جوانب من الرؤية الإصلاحية في فكر مالك بن نبي لحياة المفكر الجزائري مالك بن نبي ( 1905- 1973م) صلاحية التعبيرعن فكره، وفي الوقت نفسه ففكره فيه صلاحية للتعبير عن حياته، وكل واحد منهما بالضرورة هو شهادة لصحة الآخر، وإذا كان فكره ولد من تجربته، فمن بِنْيَةِ أَسَّس لها خرجت أعماله. وكل منهما أعني بذلك الفكر والعمل يترابطان أداء، ولا يساورنا شك في كونهما متداخلان متشابكان حتى إنه لا يفصل بينهما سوى خط وصل بينهما في معنى واحد. بامتحان بصيرته لمعرفة قدرتها على استيعاب حقائق عصره الخاص، تمتحن قيمة المفكر، وهي الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما إذا كان مالك بن نبي مجرد مهندس ذكي للمناهج والأفكار أم أنه الروح الصادقة لعصره المعبرة عن نفسها بإنجازاته وبديهيته ووجدانه؛ ولن يصبح المفكر عاملا على خدمة أمته ما لم يتسلح بالقدرة على فهم الواقع بعيدا عن التضحية بالحقيقة في مجال البحث العلمي بغية إرضاء العواطف الذاتية لأفراد مجتمعه – حتى لو كانت العواطف مشروعة – ولا يمثل هذا النهج الطريق الأفضل لدخول حلبة التاريخ، بل قد يكون هو الطريق الأفضل لتأجيل الحل عمليا، وبما أن الأمورعلى هذا النحو، فالتوصل إلى خطاب عربي وإسلامي ذكي ومرن ومنفتح، أي قابل للمراجعة الإبستمولوجية، كما أكد المفكر السوري هاشم صالح، عملية ليست سهلة على الإطلاق ضمن الظروف التي نعيشها، بحكم أن الضغوط الداخلية والخارجية تحول دون انبثاقه وترسخه في الساحة العربية- الإسلامية، ومع ذلك فالحاجة إليه قد أصبحت ماسة ضمن هذه الظروف بالذات. *** بعيدا عن النزعة الذرية وافتقاد الرؤية الإصلاحية للبعد التركيبي للمشكلة الحضارية، تسلح بن نبي برؤية نقدية وتحليلية، استوعب من خلالها معظم علوم عصره وحيثيات واقعه، وقد تبدى ذلك بجلاء في صياغاته الفكرية والمنهجية. ومنذ مطلع شبابه انكب على دراسة مشكلات بلاده الجزائر دون فصلها عن المشكلات السائدة في سائر البلدان المتخلفة، وفي خمسينات وستينات القرن المنصرم؛ حيث أصبحت معظم الدول العربية والإسلامية مستقلة عن الحكم الأجنبي الغشيم، عُرف بأفكاره الداعية للتحرر الفكري، ولذا عده المؤرخ والمفكر اللبناني "وجيه كوثراني" حلقة وسيطة بين "النهضة" الإسلامية الإصلاحية الأولى "زمن محمد عبده" وبين ما كان يمكن أن تؤديه هذه الإصلاحية في زمن مالك بن نبي وما بعده. لكن اللاحقين الإسلاميين منهم والقوميين لم يتواصلوا معه لا في دعوتهم القومية ولا في إسلامهم السياسي، لذا بدت كتاباته نشازا في الحقل الإسلامي، في مقابل التعبئة السياسية السائدة وقتذاك كشكل من أشكال " النهوض الإسلامي". وقد خلص في نهاية المطاف إلى أن المشروع النهضوي له إيقاعه الحضاري البطيء، وزمنه الثقافي الذي يتجاوز المعطى السياسي الآني. وحسب حسن حنفي فمالك بن نبي يشكل – بالنسبة لجيله -" مفكرا إسلاميا تقدميا إصلاحيا"، وينبهنا في ثنايا كتاباته إلى أصول الحركة الإصلاحية ومصادرها الأولى عند الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي ومحمد إقبال، كما يشير إلى حركات الإصلاح التي ينتسب إليها. وبأسئلة النهضة وما يتعلق بأجوبة الرموز النهضويين الذين سبقوه إلى طرحها ظل بن نبي محاصرا بشكل جلي، وعلى الرغم من أن المجتمع اليقيني المهزوم يضيع فيه التراكم وتبادل الرأي والحوار، فقد راهن كمثقف على التراكم المعرفي في ما يعنيه من حركة وحوار ونقد، فهو إذاً لم يكن – كما خلص المفكر السوري جودت سعيد – " مفسرا للقرآن ولا فقيها يصدر الفتاوى، ولكن كان مفكرا يأمرنا أن نتأمل الأحداث"، ومن جهوده الفكرية يبتغي البحث عن التغيير في عصره الذي عرف اتجاهات تغييرية وحركات فكرية، وإيديولوجية سياسية واجتماعية، حاولت إدخال جملة من الأحكام والمفاهيم الجديدة مثل النهضة، اليقظة، الإصلاح، التحرك، الثورة، التطور، النمو، التقدم وغيرها من المفردات التي شاعت لدى رواد الفكر والسياسة والإصلاح، وفي القرنين التاسع عشر والعشرين، بزغت اتجاهات فكرية كالاتجاه الإصلاحي التوفيقي والاتجاه الليبرالي والاتجاه الماركسي، ويمكن أن ندمج هنا منطلقات وتصورات مالك بن نبي في الاتجاه الإسلامي لما بذله من جهد مضني بغية أن يضع تفسيرا لأمراض العالم الإسلامي عامة والجزائر خاصة، محددا زوايا التغيير الاجتماعي الذي سيستهدف إقامة الحضارة، مادامت مشكلة الإنسان بالنسبة إليه هي مشكلة الحضارة. *** ولتحقيق مسعاه هذا، أعار أهمية كبرى في دعواته الإصلاحية لما يسمى بالثورة، ولها معنى خاص في تصوره، فهو يقصد بها الثورة على القديم وعلى القيم البالية، وكذلك الثورة على الأفكار التي تقف في طريق النهضة والتقدم، وهو يؤمن أيضا بأن الثورة تعني الثورة السياسية والمسلحة، فقد آمن بالثورة التي خاضها الجزائريون ضد المستعمر الفرنسي. وفي سياق متصل بذلك، فَكّر بن نبي في فعل الثورة والشروط التي تقود إلى نجاحها على جميع المستويات، فالثورة في تقديره " لا ترتجل إنها اطراد طويل يحتوي ما قبل الثورة، والثورة نفسها وما بعدها، والمراحل الثلاث هذه لا تجتمع فيه بمجرد إضافة زمنية، بل تمثل فيه نموا عضويا وتطورا تاريخيا مستمرا، وإذا حدث أي خلل في هذا النمو وفي هذا التطور فقد تكون النتيجة زهيدة تخيب الآمال". وتلك المراحل الثلاثة ليست متروكة لصدفة التاريخ، بل بالعكس فإرادة الإنسان وعقله تتدخل فيه من أجل أن تثمر وتعطي النتائج المرجوة منها، وتبلغ هدفها في التغيير. *** حقيقة، لم يقرأ المنجز الفكري لبن نبي ودعواته بالشكل المطلوب، مما يتيح لنا مشروعية البحث عن الأسباب التي كانت وراء ذلك، وهي بالذات أسباب ذاتية وأخرى موضوعية. في الغالب ينصب التركيز على الأسباب الموضوعية دون الإشارة إلى العوامل الذاتية، ربما لكونها تتعلق بنخبوية الفكر والتعامل مع الأدب الصعب الذي يعطي القيمة للدلالات العقلية وإن كان على حساب الوضوح والبيان، وهذا الأثر اكتسبه بن نبي من الأدب والثقافة الفرنسية، وبالتحديد من أحد المكونات الأساسية في الفكر الفرنسي، وهو الفكر الديكارتي، هذا دون أن نغفل بعض الإشكالات الفنية والأدبية الناتجة من ترجمة مؤلفاته. بالطبع، لم يتحول فكر مالك بن نبي إلى مؤسسة؛ ففي حياته لم يؤسس حركة أو مؤسسة ترتكز على نظريته الثقافية، وتواصل القراءة في تراثه وتحريره، والحق أن هذه النقطة بالذات تأتي على رأس الأسباب الموضوعية التي حالت دون قراءة أفكاره، وبطبيعة الحال، فإنه ليس هو الوحيد من المفكرين الإسلاميين الذي لم يقرأ فثمة الكثير الذين يشملهم هذا الموقف. لكن ما يثير العجب إذا دققنا النظر في واقع المنجز الفكري لمالك بن نبي اليوم أن الاهتمام به بدأ يتحسن، إن لم نقل يتصاعد نسبيا، متفارقا كليا عن الحقب الثلاث السابقة – أقصد بها الستينات والسبعينات والثمانينات – ومتميزا عنها، وخلال العقدين الآخرين من القرن الحادي والعشرين تغير الوضع كليا، حيث شهدنا طفرة كبيرة ظلت متصاعدة على مستوى الكتابات والدراسات والأطروحات المنشورة عن فكره، ولذا يظهر أن هذه طفرة قلبت صورة التصور السلبي السابق. بذلك دخل فكر بن نبي في طور فكري جديد، يمكن أن يؤرخ له بوصفه الطور الذهبي، وأصبح مقروءا ومتابعا ومستكشفا، ومتفوقا من هذه الجهة على كثيرين علماء ومفكرين سابقين له ولاحقين؛ حيث باتت أفكاره ونظرياته حاضرة في الدرس الجامعي، ومتداولة في الحقل الأكاديمي، ونشطة في البحث الفكري، ولم تعد مهجورة أو مهملة. كما أن كثيرا من الدراسات الاقتصادية والفكرية في العالم الإسلامي بدأت تعود أدراجها إلى منطلقات منظومته الفكرية المهمة بعد أن تخلفت عنها خمسين عاما. *** كل هذا يدعونا صراحة إلى التأكيد على أن القراءة الجديدة للمنظومة الفكرية لمالك بن نبي تحتمها في الحقيقة اعتبارات عدة نجملها في ما يلي: – أولها أن مالك بن نبي، في فهمه وتمثله للثقافة الإسلامية في أبعادها الإنسانية والعالمية، لم ترق لا لمثقفي التيار القومي ولا لمثقفي التيار الإسلامي آنذاك، فبقيت محاصرة، أوعلى هامش الفعل السياسي. ثانيهما أن مالك بن نبي لم يقرأ جيدا وبموضوعية، لا في زمن فكره – يقصد بذلك زمن ثورات العالم الثالث القومية والوطنية – ولا في الزمن اللاحق – أي زمن الثورة الإسلامية والصحوات الإسلامية الجديدة -. ثالثهما أن مالك بن نبي، يمثل ثقافة عالمية توليفية متمحورة حول الإسلام وصادرة عن عملية استقراء تام للقرآن الكريم. وفي ضوء تراكم معرفي شمولي ورصد اجتماعي للواقع، فبن نبي يملك عبر هذه الخاصية فرادة يمتاز بها عن غيره في تاريخ التجربة الفكرية التي عاشها المسلمون في نهضتهم. وقد كانت منطلقاته هي هذا العالم بما رحب من علاقات بين الشرق والغرب، ومن منظومات قيم حضارية وامتدادات في التاريخ والثقافة والوعي الإنساني، انعكس على عناوين وصفحات كتبه ومقالاته، فمن "وجهة العالم الإسلامي" إلى "شروط النهضة" و"ميلاد مجتمع شبكة العلاقات الاجتماعية" و"مشكلة الثقافة" إلى "الفكرة الإفريقية – الأسيوية" و"المسلم في عالم الاقتصاد" و"الصراع في البلاد المستعمرة" إلى تدوين تجربته التي ضمها في كتاب "مذكرات شاهد للقرن" شكل مالك بن نبي رحلة فكرية ضجت بجدل أفرزته الوقائع السائدة في هذا العالم المنقسم عمليا إلى مستعْمِر ومستعْمَر ما أدخله في ضرورات منهجية، لتحديد طرفي المشكلة المعاصرة الكبرى، بغية البحث عن مخارج معقولة، بعيدا عن الخناقات الفكرية، ويظهر أنه لم ينقلب على صبغته الإسلامية من أجل أن يمتد نظره إلى واقع الفكر العالمي، كما أن العكس لم يحصل. بالنظر إلى النزعة التجريدية التي نراها في أكثر الصياغات الفكرية الإسلامية، فإنها لم تكن قادرة على حجب مالك بن نبي صراحة عن الدخول في بحث وقائع حية ومعاشة في العالم الإسلامي، ومنها على سبيل المثال قضايا تتعلق بشؤون التعليم، التربية، التنمية والبيئة... وقد صاغ بن نبي اجتهاداته الفكرية متمسكا بما يسميه " الذاتية الإسلامية" التي تحتم بشكل عام على مسلم القرن العشرين استحضار المقومات العقيدية والفكرية التي صاغت وبلورت التجربة الإسلامية في التاريخ، عكس بعض الرؤى الفكرية الداعية إلى التمسك بالفكر الغربي.