يُفترض في القانون الرياضي أن يكون ميزانًا دقيقًا، لا يميل مع الضجيج ولا مع السياسة، ولا يرتعش أمام الضغط ولا يبحث عن حلول تمسك العصا من الوسط حين تكون الوقائع واضحة وصارخة. غير أن ما صدر عن لجنة التأديب التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم "الكاف"، على خلفية الأحداث التي شهدها نهائي المغرب والسنغال برسم كأس الأمم الأفريقية 2025، كشف أن العدل في بعض المؤسسات القارية لا يُمارَس بوصفه مبدأ، إنه يُدار بمنطق التسوية المختلة.. تسوية تُغضب الحقيقة جوهريًا. فكيف يستقيم ميزانٌ يساوي بين من صمد في الميدان ومن انسحب خارجه؟ وكيف تُفهم العدالة حين تتحول إلى سياسة تدوير الزوايا بدل الحسم؟ القانون مسكّنًا لا حكمًا ما فعلته لجنة التأديب لم يكن تطبيقًا للقانون لأن القانون واضح، فهي اختارت تأجيل الصدام مع الواقعة لبضعة أيام حتى تمخض الجبل فولد فأرا. إن القوانين الرياضية واضحة في حالات الانسحاب، وصريحة في توصيف التمرد على الحكم ورفض استكمال المباراة؛ لكن اللجنة اختارت طريقًا آخر: طريق "اللاعدل" .. قليل من العقوبة هنا، وقليل من الغرامة هناك، وقليل من الإيقاف يوزَّع بالتساوي، كأن الحقيقة قابلة للتجزئة. بهذا المنطق، صار ردّ الفعل هو المُحاسب، والقانون ورقة ضغط تُطوى عند الحاجة. إنها عدالة تخشى أن تكون عادلة، وتخاف من أن تقول: هذا مخطئ، وذاك التزم حتى النهاية. مساواة الجلاد بالضحية .. بدعة "كافية" أخطر ما في القرار هو تلك الرسالة الرمزية التي يحملها. فحين يُوضع المنتخب المغربي، الذي التزم بالملعب، واحترم الحكم، وانتظر قرار "الفار"، في الكفة نفسها مع طرف انسحب مُدّة من الزمن وتمرّد وهو في قانون اللعبة يعتبر منهزما ب 3 ل 0، فنحن لا نمارس الحياد، بقدر ما نمارس طمس الفروق. وهنا تتحول العدالة من أداة حماية، إلى أداة تمييع. فالرياضة لا تقوم على النيات، بل على الأفعال. وحين تُمحى الفروق بين الأفعال، تُمحى الأخلاق التي تقوم عليها اللعبة. وهكذا تُفتح أبواب خطيرة: لماذا ألعب بروح رياضية تكلفني الكثير حتى النهاية، ما دام الخبث الكروي لا يكلفني سوى "غرامة متوازنة"؟ غرامة المغرب .. ضريبة الشجاعة المؤسسية في العمق، ما دفعه المغرب ثمن وضوح .. وضوح في التنظيم، وضوح في الالتزام، وضوح في الصمود داخل الملعب وخارجه. لم تكن الغرامات الثقيلة والإيقافات عقوبات، بقدر ما كانت محاولة لإعادة التوازن السياسي داخل مؤسسة تخشى الحسم. هي ضريبة تُفرض على من يربك المنظومة بنجاحه؛ لأن النجاح، في بيئة مرتبكة، يُعد استفزازًا صامتًا. وهكذا يصبح الالتزام عبئًا، ويتحول الانضباط إلى تهمة غير معلنة. فهل قدرُ المغرب أن يُظلم على حسن تنظيمه وحسن الضيافة ..؟! سقوط أسطورة التحكم المغربي من مفارقات هذه القرارات أنها، دون قصد، نسفت خطابًا كاملاً بُني على نظرية المؤامرة وأن "لقدجع" يستولي على الكاف والحكام. فلو كان المغرب، كما يُشاع، يمسك بخيوط اللعبة داخل "الكاف"، لما تجرأت لجنة التأديب على المساس بركائز منتخبه، ولما تجاهلت نصوصًا قانونية كانت ستمنحه نصرًا إداريًا واضحًا. هكذا سقطت الأسطورة بقرار رسمي، وسقط معها خطاب الحقد الذي يعيش على تبرير الفشل. فالواقع كان أوضح من كل الشعارات: المغرب لم يُحابَ، فقد عوقب لأنه لم يناور. شرعنة الفوضى .. الخطر الأكبر لقد صار الأمر الآن واضحا .. إنها الفوضى في قرارات "الكاف" .. حكيمي اللاعبُ المغربي الخلوق وصاحب جائزة اللعب النظيف الممنوحة من "الكاف"، يعاقب من قبل اللجنة التأديبية التابعة لها مما يطرح أكثر من علامة استفهام ..؟؟؟ .. لا يتوقف الضرر الحقيقي عند مباراة، ولا عند منتخب، إنما يمتد إلى مستقبل الكرة الإفريقية. فحين تُكافَأ الفوضى بعدم الحسم، وحين يُدار القانون بعقلية الترضيات، نكون أمام سابقة خطيرة .. سابقة تقول لكل فريق: اضغط، انسحب، ارفع الصوت، كن خبيثا، .. فالنتيجة لن تكون خسارة كاملة. بهذا، يُقتل التنافس الشريف وتُدفن هيبة المؤسسة، وتعود القارة إلى منطق إثارة الأزمات بدل بناء القواعد. في نهاية المطاف ومع صافرة "الكاف" .. صحيح أن المغرب خرج من هذه المعمعة بلا كأس، لكنه خرج بمرآة كبيرة عكست أعطاب المنظومة. أحيانًا، أن تكشف الخلل أهم من أن تربح الكأس. فالعدل المؤجَّل لا يصنع رياضة، والقانون الذي يخشى نفسه لا يصنع قارة. ويبقى السؤال معلّقًا فوق كل الملاعب الإفريقية: متى نختار الحقيقة كاملة بدل الحكم ب"الدغونيش"؟ –مفتش ومهندس مدني وباحث في اللسانيات