حين تصطدم "النجاعة الاقتصادية" بسؤال العدالة الاجتماعية بعيداً عن لغة الأرقام وتبريرات التنسيق الطاقي، يطرح الاستمرار في العمل بالتوقيت الصيفي (GMT+1) بالمغرب أسئلة حارقة حول كلفة "السياسة الزمنية" على الفئات الهشة، ومدى شرعية قرار إداري يخترق أدق تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين دون نقاش عمومي كافٍ. ليست الساعة عقربًا يدور في صمت، بل قرارًا سياديًا يعيد تشكيل إيقاع المجتمع. حين تُقدَّم ساعة أو تُؤخَّر، لا يتغير رقم على الحائط فقط، بل تتغير مواعيد النوم، وإيقاع المدرسة، وبداية العمل، وحركة النقل. الزمن هنا ليس خلفية محايدة للحياة العامة، بل أداة لتنظيمها. وفي الحالة المغربية تحديدًا، لم يعد الزمن مجرد معطى فلكي، بل تحول منذ أكتوبر 2018، تاريخ إقرار التوقيت الصيفي طوال السنة (GMT+1)، إلى قضية رأي عام بامتياز. فقرار الاستمرار في العمل ب"الساعة الإضافية" لم يكن مجرد تعديل تقني، بل كان لحظة كاشفة لمدى قدرة القرار السياسي على اختراق أدق تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة، من لحظة استيقاظ التلميذ في القرى النائية، إلى توقيت دخول الموظف إلى مكتبه في المدن الكبرى. الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (Michel Foucault) نبّه إلى أن السلطة الحديثة لا تمارس فقط عبر القوانين، بل عبر تنظيم الأجساد والإيقاعات اليومية. المدرسة والمصنع والإدارة تضبط الإنسان عبر الجداول الزمنية بقدر ما تضبطه عبر القواعد. من هذا المنظور، تصبح "السياسة الزمنية" شكلاً دقيقًا من أشكال ممارسة السلطة؛ سلطة تعمل بصمت لا بالإكراه، لكنها مع ذلك تعيد تشكيل حدود الممكن في حياة الناس اليومية. غير أن السلطة في المجتمعات الحديثة لا تُقاس بقدرتها على التنظيم فقط، بل بمدى شرعيتها. وهنا يحضر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) الذي ميّز بين العقلانية التقنية والعقلانية التواصلية. فالقرار قد يكون ناجعًا حسابيًا، لكنه يظل ناقص الشرعية إذا لم يمر عبر فضاء عمومي تداولي يسمح للمواطنين بالمشاركة في النقاش. الزمن الذي يُفرض إداريًا دون نقاش كافٍ يتحول إلى مصدر فجوة بين الدولة والمجتمع، حتى لو استند إلى مبررات اقتصادية أو طاقية. في المغرب، ظل تبرير "الساعة الإضافية" حبيس منطق التنسيق الاقتصادي والطاقي مع الشركاء الأوروبيين، دون أن يقترن ذلك بمسار تشاركي واسع يتيح للمغاربة التعبير عن تجاربهم اليومية وتأثير هذا التوقيت على حياتهم، وهو ما يعيد طرح سؤال الشرعية الزمنية للقرار العمومي. من النجاعة الاقتصادية إلى سؤال الرفاه الإنساني عادة ما يُبرَّر اعتماد توقيت معين بمنطق الكلفة/المنفعة: تقليص استهلاك الطاقة، تحسين التنسيق مع الشركاء الاقتصاديين، رفع الإنتاجية. غير أن التجربة الأوروبية أظهرت أن المسألة أعقد من ذلك. ففي عام 2018، أطلقت المفوضية الأوروبية (European Commission) مشاورة عامة واسعة حول تغيير الساعة، أعقبها تصويت داخل البرلمان الأوروبي (European Parliament) سنة 2019 لصالح إنهاء التغيير الموسمي في عدد من الدول. لم يكن النقاش اقتصاديًا صرفًا، بل صحيًا واجتماعيًا. فقد تصاعدت الانتقادات المرتبطة باضطراب النوم والإجهاد وتأثير ذلك على جودة الحياة. وهنا انتقل السؤال من: "كم نوفر من الطاقة؟" إلى سؤال أعمق: "كيف نعيش؟". في المغرب، اعتمد الخطاب الرسمي بدوره على منطق "النجاعة" والتنسيق مع الشركاء الاقتصاديين، دون أن يصاحبه بنفس الدرجة نقاش عمومي مؤسس على دراسات مستقلة حول الأثر الصحي والنفسي والاجتماعي لهذا التوقيت على فئات المجتمع المختلفة. وبينما تتجه أوروبا – بعد استشارة واسعة لمواطنيها – إلى مراجعة علاقتها بتغيير الساعة، ظل النقاش في المغرب محصورًا في ردود الأفعال اللحظية والجدل على منصات التواصل الاجتماعي، أكثر مما هو نقاش مؤسساتي منظم. ووفق العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي اعتمدته الأممالمتحدة (United Nations)، يتمتع الإنسان بالحق في الصحة وفي مستوى معيشي لائق. وإذا كان التوقيت يؤثر في النوم والتركيز والصحة النفسية، فإن المسألة لا تبقى تفضيلاً شخصيًا، بل تدخل في صميم الحقوق الأساسية. فالزمن ليس محايدًا؛ إنه شرط من شروط الكرامة. وقد أثبتت أبحاث الساعة البيولوجية (Circadian Rhythm) – التي نالت جائزة نوبل في الطب عام 2017 – أن اضطراب الإيقاع اليومي يؤثر مباشرة على الصحة النفسية والتركيز والمزاج. وحين يُفرض هذا الاختلال دون نقاش عمومي كافٍ، تتسع الفجوة بين القرار التقني والقبول الاجتماعي. الزمن والعدالة الاجتماعية: من يتحمل الكلفة في المغرب؟ السؤال الأعمق ليس: هل التوقيت مفيد اقتصاديًا؟ بل: من يدفع ثمنه الاجتماعي؟ التلميذ في العالم القروي الذي يسير في الظلام للوصول إلى مدرسته، لا يعيش الزمن كما يعيشه موظف في مركز المدينة. العامل محدود الدخل الذي يبدأ يومه فجرًا دون مرونة في ساعات الشغل، يتأثر أكثر من مدير يستطيع تعديل جدوله. الأسر ذات الموارد المحدودة تجد صعوبة أكبر في التكيف مع التحولات المفاجئة في الإيقاع اليومي. في السياق المغربي، تتجلى هذه الفوارق بشكل صارخ. فالتلميذ في الأطلس أو في هوامش المدن الكبرى، الذي يضطر لقطع مسافات طويلة في جنح الظلام شتاءً، يواجه مخاطر أمنية وصعوبات تحصيلية لا يواجهها من تتوفر له وسائل النقل المدرسي الخاص أو من يسكن قرب مؤسسته التعليمية. هنا تصبح الساعة "ضريبة صامتة" يؤديها الفقراء والفئات الهشة من أمنهم وسلامتهم الجسدية، بينما تظل الفئات الميسورة قادرة على "شراء" بدائل تخفف من وطأة هذا الزمن القسري: نقل خاص، مرونة في العمل، أو إمكان تعديل البرامج اليومية للأبناء. وهذا المشهد لا يقتصر على المغرب أو على أوروبا، بل يتجلى في مجتمعات متعددة حين تُفرض قرارات التوقيت دون مراعاة الفوارق بين المدينة والقرية، بين الأثرياء والفقراء، وبين من يملك أدوات التكيف ومن لا يملكها. هنا يمكن استحضار تصور توماس بوغه (Thomas Pogge) حول المسؤولية عن "الهياكل المؤسسية" التي تنتج أضرارًا متوقعة ويمكن تفاديها. فحتى إن لم يكن القرار مقصودًا به الإضرار بفئة معينة، فإن استمرار أثر غير عادل على فئات هشة يطرح سؤال المسؤولية. العدالة لا تُقاس فقط بحسن النية، بل بمدى الانتباه إلى النتائج البنيوية للسياسات العمومية. إذا كان التوقيت يزيد من صعوبة الحياة اليومية لفئات معينة دون تعويض أو تكييف، فإنه يتحول من تدبير تقني إلى مسألة عدالة توزيعية. لأن الزمن، مثل الموارد والفرص، يمكن أن يُوزَّع بعدالة أو بغيرها. وفي حالة المغرب، يصبح السؤال ملحًا: كيف يمكن لقرار زمني موحد أن يتجاهل التفاوتات المجالية والطبقية العميقة، ثم يطالب الجميع بتحمل الكلفة نفسها؟ من إدارة الساعة إلى إعادة بناء الثقة السياسة الحديثة لم تعد تُقاس فقط بفعاليتها الاقتصادية، بل بقدرتها على تحقيق القبول الاجتماعي. القرار الزمني الذي يمسّ الجميع يحتاج إلى تقييم علمي مستقل، وشفافية في عرض المعطيات، ومشاورات واسعة تتيح للمواطنين التعبير عن تجاربهم. في التجربة الأوروبية، جرى فتح نقاشات مؤسساتية عهدت بدور مهم للخبراء والمجتمع المدني والمواطنين. أما في الحالة المغربية، فقد ظل الإحساس السائد لدى جزء من المواطنين أن القرار فُرض من الأعلى، وأن التعديلات اللاحقة اقتصر أثرها على بعض الفئات (مثل تكييف توقيت الدراسة في بعض الفترات)، دون معالجة جذرية للأسئلة المرتبطة بالشرعية والعدالة والرفاه. فالزمن ليس مجرد أداة تنظيم؛ إنه جزء من التجربة الإنسانية اليومية. وحين يُدار بعقلانية تقنية صرفة، قد يتحول إلى مصدر توتر صامت. أما حين يُدار بعقلانية تواصلية عادلة، فإنه يصبح مجالًا لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. إن إعادة النظر في "ساعة المغرب" ليست ترفاً فكرياً، بل هي مدخل أساسي لإعادة بناء الثقة بين الإدارة والمواطن. فالمسألة في عمقها ليست مجرد ستين دقيقة تضاف أو تنقص، بل هي اختبار لمدى نضج نموذجنا التنموي في جعل كرامة الإنسان المغربي وسلامته النفسية والاجتماعية فوق كل اعتبار تقني أو اقتصادي عابر. في النهاية، المسألة ليست ساعة تُضاف أو تُحذف. المسألة هي: هل نُدير زمننا الجماعي بعقلانية تقنية فقط، أم بعقلانية عادلة وتواصلية تضع كرامة الإنسان في المركز؟ وحين نجيب على هذا السؤال، نكون قد حسمنا أمرًا أكبر من الساعة: نكون قد حسمنا طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن. -باحث في الفلسفة، في قضايا العدالة العالمية وحقوق الإنسان – المغرب