حين بدأت الحرب العراقية الإيرانية، كنت طالبًا مقيمًا بالحي الجامعي ظهر المهراز بفاس، وكنت أذكر أن الطلبة الإسلاميين كانوا ينصتون بلهفة إلى الإذاعة الإيرانية بالعربية، والتي كانت تذيع أنباء تلك الحرب وتحلل البيانات العسكرية الصادرة عن الجيش الإيراني. وكانوا كلهم بدون استثناء ينصرون الجمهورية الإسلامية بعيون مغمضة، رغم علمهم بفساد المذهب الشيعي، وأن الشيعة ليسوا سوى كفار مارقين عن الدين، مشوهين لمصادر التشريع وللتاريخ الإسلامي. فما الذي جعلهم يتخذون هذا الموقف الشاذ؟ نحن نعلم أن صدام حسين قومي صادق وملتزم بالقضايا العربية، خاصة القضية الفلسطينية، لكنه كان علمانيًا متنورًا، كافرًا من وجهة نظر الطلبة الإسلاميين، لذلك يجب دعم الجيش الإيراني والشماتة في قتلى الجيش العراقي. وقد كانت غرفهم تضج بأصوات التكبير والفرح حين سماع انتصارات الشيعة، وكأنهم يتابعون مباراة شيقة في كرة القدم. في المغرب اليوم، توجد أصوات كثيرة مناصرة لإيران، منهم المشاهير ومنهم عامة الناس، وهنا انضاف عامل جديد محفز لنصرة الجمهورية الإسلامية، كون إيران عدوّة لإسرائيل، بل تحاربهم وتقتل اليهود في غزة، أو انطلاقًا من لبنان، أو في الحرب المباشرة، كحرب الإثنتي عشرة يومًا السابقة، أو الحرب الجارية اليوم. لا يهم مذهبهم الفاسد ما داموا يقتلون اليهود أعداء الأمة الإسلامية، سواء أكانت سنية أم شيعية. أمريكا وإسرائيل من جهتهما مهووستان بقطع رؤوس الشيعة في كل مكان، وأكبرهم المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي قُتل في اليوم الأول للمواجهة، ظانين أن قطع رأس النظام سيحرك الدبلوماسية والحوار والتفاهم، لكن الحقيقة بعيدة عن ذلك، لأن الشيعة في جعبتهم عشرات المرشحين لشغل هذا المنصب. وقد بدأوا في إجراءات تعويض الميت بالحي. والأمر نفسه يخص قيادات الحرس الثوري، فكلما قطعوا رأسًا نبت رأس جديد. كما أنهم يعولون على انشقاق محتمل في هذه الهيئة العسكرية الدموية، وهذا وهم كبير، لأن فرقة الإس إس النازية في الحرب العالمية الثانية بقيت مخلصة لهتلر حتى بعد انتحاره. يعوّلون أيضًا على انتفاضة الشعب الإيراني الذي لم يخدره المرشد الأعلى بعد، وهذا وهم آخر، لأن قوة القمع التي يمارسها الحرس الثوري رهيبة، ترعب الشجعان والجبناء معًا. كما أن إيران لا تهتم بصورتها أمام العالم، تقتل من تشاء، وتحيي من تشاء، وليشرب من شاء ماء البحر. لقد كانوا يقتلون بسبب ترك الحجاب، فكيف يكون قتلهم بجريمة عصيان المرشد الأعلى؟ أنصار إيران في المغرب، عشاق مجانين للقضية الفلسطينية، وبما أن إيران تنتصر للفلسطينيين الغزيين خاصة، فإن سومتها طلعت بشكل رهيب، حتى حولت هؤلاء الأنصار إلى أعداء لوطنهم المغرب. وإذا كنا رأينا الشوارع تحمل صورة عدو المغرب مادورو دون حياء، فليس من المستبعد أن نرى البكّائين على المرشد المضلل رافعين أعلام الجمهورية الإسلامية "على عينيك يا بن عدي"، ومن يدري؟ فقد يجلدون ظهورهم غدًا، انتقامًا من ذواتهم التي لم تنصر ثاني آية الله المقدس بعد الشيطان الأعلى آية الله الخميني.