المستثمرون أنواع، منهم المستثمرون في التنمية، وأجرهم هو أرباحهم في الدنيا، وأجرهم عند الله إذا أخلصوا في العمل ونفعوا الناس. ومنهم المستثمرون في التسلية، ولا بأس بعملهم إذا كان ترويحًا على النفس في زمن يقبض فيه الصالحون على الجمر بسبب ما تفشى من النكد والجحود. وهناك مستثمرون في الموت، ومنهم: من يتصيدون الجنائز في الأحياء للتطوع، وكلُّ غرضهم أن يتمَّ حمل الميت ودفنه على مذهبهم المخالف لأعراف المغاربة. من يستغلون الفراغ القانوني والتدبيري لكي يتدخلوا في إصلاح المقابر لأغراض الاستقطاب الانتخابي. الذين أثاروا الضجة مؤخرًا على العبارات التي يضعها أصحاب سيارات نقل الموتى على سياراتهم لإشهار حرفتهم. ولو أن جهةً ما أمرت بوضع مثل هذه الشعارات على هذه السيارات، لقام المستثمرون في الموت بالقول إنها بدعة لا أصل لها لا في الكتاب ولا في السنة، ولقالوا إن التعريض المحتمل لكلمات من القرآن للتلوث في الهواء، وفي المآرب التي قد لا تتوفر فيها شروط الطهارة، وللغسل بالمياه العادمة في بعض المحطات، من المنكر الصريح. إن المغاربة حرصوا على الدوام على إظهار الحرمة في الجنائز، فهم يسيرون وراء نعش الميت، يرددون بالجهر عبارات الترحم، ويقرأون فوق القبر سورة يس جهرًا، ويدعون بالمغفرة للميت، ويعزون أهله في خشوع. وظهور سيارات نقل الموتى من حسنات العصر، ولكنها لا تعدو أن تكون خدمة تجارية بالأجر، أو تكون من الخدمة الجماعية المشكورة. فلا مبرر للضجة حول ما يكتب عليها، لأنه ليس مما يقدمه الميت بين يديه، ولا يتوقف عليه تذكير المغاربة بأن "كل نفس ذائقة الموت". إن فرصة استغلال المشاعر الدينية عند الناس أمر أوسع بكثير من قضية الجنائز، وله مظاهر كثيرة، من بينها تنشيط برامج توجيه ديني على منصات لا ينضبط المتكلمون فيها بثوابت البلد. إن القرآن للترحم على الميت ليس عبارةً للدعاية التجارية، وموقف الموت موقف جلل مهيب. إنما يناسبه ما يتلى في موكب جنازة الميت أو فوق قبره، والذي يُحسب للميت، على الخصوص، هو ما قدمه أمام الله بين يديه. إن أصحاب سيارات التاكسي وأصحاب الشاحنات يكتبون على سياراتهم عبارات من القرآن أو من الأدعية، ولا أحد التفت إليها لا بالمنع ولا بالتشجيع. إن الطيوبة أو الغفلة المصحوبة بالنية عند عموم الناس المتدينين يتربص بها عدد من المستثمرين في الفتنة. ولا يجوز ترك الموت والمقابر بلا تقنين ولا تدبير، ولا يجوز أن تتراجع الجهات المعنية أمام ضجة المتدخلين وتحرشاتهم في هذا المجال أو في غيره، لأن فن هؤلاء هو الاستدراج واستغلال كل فرصة استماع وانتظار عند الناس للتدخل وادعاء أنهم حراس الدين الذي يحتاج إلى حمايتهم. وإذا كان الناس يغبطون المغرب في الخارج على حماية الشأن الديني في المجال العام، فلا يجوز التفريط في هذا الأمر بترك الثغرات التي تتسرب من خلالها طوائف من المشوشين. إن المستثمرين في الفتنة لا يحسبون عواقب تصرفاتهم، لأن نفوسهم تتغذى من أفعالهم متى ظنوا، توهُّمًا، أنهم يحسنون صنعًا أو يحققون "فتوحًا" زائفة على الساحة العمومية. والذي يخفونه في الحقيقة هي أمراض وقعت بها العدوى من الخارج. والغرض من هذا الكلام هو تنبيه الناس من ذوي النيات الحسنة إلى الاحتياط من الانسياق أمام التحرشات المماثلة. أما المستثمرون في الموت، فيمكن تذكيرهم، من باب الحُرقة والأسف، بفيلم مصري شهير بطله فريد شوقي بعنوان "السَّقَّامات"، أي الذين يكرون حناجرهم لترديد عبارات الندب في موكب الجنازة، يتقدمون ويرددون: "إييه دنيا، إييه دنيا، إييه دنيا..."، وإذا نظرنا إلى ما يقع من قلة الورع عند بعض المتجرئين في باب الكلام في الدين، فإنه يجوز لنا نحن أيضًا أن نردد وكأننا في جنازة الحياء: "إييه دنيا...".