استبشر القائمون على الشأن السياسي والاقتصادي بالمغرب،خيرا بخبر تراجع الأسعار العالمية للنفط، نظرا لما له من تأثير إيجابي على ميزانية الدولة وعلى أسعار المحروقات في المغرب، غير أن هذا ذات المعطى يمكن أن يحمل في طياته أنباء غير سارة على المدى المتوسط اعتبارا لكون عدد من التحليلات الاقتصادية الدولية بدأت تتساءل عن مصير الاستثمارات الخارجية خلال الظرفية الاقتصادية المواكبة لهذا التراجع في قيمة الذهب الأسود. ويعتبر المغرب معنيا بهذا المستجد باعتباره من أكثر الدول استقبالا للاستثمارات الخليجية التي وصلت قيمتها بالمملكة إلى 44 مليار درهم، في حين تطمح الرباط لاستقطاب 1042 مليار درهم بحلول سنة 2024.. غير أن تحليل اقتصادية صاغها أندريو توريشا، الخبير المالي، إلى جانب زميله دافيد فرانش، توقعت أن تلجأ الصناديق السيادية لدول الخليج إلى سحب عشرات الملايير من الدولارات من استثماراتها الخارجية، وذلك لمواجهة تراجع أسعار النفط على المستوى الدولي. ومن ذات المنظور يغدو المغرب معنيا بإمكانية سحب الخليجيين لاستثماراتهم، خصوصا وأن البلاد أصبحت تستقبل سنويا ما بين 5 و30 في المائة من مجموع أموال بلاد النفط في الشرق الأوسط، وفي العام الماضي حظي بما يفوق 15 في المائة من استثمارات البترودولار، كما أن شركات خليجية كبرى أصبحت حاضرة ضمن الأسواق المغربيّة وبعدد من المجالات. ذات التعاطي بسحب الأموال الموجهة للخارج بنية الاستثمار لا يقرن بالمدى القصير من لدن الخبراء، وهذا لإمكانية صناديق دول الخليج مواجهة تراجعات أسعار النفط خلال السنوات القليلة المقبلة.. وعلى سبيل المثال فرأسمال الصندوق السعودي السيادي يفوق 20 ألف مليار درهم حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، وقوة ذات الصندوق السيادي السعودي هي التي وقفت وراء الثقة التي تحدث بها وزير البترول من الرياض وهو يعلن بلده قادرة على الاستمرا بنفس مستوى إنتاج النفط ولو بلغ سعره 20 دولار للبرميل. ويبرز استثمار خليجي متميز يعول المغرب كثيرا على جلبه، وهو يهم صندوق "وصال" للاستثمار الذي تساهم في جميع دول مجلس التعاون الخليجي.. إذ يعد مصدرا لتمويل مشاريع عملاقة بالمملكة من بينها إعادة التأهيل الحضري لمدينة الدارالبيضاء، والمساهمة في تهيئة مدينة الرباط، "غير أن تراجع أسعار النفط بنسبة 60 في المائة، خلال الأشهر السبعة الماضية، يمكن أن يؤثر على مدى التزام دول الخليج بمساهماتها المالية في هذا الصندوق" وفق توقعات المحللين الإقتصاديين توريسا وفرانش. وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن استقرار سعر النفط في حدود 60 دولار للبرميل سيسجل عجزا في ميزانيات دول الخليج ب60 مليار دولار، وهو الأول من نوعه منذ 17 سنة، واستمرار تراجع الأثمان سيدفع الخليجيين إلى استعمال بعض رؤوس الأموال الكائنة بالخارج من أجل تغطية الخلل. مجلة "ذَا إيكونوميست" البريطانية اعتبرت أن المالي العجز الذي ستسجله دول الخليج سيبقى محدودا مقارنة مع ضخامة الصناديق السيادية التي تتوفر عليها، زيادة على أموالها بعدد من بقاع العالم، موردة أن المملكة العربية السعودية، مثلا، تتوفر على ما مجموعه 7000 مليار درهم في الخارج بارة عن أسهم في أو ودائع بنكية، ما يجعلها متوفرة على سيولة كافية لصد أي عجز بميزانياتها يسفر عنها تقهقر قيمة برميل البترول.. أما بالنسبة لكل من دولة الإمارات العربية المتحدة، وكذا الكويت وقطر، لها القدرة على مواجهة التقلب المرصود أكثر من الرياض، وذلك للأرباح التي تتحقق بأداء الصناديق السيادية وهي تتخطّى ال20 مليار دولار سنويا. ويظهر أن اقتصاديات عموم دول مجلس التعاون الخليجي لن تعرف ارتجاجات قوية بمفعول السومة الحالية لبراميل النفط، خصوصا على المدى القريب، حيث أن مخزون الاحتياط المالي ومردودات الصناديق السيادية لن يمس ملايير الدولارات الخمسة التي سيحصل عليها المغرب من دول الخليج، كهبة، ويبقيها بعيدة عن أي تغيير قد تمليه تغير "السياسات القادمة من المشرق".