بتزامن مع الجلسات العلمية التي امتدت ثلاثة أيام في الدورة الحادية والخمسين لأكاديمية المملكة المغربية، نصّبت الأكاديمية سبعة من أعضائها، من أمريكا الجنوبية، وآسيا، وأوروبا، وتخصصات متعددة تتراوح بين العلوم الإنسانية، وعلم الإدارة، والمسار التدبيري السياسي المحلي والأممي، والفلسفة، والمتاحف المختصة في التراث الإسلامي، وعلم المناخ. وبعدما اختارت لجنة خاصة عينها الملك محمد السادس الأعضاء الجدد لأكاديمية المملكة المغربية، قبل أربع سنوات، يستمر استقبال وتنصيب الأعضاء الجدد، إثر إلقائهم خطابات ترحيب في تخصصاتهم. وقد تلقّى "شارة الأكاديمية"، أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس، كل من باسكال لامي الفرنسي، دومينيك بور السويسري، لويس كونزاليس بوسادا من البيرو، وخوسي رودريكيز إليزوندو من شيلي، ولويس سولاري دي لافوينتي من البيرو، ولي آنشان من الصين، وسطيفان فيبر من ألمانيا. وشكر المسؤول الأوروبي الفرنسي باسكال لامي ملك البلاد "وأصدقاء الأكاديمية الذين ساهموا في هذا القرار"، ثم تحدث في خطاب تنصيبه حول الحاجة إلى التعامل "مع هذه القطيعة من الخيال العلمي في حياتنا، بسبب الذكاء الاصطناعي" عبر "بناء نظام حكامة عالمي للذكاء الاصطناعي". أما دومينيك بورغ، الفيلسوف السويسري والمتخصص في المناخ، فتطرق إلى الانتقال الذي حدث من التنظير للحق في المناخ إلى الحق في البيئة، الذي يعكس انتقالا من "رؤية استدامة الاستغلال"، إلى معايير لاستدامة الأحياء نفسها، مع تنبيهه إلى محدودية الأرض، وما تقوله الديموغرافيا حول تطور عدد البشر، مع استمرار التوزيع نفسه، وسبل إنتاج بطريقة أخرى، يترك الأرض قابلة للعيش لجميع الكائنات الحية التي تقطنها، بما فيها البشر الذي يجب أن يجدّد روحانيته في علاقته بالمناخ بأن يروي "حديقته الداخلية". أما السياسي لويس غونزاليز بوسادا، وزير خارجية البيرو السابق، فتحدث عن علاقات بلده بالمغرب؛ ف"نحن بلدان شقيقان؛ لأن مدينة الداخلة وإقليم إيكا تجمعهما وثيقة تعاونية وعلاقات دقيقة". واهتمت كلمة غونزاليز بوسادا بموضوع الديمقراطية والدكتاتورية في "أمريكا اللاتينية التي تعرضت لأزيد من مائتي محاولة انقلابية، بعضها نجح وبعضها فشل، وأدت إلى عدم استقرار، وفترات فيها اضطرابات في قارتنا، تقدمنا إلى الأمام وانتهى عدد الانقلابات، لكن لا تزال بعض الديكتاتوريات تقاوم الانتقال الديمقراطي، وأقدمها كوبا القائمة على الحزب الوحيد منذ 77 عاما (...) علما أن الدكتاتورية طويلة الأمد تؤدي إلى الخوف والإرهاب والترهيب (...) ونيكاراجوا التي استمرت ديكتاتوريتها 34 سنة، مع أورتيجا وزوجته نائبة الرئيس، وفر ما يقرب من مليون نسمة من ديارهم بسبب هذا (...) وفنزويلا البلد الثري، المتوفر على أول احتياط للنفط والغاز في العالم، لكنها سقطت في الهاوية، وثمانون بالمائة من سكانها فقراء (...) واليوم تشبه مستعمرة أمريكية جديدة، ويقرر الرئيس ترامب عدد البراميل التي يمكنها بيعها، ولم أر في حياتي مثل هذا؛ فقد صارت محمية أمريكية (...) أما بوليفيا فقد وضعت حدا لنظام لم يكن دكتاتورية، ولكن حكومة الاشتراكي إيفو موراليس تحكمت في كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ولم تحترم الفصل بين السلطات والتمييز بين الاختصاصات". وتابع العضو الجديد لأكاديمية المملكة المغربية: "من المهم لبناء مجتمعات حرة وديمقراطية تحترم حقوق الإنسان، أن نكفل المبادئ الأساسية وإلا نكون نظاما ديكتاتوريا مهما كانت الشعارات، فالقرد قرد مهما كان لباسه (...) وأمريكا الجنوبية، بثلاثة استثناءات، تتقدم نحو الديمقراطية، ونحيي المغرب الملكية الدستورية التي تحترم الحقوق الأساسية على غرار المجتمعات الحرة الأخرى، ونحن سائرون نحو المسار الصحيح". المحامي والجامعي والدبلوماسي الشيلي خوسيه رودريغيز إليزوندو استحضر تشخيص بابوَين لكون العالم "يعيش حربا عالمية ثالثة مجزأة"، مردفا: "هي مرحلة انتقالية سمتها انعدام الاستقرار البنيوي، بسبب الحروب وتشرذم العولمة، والانتقال من نظام نعرفه إلى نظام عالمي جديد لا نعرفه (...) وهو ما ينتج عنه تشرذم العمل الدبلوماسي (...) ولا يقين متزايد، وسير النظام الدولي نحو أطراف متضاربة؛ وحرب أوكرانيا وإيران، تعطينا صورة عن القادم من الأيام". ثم تابع: "حكومة الولاياتالمتحدةالأمريكية الحالية تلعب دورا كبيرا في هذا (...) وكذب التطور الجيو-سياسي في القرن الحادي والعشرين، حديث نهاية التاريخ (...) مع هشاشة الديمقراطيات، وقدرة الديكتاتوريات على الصمود (...) والانتقال من توازن الرعب بفعل السلاح النووي، إلى رعب غير متوازن (...) مما يؤدي إلى انتقال مستمر للعلاقات الدولية من الدبلوماسية إلى القوة". الأكاديمي والطبيب لويس سولاري دي لا فوينتي، الذي شغل منصب الوزير الأول، ووزير الصحة، بدولة البيرو، اختار في ظل العالم المضطرب التذكير بأن "الأخوة حجر زاوية الإنسانية، ولو أن هذا قد يبدو غريبا في سياق دولي مثل الذي نعيشه"، مضيفا: "هذا بالضبط هو وقت مثل هذا الحديث ... في ظل بربرية، وإبادةٍ، نحتاج الأمل (...) وضرورة أن تكون الأخوة في السياسة التعليمية، لتبقى جزءا من الإدراك والتفكير النقدي كذلك". أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بيكين الصينية لي أنشان، المتخصص في التاريخ الإفريقي، تحدث عن أن تملّك صفة "الحضارة" واعتبار الآخر بربريا أمر عابر للتاريخ؛ فوفق التدوينات "المصريون اعتبروا الحضارات غير المصرية غير متحضرة، والهنود اعتبروا أنفسهم مركز العالم، والصينيون قالوا عن الآخر بربريا، والإغريق اعتبروا البرابرة من ليس منهم، والأفارقة اعتبروا البيض خارجين عن المعتاد، وقال نيلسون مانديلا إن أول عنصري عرفه هو جدته التي كانت ترى البيض وعيونهم الزرقاء شيئا خارجا عن الطبيعة". ووقف آنشان عند التمظهر الحديث والمعاصر لهذا التوصيف وأثره: "الرأسمالية والاستعمار قسما في الزمن الحديث بين الحضارة والبرابرة الذين يحتاجون التحضير (...) ونجد إحصائيا أن من يسمى الأكثر تحضرا ينتج البقايا المضرة بالمناخ أكثر، ويزيد عدد الانتحار في صفوفه، ويتطور تصنيع الأسلحة، وطرق الأذى للآخر، مثل الحرب العالمية لأولى التي كانت نتيجتها 21.5 مليون قتيل، والحرب العالمية الثانية: 130 مليونا". وتوقف الأكاديمي الصيني عند "تجربة حضارية متشابهة بين الصين، والقارة الإفريقية (...) ففي العلاقة مع الإمبرياليين، قمعت تمرداتهم للانعتاق، وجرى تقسيمهم (...) وفي القيم الجماعية تشابه أيضا، باحترام الكبير سنا، والإيمان بدور الطريق الأوسط بدل مبدأ الرابح يأخذ كل شيء، والتعلم المتبادل، واستيراد المعارف الجديدة (...) وما يقدمه مثال الصين، هو أن الدول الأكثر فقرا يمكن أن تنهض، بدون قهر ولا احتلال للآخرين، ولو أن ساكنتها ضخمة، ولو أن خصائصها اشتراكية"، ليخلص إلى أن "الاحترام المشترك أساس للنهوض"، مع ضرورة "تعدد الأطراف، والعمل من أجل نظام عالمي عادل". كما نُصِّب عضوا لأكاديمية المملكة سطيفان فيبر، مدير أكبر متحف للفنون الإسلامية في العالم ببرلين الألمانية، وهو باحث متخصص في الثقافة المادية، وتعلم اللغة العربية خلال مقامه وبحثه في دمشق السورية، وذكر في خطاب تنصيبه أن من أدوار المتحف "ترجمة اللغة البصرية غير المألوفة، في أمور من بينها المعمار (...) فالزائر الذي تكون الأعمدة الرومانية مألوفة لديه لا يجدها غريبة، لكن تغيب عنه لغة بصرية لمبان إسلامية فينبغي أن نفسر له لغتها". ولا يقدر فيبر أن للمتاحف دورا ترفيهيا فقط، بل "هناك خطر علينا في الميدان، وتحديات في المجتمع"، وقدم مثالا بخطابات مؤامراتية إعلامية وغيرها؛ مردفا: "هي فاعلة ضد طريقتنا في التفكير"، بشيطنتها للإسلام والإبداعات الإنسانية مثلا. وهنا تلعب المعروضات المادية دور "دليل دامغ على حضارة مثلا، وعلى تلاقحها، ضد أي أحد يبني آراءه من غير أساس". وتابع مازحا: "المتحف طريقة في الإفهام؛ فنبين مثلا أنه لا يوجد ألفيس بريسلي بلا عود قادم من الشرق الأوسط، ولا توجد أم كلثوم بلا آلات وترية أوروبية (...) هكذا تطرح الأشياء، وتبين الشبكات (...) لتقوية الهويات المركبة، فمن يعرف أن ثقافته مرتبطة وقائمة على آخرٍ، يجعله هذا أكثر مقاومة للمواقف المتطرفة (...) ولذلك نبرز أن الآثار في الثقافات ليست تأثير دولة على دولة، بل أثر أناس، بشر، هجرات عبر التاريخ، وتبادلات، وحركة ... فهي حكايات علينا سردها، والهجرة أم كل الثقافات (...) لإعادة تأطير السردية".