هل الهايكو العربي خيانة إبداعية للهايكو الياباني؟ انطلاقا من فهم معين لنظرية الأجناس الأدبية، تعتبر قصيدة الهايكو استعارة ثقافية، فرضتها ظروف التلاقح الثقافي ما بين الشعوب، من خلال ما يطلق عليه اسم المثاقفة، هذه العملية المعقدة التي تحدث نتيجة التواصل الثقافي والترجمة والاطلاع على التجارب الإبداعية في شتى الثقافات، وفي أغلب الأحيان تساهم فيها الهيمنة الاستعمارية لدولة على دولة أخرى أضعف منها. ويمكن القول إن الذائقة الشعرية العربية قد غنمت قصيدة الهايكو، في الفترة الأخيرة وخاصة مع بداية الألفية الثالثة، من خلال انفتاحها على الأفق الشعري العالمي، والمتمثل خصوصا في التجربة الشعرية اليابانية، التي لا ريب أن سراج روادها الشعري قد أضاء العالم بأسره، من خلال قصائد لمعت كنجوم في سماء المتن الشعري العالمي، متيمزة في كتابتها بتكثيفها الكبير، وبالتقاط معجمها من تفاصيل الطبيعة الغناء، بفصولها الأربعة، مع تركيز دال على فصل الربيع بأزهاره وفراشاته وجداوله الرقراقة. وقد ظهر تاثيرها واضحا على شعراء من مختلف بلدان العالمي حتى الغربي منه. ويلاحظ في الفترة الأخيرة أن نصوص الهايكو قد تناسلت في الوطن العربي، ميتفيدة من الطفرة التكنولوجي التي حققتها وسائل التواصل الاجتماعي، ومحاولة بذلك وضع بصمتها الخاصة على هذا الفن الشعري الجميل، وقد ساهمت التجربة الشعرية المغربية بمقدار في هذا المجال، من خلال شعراء من مختلف الأجيال والاتجاهات الإبداعية.، منهم من نشر نصوصه في كتب ورقية واغلبهم اكتفى بالنشر الالكتروني. ومن خلال الاطلاع على نصوص المتناثرة هنا وهناك، سواؤ في الكتب الفردية أو الجماعية او على شبكة الأنترنيت، في الصفحات المتخصصة او الصفحات الشخصية، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات، أهمها: الاحتفاء بالبعد الشذري في الكتابة إلى أبعد الحدود، مما يجعل النصوص أقرب إلى الومضات، هذا علاوة على حضور الذات وهمومها، من خلال هيمنة الأفعال المسندة إلى ضمير المتكلم، مما يعني طغيان الطابع الغنائي الرومانسي على النصوص، كما يلاحظ إثقال الشعراء لنصوصهم بالمجاز، متأثرين في ذلك بقصيدة النثر، التي جعلت منه بديلا عن الإيقاع الخارجي، اقصد التفعيلات والقافية والروي. وإذا كان الهايكو قد تميز في بيئته الأصلية، وتحديدا قر اليابان بالحضور القوي للحقل الدلالي للطبيعة، مع ملاحظة نفوره من المجاز المباشر خاصة على المستوى الاستعارة، والتركيز على ما يمكن تسميته بفينونولوحية الكتابة، أقصد التقاط ما تقع عليه العين مباشرة دون تحوير او تدخل من الشاعر، من خلال الاحتفاظ بالانطباع الأول المدهش لاتقاء العين بالظواهر الطببعية، فإن التجربة العربية والمغربية عموما تعزز الانطباع لدى المتتبع لهذا النوع من الكتابة الشعرية، بأن الهايكو العربي قد عوض الطبيعة بالهموم الذاتية المتميزة بلمسة رومانسية واضحة، كما أن المرء لا يكاد يجد نصا لا يستحم في بحيرة المجاز بما فيها الاستعارة طبعا، ولعل ذلك ما يجعل المتلقي يتساءل تساؤلا مشروعا: هل يعد الهايكو العربي خيانة إبداعية للهايكو الياباني؟ أم هو مجرد تجديد له؟ أم أن روح الشعر العربي المتسمة بغنائيتها قد فرضت سطوتها على نصوصه، فلم يستطع التجرد منها؟