سحب مالي الاعتراف بالجمهورية الوهمية يعيد ترتيب الأوليات في القارة الإفريقية    الأغلبية البرلمانية تختار ياسين عكاشة رئيساً جديداً وتعلن تعبئة لتسريع الإصلاحات    إيقاف لاعب الجيش الملكي زين الدين الدراك 3 أشهر بسبب نتيجة تحليل منشطات    فعاليات اليوم الأول من الزيارة الرسمية لوفد جماعة القصر الكبير إلى مدينة لاغوس البرتغالية    لفتيت يشرف على اتفاق مغربي- بولوني لتعزيز التعاون في قضايا الهجرة وأمن الحدود        غياب حكيمي عن قائمة المرشحين لجائزة أفضل لاعب إفريقي في الدوري الفرنسي    أربعينية تنهي حياتها بمدينة القصر الكبير    بورصة الدار البيضاء تغلق على ارتفاع    ضربة موجعة للنظام الجزائري: مالي تعلن دعمها الصريح لمغربية الصحراء وتسحب اعترافها ب"البوليساريو"..        4 حكام مغاربة في القائمة النهائية لمونديال 2026    الكتابة الإقليمية بتارودانت تعقد دورتها الأولى للمجلس الاقليمي    باكستان تحتضن مفاوضات حاسمة بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب وسط أجواء من الشكوك والتصعيد    كأس العالم 2030 يعزز التعاون القضائي بين المغرب وإسبانيا والبرتغال    تشديد شروط الولوج وتوسيع الاختصاصات وتعزيز الرقابة المهنية.. هذه تفاصيل مشروع قانون 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة    الجهوية المتقدمة في المغرب: الروية الملكية السديدة والانتقال إلى السرعة الثانية    توقعات أحوال الطقس غدا السبت    التكوين بالتدرج المهني... رافعة جديدة لتأهيل الشباب وصون الحرف التقليدية في المغرب    سعر النفط يقفز 3 بالمئة ويتجاوز 100 دولار للبرميل    تفاقم عجز السيولة البنكية إلى 176,61 مليار درهم من 2 إلى 9 أبريل    قمة مغربية بين الجيش ونهضة بركان    نشرة إنذارية.. زخات رعدية مع تساقط البرد وتساقطات ثلجية من الجمعة إلى الأحد    الحكم بسنة حبسا نافذا على 5 محتجين ضد مقلع الحجارة بقلعة السراغنة    ذهاب نصف نهائي كأس ال"كاف ".. أولمبيك آسفي يواجه اتحاد العاصمة الجزائري بطموح وضع قدم أولى في المشهد الختامي    حين تحكم الجراح.. السياسة في مرآة المشاعر        رويترز: ترامب يدرس سحب بعض القوات الأمريكية من أوروبا    الشرطة الألمانية تحقق في اعتداء على مطعم إسرائيلي بميونخ    200 مليون مسافر وأداء آمن لقطاع الطيران الصيني خلال الربع الأول من 2026    بصمة "مهرجان العلوم" في نسخته الثامنة..        حقوقيو الرباط يدينون التضييق على سكان "حي المحيط" ويطالبون بوقف خروقات نزع الملكية    شاب مغربي تحول إلى بطل الصين بعد إنقاذه لطفلة من الموت    "أرتميس 2" تقترب من النهاية .. تحدي العودة يختبر رواد الفضاء    تصعيد نقابي بتاونات.. النقابة الوطنية للصحة تعلن إنزالاً احتجاجياً ضد ما تصفه بتجاوزات مندوب وزارة الصحة        موتسيبي: ال"كاف" ملتزمة تماما بتطوير كرة القدم الإفريقية    مقتل الدبلوماسي الإيراني كمال خرازي    نقابيون ببني ملال ينددون باعتداء مدير المستشفى الجهوي على حراس الأمن ويكشفون اختلالات خطيرة في التسيير    أنفوغرافيك | تجاوزت 18 ألف طن سنة 2025.. المغرب في مقدمة المصدريين للخيار لإسبانيا        سيدي وساي – ماسة تحتضن الدورة الثامنة للمهرجان الدولي للسينما والبيئة    "شكون كان يقول" يظفر بجائزة مكناس    تفاصيل اختتام الملتقى الروائي الأمازيغي بالرباط    اليونسكو تختار الرباط عاصمة عالمية للكتاب    انطلاق عرض "نوستالجيا: صدى الأسوار" في ليكسوس بالعرائش    الجزائري سعيد خطيبي يتوج بجائزة "البوكر العربية" عن روايته "أغالب مجرى النهر"    "حماة المستهلك" يطالبون بمنع بيع مشروبات الطاقة للقاصرين وفي محيط المدارس    الكشف عن مخطوطة تاريخية نادرة تعود للقرن الرابع الهجري بالسعودية    عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب يحدّ من إجهاد كوفيد طويل الأمد    الوكالة المغربية للأدوية تحذر من مكملات شائعة للتنحيف قد تسبب اضطرابات خطيرة    المدرسة العتيقة تافراوت المولود تنظم ندوة علمية وطنية تحت عنوان " السيرة النبوية منهج متكامل لبناء الإنسان وتشييد العمران "    دراسة: الذكاء الاصطناعي يشخص سرطان الحنجرة    في يومها العالمي : الرياضة .. تُنقذ الأجساد وتُهذّب الإنسان    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد عابد الجابري : فكر ونقد
نشر في هسبريس يوم 04 - 05 - 2014

الفكر والنقد كلمتان متشابكتان لا تقوم إحداهما إلا على ركائز الأخرى؛ فإثارة معظم الأشياء عن إحداهما يقودنا مباشرة إلى استحضارهما معا في ذهننا بلا قيود، لما لهما من اتصال دائم مادامت الحواجز التي تعرقل عملية الجمع بينهما منعدمة؛ فهي تدخل في دائرة المستحيلات أصلا، مما يجعل الجمع بينهما جمعا محتوما على هذا الأساس؛ حيث تجتمع دلالة كل واحدة منهما من حيث بنائها وأبعادها لتكمل الأخرى، لتكوين صورة مماثلة ومطابقة لكلتيهما معا في نفس الوقت و في مجالات متعددة، ولتشكلا في نهاية الانصهار بينهما وحدة موحدة أو نسقا مركبا لا يمكن استيعاب كنهه وحيثياته في حالة إغفال جزء من فحوى تركيباته المكونة له و المُسَاهمة في بنائه؛ فنحن إذن إزاء مسألة واحدة وليس مسألتين – فكر ونقد –، لذا لا داعي للتمييز أو الفصل بينهما ابتداء في سياق ما نحن بصدد دراسته في هذا المقام بمناسبة الذكرى الرابعة على رحيل المفكر والفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري(1936 - 2010 م) رحمه الله الذي توفي عن عمر يناهز 75سنة
حسب تصورنا، أضحى من اللازم علينا الجمع بين الفكر والنقد أثناء حديثنا عن الجابري الذي احتل مكانة مهمة في الحقل الثقافي العربي-الإسلامي، من خلال حضوره في مواقع ومواقف فكرية متعددة لا يمكن حصرها بحكم تنوعها، وربما يوافق ما ذكرناه توجهه المماثل لمنبره المجلة الثقافية الشهرية "فكر ونقد"؛ التي كان رئيس تحريرها قبل وفاته.
الجابري صاحب مشروع فكري متكامل، ولا أحد يستطيع أن ينكر هذه الحقيقة التي تتضح صورتها لدى كل متتبع لمساره الفكري، انطلاقا من مؤلفاته التي تدخل في دائرة البحث الإبستمولوجي الموظف بالتحديد في محور الفكر العربي- الإسلامي المعاصر؛ فقد ركز في بحوثه على ما يسمى بنقد العقل العربي إلى درجة أنه عرف به، ويكفي ذكر هذا الأمر في نظرنا للإشارة إليه، كأنك تذكر مثلا المستصفى للإشارة إلى الغزالي (450 ه- 1058 م/505ه -1111م)، أو المقدمة للإشارة إلى ابن خلدون(732ه -1332 م/808ه -1382م) .
الجابري قبل أن يدخل في صميم مشروعه وضع كتابه"الخطاب العربي المعاصر"سنة 1982، ليكون بمثابة تمهيد منهجي لمشروعه على حد تعبيره؛ ثم توالت الأجزاء الأخرى من "نقد العقل العربي":"تكوين العقل العربي" ، و"بنية العقل العربي"، و"العقل السياسي العربي"، و"العقل الأخلاقي:نظام القيم في الثقافة العربية والإسلامية"، وبعد هذا كله جمع مقالاته المنشورة في عدد من المجلات في كتيبات صغيرة- مثل"المسألة الثقافية" ، "مسألة الهوية"، "الديمقراطية وحقوق الإنسان"،"الدين والدولة وتطبيق الشريعة"، "المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية"، "المشروع النهضوي العربي"...- كلها وغيرها حقيقة تدخل في سياق نقد العقل العربي، اللهم ما خصصه في موضع آخر لإثارة القضايا المغربية في مجالات مختلفة، وهذا محور آخر من كتاباته المهمة التي تحتاج إلى دراسات .
حسب تصريحات الجابري فإن منطلق فكره بدأ بمحاولة تجديد الفكر العربي – الإسلامي المعاصر، وإعادة بنائه من الداخل؛ لذلك اشتغل بدراسة محاور أساسية في ثلاثة مستويات - المستوى الأول: قراءة التراث العربي والإسلامي – المستوى الثاني : مناقشة قضايا الفكر العربي المعاصر – المستوى الثالث التعامل مع الفكر الأوروبي نقدا واقتباسا و تبيئة؛ وهذا ما يبين ما مدى القوة والإحاطة الفكرية التي يتصف بها .
الثابت أن الجابري لم يبدأ مشروعه الفكري الضخم إلا بعد مروره ببدايتين : البداية الأولى بزغت مع أطروحته عن ابن خلدون، بينما تتجلى البداية الثانية أثناء دراسته للفارابي (260ه -874 م/339ه – 950 م) وابن رشد (520 ه- 1126 م/595ه-1198 م) وابن سينا (370 ه980 م/427ه 1037م)، وفيما بعد ابن خلدون، وابن ماجة (209ه-824 م/273ه886م). وقد جمع هذه الدراسات كلها في كتابه "نحن والتراث: قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي" الصادر سنة 1980، وفي مقدمته وعد قراءه بمشروع" نقد العقل العربي"، ولم يكن لديه في ذلك الحين أي تصور لكتابه "نقد العقل العربي"، غير أن نقد العقل الأوروبي عند كانط (1724 -1804م) وديكارت (1596- 1650م) وغيرهما كان حاضرا في خاطره كما سيتبين لاحقا.
هذا ما يؤكد مرة أخرى قوة تدفق المنابع الفكرية الجابرية - منذ الثمانينات من القرن الماضي- التي تحتاج بطبيعة الحال إلى إستراتيجية للوصول إلى أهدافها غير البعيدة من النقد الإبيستمولوجي للتراث العربي .
لذا طرح الجابري أمامه جملة من التساؤلات قبل الشروع في عمله الفكري، وقد جاء على لسانه: "هل القارئ العربي الذي سأقدم له نقدا للعقل العربي يلم بقضايا التراث أم أنه يجهل عنه الكثير؟. وكيف ننقد العقل العربي من خلال التراث في حين أن القارئ العربي ليست له معرفة كافية به ؟ .
لذلك بدأ بتأليف كتاب"الخطاب العربي المعاصر"، - وقد أشرنا إلى ذلك سابقا - الذي يغلب عليه التحليل الإبيستمولوجي للثقافة العربية -الإسلامية، حتى يتقبل القارئ ما سيأتي من كتابات أخرى حول التراث .
قد يحلو للبعض أن يتساءل كيف سيؤثر الفكر الفلسفي النقدي وأطروحات الجابري على كل فئات المجتمع ؟ نعم ليس هذا هينا كما يرى معظم الدارسين؛ لأن الأفكار كما تبين تحتاج إلى قنوات للتواصل خاصة إذا كانت نابعة من صانع فكر نخبوي لكي تحقق مسعاها؛ لذا فمن الصعب تعامل كل فئات المجتمع مع مستوى فكر الجابري لأنه يخاطب الفئة المثقفة أساسا.
لكن دعونا قبل هذا كله نرى موقف الجابري نفسه، فقد كان جوابه ردا على هذا السؤال:"دعنا نصل للمثقفين أولا، وبعد ذلك سنصل إلى بقية الناس، لأن الكاتب أولا يكتب للنخبة والمثقفين الذين بالتالي سيخاطبون جمهورا من الطلاب والأدباء والشعراء، وأولئك سيخاطبون غيرهم، وهكذا ستعمم الفكرة حسب مستوى التعليم...".
فكر الجابري إذن موجه للطبقة المثقفة أساسا أو للنخبة التي لها دراية بقضايا الفكر العربي والإسلامي، ومهما بلغت درجة الفهم لفكره فإن هناك من يعارض طريقته، ومنهجه في البحث والدراسة والتجديد إلى جانب آخرين يؤيدونها بطبيعة الحال، و قد اشترط في كل من أراد الحكم على فكره، ومنهجه النقدي المتبع في نقده أن يستوعبه استيعابا شاملا؛ بحيث لا يحق له مثلا أن يقرأ فصلا من كتاب، أو فقرة منه، أو مقالة عنه، ثم يدخل معارضا أو مادحا، فهذا إنتاج رديء جدا في تقدير الجابري الذي يرى أن بعض ما كتب عنه يدخل في هذا المجال .
المهم أن الجابري يعتمد على النقد الإبستيمولوجي في دراسة الثقافة العربية – الإسلامية ، أما مدار فكره فهو"نقد العقل العربي" وليس العقل الإسلامي حتى لا يتيه الدارس المبتدئ لفكر الجابري، إذ المنهج الابيستيمولوجي وخطته التي رسم معالمها لا تسعفه لدراسة العقل الإسلامي كما فعل المفكر الراحل محمد أركون(1928 - 2010م )، بحكم تخصصه واشتغاله بالأديان؛ لذلك فهو يعتمد على مدخل اللغة لكي يحدد موضوعه الذي يريد الاشتغال عليه، وهو نقد العقل العربي لا غير كما أثبت ذلك في أكثر من موضع ...
كلام الجابري عن النقد لا يهدف أساسا إلى إبطال مذهب إبيستيمولوجي معين، أو هزم خصم إيديولوجي معلن عنه بقدر ما هو تشريح يتوخى الموضوعية، كما لا يعني أيضا أن كل نقد إبيستمولوجي لا يحمل توجها إيديولوجيا، بل يوجد في ثناياه بشكل صريح أو مضمر مع ضرورة الفصل بينهما؛ بحيث لا يجب أن يتحول الفعل الإبيستمولوجي إلى الفعل الإيديولوجي .
فالجابري كما تبين لم يستطع أن يتحرر من علاقة السياسي والإيديولوجي و الإبيستمولوجي، لأن هذا الأمر يتعلق بمسائل مترابطة يشرح بعضها بعضا رغم محاولاته للفصل بينها، لذا فإن عملية الفهم والتفهم لا يمكن أن تتم بالاستغناء على ما سبق ذكره.
فالجابري يمارس النقد الإبيستيمولوجي؛ الذي يرمي إلى فحص مرتكزات الثقافة العربية-الإسلامية المعرفية من مفاهيم وآليات وتصورات، أما هدفه من هذا كله فهو جعل التراث العربي-الإسلامي الذي يعرف بكونه - على حد تعبير الجابري - "مجموعة من الأفكار والآراء والنظريات معاصرا لنفسه ومعاصرا لنا في نفس الوقت" لبنة أساسية لتحقيق النهضة التي لا يمكن الحديث عنها بتاتا دون نقد للعقل العربي.
لكن هل هذا يكفي لتحقيق ذلك؟ ألم تكن هناك شروط أخرى لا بد من الأخذ بها ربما تجاهلها صاحبنا؟ .
لم يطرح نقد العقل العربي كأداة للتفكير أبدا منذ 1880إلى 1984م في اعتقاد الجابري؛ ففي هذه الفترة ظهرت قراءات للفكر العربي الإسلامي، منها قراءات استشراقية، وسلفية، وليبرالية إلا أنها لم ترتبط بالتراث ارتباطا نقديا بقدر ما هي تدافع عنه لمواجهة العامل الخارجي؛ وهذا لا يعكس حقيقة الثقافة العربية الأصيلة. وقد نفى المفكر اللبناني معن زيادة هذا الموقف؛ حيث ذهب إلى أن النقد بدأ منذ فترة طويلة لكنه لم يبدأ بشكل متطور كما هو حاله في كتاب "تكوين العقل العربي". أما النقد الإبيستمولوجي فقد وقع في الفكر الغربي مع ديكارت (نقد اللاهوت)، ومع لوك (1632 -1704م) (نقد للميتافيزيقا)، و هيوم (1711 -1776م)، و كانط، فلم تمر فترة من فترات التاريخ الأوروبي إلا وظهر فيها كتاب حول العقل .
على العموم، تبقى الغاية من تسلح الجابري بالمفاهيم والأدوات الفكرية النقدية الأوروبية المعاصرة ليس شكلها ولا مضمونها كما في إطارهما المرجعي الغربي، بل المهم في تقديره الوظيفة الإجرائية التي يمكن أن تؤديها أُثناء دراسته للتراث العربي، وهذا الأمر صائب ولكن إلى أي حد يمكن القول بأن الجابري نجح في أداء هذه المهمة بالشكل المطلوب؟
ففكر الجابري إذن يهدف في عمقه - من خلال نقده الإبيستمولوجي - إلى كسر مكونات العقل المكوّن الذي تكون في فترتين: فترة عصر التدوين؛ أي العصور الذهبية للدولة العربية الإسلامية ثم عصر الانحطاط ؛ من خلال عملية خلخلة، وتحريك للثوابت قصد فسح المجال لأشياء جديدة؛ أي تحريك العقل العربي ليأتي بالجديد .
هذه الخلخلة بطبيعة الحال كما يؤكد الجابري هي خلخلة من أجل البناء لا من أجل الهدم، (كسر الدوغمائية أي الأفكار الواحدية القاطعة) ولا يمكن أن تتم هذه العملية بشكل واضح إلا من داخل هذا العقل العربي- الإسلامي والثقافة العربية- الإسلامية والفكر العربي- الإسلامي .
"وعندما يفرض النقد نفسه كخطاب يعلو على جميع أنواع الخطاب الأخرى، فارضا سلطته عليها، فإن ذلك دليل على أن الأمر يتعلق بمرحلة انتقالية، مرحلة يتم فيها تصفية الحساب مع القديم لفتح المجال أمام جديد". ومن دون شك فإن هذا الكلام الذي أوردته مجلة فكر ونقد في مقدمة عددها الأول يدل على اتجاهها، لذلك لابد من إعمال الفكر حين ممارسة النقد الذي هو سلاح ذو حدين (بناء – هدام) والعكس صحيح.
وعليه، فلم يسلم صاحب المشروع الفكري "نقد العقل العربي " من نقد بعض المفكرين في العالم العربي والإسلامي لإنجازاته الفكرية، كفتحي التريكي، و أدونيس، وطه عبد الرحمن، وطيب تيزني، الذي ألف كتابا في نقد فكر محمد عابد الجابري أسماه «من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية»، بينما استغرق جورج طرابشي ما يقارب ربع قرن لتأليف كتابه النقدي "نقد نقد العقل العربي "، وبناء عليه ربما سيظهر "نقد نقد نقد العقل العربي..." لو كان الجابري حيا. وفي مقابل هذا الاتجاه فإن بعض رواد الفكر العربي والإسلامي رحبوا بفكر الجابري ومنهجه، واعترفوا بأهمية مشروعه الفكري الضخم .
لا يفوتنا في هذا السياق أن نذكر أن تأليف الجابري لمؤلفه "مدخل إلى القرآن الكريم"، أدّى إلى إثارة ضجة عارمة في العالم العربي والإسلامي؛ نظرا لقداسة القرآن الكريم، رغم كون فحوى كلامه ونقده كله منقول من التراث، ولم يأت بجديد كما يرى البعض .
لكن بعض أقواله كما يلاحظ الكثير غير مقبولة، ويصعب التصريح بها أمام مرأى ومسمع المسلمين، فكيف يقبل منه نفيه مثلا أمية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ؟. وهذا يحتاج في الحقيقة إلى إعادة النظر لمعرفة الأسس التي استند الجابري إليها قبل إصدار هذا الحكم؟
لم يقتصر صاحبنا على هذا الأمر فحسب، بل قال إن المسلمين يقرؤون القرآن بالمقلوب، أي حسب ترتيب جمعه وليس حسب ترتيب نزوله، وهذا ما جعل المفسرين في نظره يقعون في أخطاء لعدم مراعاتهم ما يسمى بأسباب النزول التي تستدعي الإحاطة بالظروف.
أما قوله بأن ثمة آيات لم تدرج في المصحف بل سقطت، فقد أدى إلى غضب فئات عريضة من المجتمع الإسلامي عامة، سيّما عندما أنهى كلامه بالحكم بتحريف القرآن، واعتبر الشاهد في ذلك رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حيث قالت إن « شاة أكلت بعض آيات من القرآن كانت تحت سريرها ». فأي حكم هذا ؟ ألا يعلم بأن من خصائص القرآن أنه كلام الله المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم المنقول إلينا بالتواتر، وأن القرآن فوق الفكر البشري النسبي؟ .
دفاعا عن نفسه، و ردا على كل المنتقدين، ذكر أولا أن القرآن كتاب مقدس، وثانيا أن الأخبار التي ذكرها و المقتبسة من كتب التراث إنما كان ذلك على سبيل المعرفة فحسب، وهذا الكلام في تقديري يحتاج إلى بيان وتوضيح .
لا أعلم لحد الآن لماذا يقصد الجابري إلى استعمال أدواته النقدية، وتطبيقها في النصوص الدينية المقدسة، مثلما وقع في أوروبا على الكتب المقدسة التوراة والأناجيل، وهو يعلم بدون ريب النتائج التي سيسفر عليها عمله هذا، أم أنه أراد أن يسلك الطريق الذي اتبعه سبينوزا(1632-1677م) في رسالته الشهيرة "رسالة في اللاهوت والسياسة"؟ ألا يفصل الجابري في نقده بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافات الأخرى، وهو الذي دعا إلى ضرورة الفصل بينهما ؟ وما هي حدود النقد الإبيستمولوجي عنده وعند المثقف المسلم عموما ؟.
مهما بلغت درجة الانتقادات الموجهة لفكر الجابري فإنها في مجملها لا تبخس شيئا من جهوده النقدية المبذولة لخدمة الفكر العربي والإسلامي المعاصر ولا تقلل من أهميته، وهذه حقيقة لا ننكرها، فنحن لا نسعى إلى التقليل من قدر فكر الجابري وأمثاله، وليس هذا دفاعا عنه بذلك الشكل الحماسي غير المعقلن كما يحب أن يطلقه البعض على مثل هذا الكلام، فنحن نتفق معه في رؤى كثيرة، ونختلف معه أيضا في بعض مواقفه خاصة التي يمكن أن تمس النصوص الدينية المقدسة بشكل سلبي .
جماع القول، لقد استفدنا من فكر الجابري ومواقفه الشيء الكثير، وما زلنا بدون مبالغة نبحر في عالمه المليء بالنقد الإبيستمولوجي للعقل العربي- الإسلامي الذي يسعى إلى تحليله، و مازلنا نكتشف في مؤلفاته العديدة كل ما يدفعنا صراحة إلى طرح جملة من الأسئلة، وإعادة التساؤل ، حتى يغدو النقد الإبيستمولوجي حاضرا في كل القراءات للتراث العربي والإسلامي .
ففكرنا إذن في أمس الحاجة إلى النقد من جديد لاكتشاف كل ما هو محجوب عنا رغم ما قيل عنه، مع ضرورة معرفة حدوده في نظرنا حتى لا نقع فيما لا تحمد عقباه .
فليس سهلا أن نتبع النقد الذي ينصب في دراسة أدوات التفكير، وآليات الإنتاج المعرفي لتحقيق النهضة كما أراد الجابري الذي رحل عنا تاركا وراءه إشكاليات عظمى، وقضايا شائكة كثيرة الجوانب،ومتشعبة المسالك بلا حدود، كما ترك لنا أسئلة محيرة كان ورائها تحتاج إلى وجهات نظر، ومواقف فكرية جريئة تقف دائما صامدة، ومعلنة في كل أحوالها الثابتة والمتغيرة حضور الفكر النقدي الثاقب، والقول الفلسفي الأصيل .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.