمر يعد تقاطعاً بيناً بين المجالين الإداري والقضائي، فهل يعقل أن يترك السادة القضاة كل الملفات المتراكمة والتي تبلغ سنوياً أزيد من خمسة ملايين ملف قضائي تنتظر البث فيها في آجال معقول، وينشغلون بتدبير النظام المعلوماتي، والذي تواجه وزارة العدل صعوبات في التعامل مع هذه الأنظمة المعلوماتية بما تملكه من موارد بشرية تبلغ حوالي 20 ألف موظف يخضعون لسلطة وزير العدل؟ فكيف يمكن تدبير هذا التقاطع في الاختصاص في حال توقف النظام المعلوماتي؟ هذا القرار سيطرح العديد من التساؤلات القانونية والتنظيمية، ومن أهمها: ماهي الصفة القانونية لتعامل السلطة القضائية مع أطر الإدارة القضائية؟ وكذلك وجب التساؤل عن طبيعة التبعية الإدارية على اعتبار أن الجهة المشغلة هي وزارة العدل؟ وهل هذه الفئة ستخضع لسلطة ورقابة السلطة القضائية أم السلطة الحكومية المكلفة بالعدل؟ في خضم كل هذه التساؤلات المشروعة، وجب الإشارة إلى أن الموارد البشرية المختصة في تدبير النظام المعلوماتي تتشكل من مهندسين وتقنيين في مختلف التخصصات المعلوماتية، بالإضافة إلى موظفي كتابة الضبط الذين تلقوا تكوينات في هذا المجال وهم يتبعون نظامياً لهيئة كتابة الضبط والتي بدورها تتبع للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، كما يتبعون إدارياً لسلطة رؤساء كتابة الضبط باعتبارهم الرؤساء المباشرين لهم والمسؤولين عن التنقيط والرخص الإدارية وغيرها من الاختصاصات الجديدة التي اختص بها رؤساء كتابة الضبط. كذلك وجب التساؤل عن مستجدات التنظيم الهيكلي الجديد للمحاكم والذي عرض على أنظار المجلس الأعلى للسلطة القضائية لإبداء الرأي، وما يمكن أن يتخلله من هيكلة جديدة داخل كل محكمة والذي قد يخلق نوعاً من تنازع الاختصاصات داخل نفس المحكمة وفق هذا القرار للمحكمة الدستورية. وفي هذا الإطار، لا بد أن نشير إلى أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وعلى الرغم من توظيف أطر مختصة في النظم المعلوماتية من خلال فتح مناصب مالية سنوية مهمة لتوظيف الأطر التقنية والمختصة، إلا أنه يعرف خصاصاً مهماً في الموارد البشرية الكافية والمؤهلة من ناحية تدبير النظم المعلوماتية بكل المحاكم داخل ربوع المملكة، مما يطرح تساؤلات حول جاهزية السلطة القضائية لتدبير النظم المعلوماتية في حالة التوقف أو وجود خلل تقني، الأمر الذي سيخلق نوعاً من الارتباك والتوقف المتكرر، وبالتالي التأثير على سير العدالة والخدمات الرقمية داخل المحاكم. قد يذهب البعض إلى محاولة التشكيك في قدرات السلطة القضائية في تدبير النظم المعلوماتية بكل محاكم المملكة، على العكس من ذلك فقد أبانت السلطة القضائية غير ما مرة عن علو كعبها في هذا المجال. لكن الإشكال الحقيقي في مواجهة الكم الهائل من البيانات والمعطيات التي تتدفق على النظم المعلوماتية بمختلف المحاكم، وما يواكبها من تحديات تقنية قد تستعصي على أطر كتابة الضبط معالجتها، لمركزية بعض الإجراءات التقنية التي تتطلب تدخل الأطر التقنية بالإدارة المركزية على وجه السرعة والدقة في معالجة الإشكالات المطروحة. يُشار إلى أن وزارة العدل راكمت تجربة مهمة في مجال الرقمنة من خلال إطلاقها للعديد من البرامج الرقمية المتميزة والتي استحسنها كل المتدخلين في قطاع العدل وكل المرتفقين، وساهمت في تسهيل الولوج المستنير للعدالة وتقريب القضاء من المتقاضين. إلا أن قرار المحكمة الدستورية، بحسب بعض المتابعين، جاء عكس كل التوقعات، حيث إن ما راكمته وزارة العدل منذ انطلاق مشروع المحكمة الرقمية وما واكبها من تحديات التنزيل من مجهود مالي وبشري مهم جداً خصص لإنجاح برنامج الانتقال الرقمي بكل محاكم المملكة، لم يحظَ بالاهتمام الكافي والعناية المستحقة حتى يستكمل باقي البرامج، منها ما هو قيد الدراسة أو التنزيل بمختلف المحاكم. يبقى على السلطة القضائية، وتنفيذاً لمخرجات هذا القرار، إيجاد صيغة ملائمة للتنزيل السليم لمضامين قرار المحكمة الدستورية في احترام تام لمقتضياته، مع الحفاظ على حسن سير عمل المنظومة المعلوماتية المعقدة بكل محاكم المملكة. -منتدب قضائي درجة أولى بمحكمة الاستئناف الإدارية بطنجة