الأمن يقبض على متحرش في مراكش    خبراء وإعلاميون يبرزون دور "الرياضة في خدمة القضايا الوطنية"    البيان الختامي لملتقى الأخوة الإنسانية    الدوري البلجيكي: زكرياء الواحدي يمنح جينك الفوز أمام سانت تروند (1-0)        فرنسا تعلن توقيف شقيقين مغربيين للاشتباه في "مخطط إرهابي"    حادثة سير خطيرة بحي المنار بمدينة العرائش... دراجة ثلاثية العجلات تصدم مسنًّا والسائق يفرّ من المكان    تفاهة الشر وعالم يتعلم القسوة    البابا ينتقد أولئك الذين يستغلون الدين لشنّ الحرب    إفطار جماعي وأمسية روحانية لفائدة نزيلات المؤسسة السجنية تولال    الانتخابات البلدية الفرنسية.. تقدم ملحوظ لليمين المتطرف قبل الانتخابات الرئاسية السنة المقبلة    ميناءا طنجة والدار البيضاء ضمن أفضل الموانئ العربية في الربط الملاحي العالمي    نتانياهو يسخر من "شائعات تصفية"    الدار البيضاء.. فاطمة الزهراء اليومي تفوز بالجائزة الأولى للمسابقة الوطنية لحفظ القرآن الكريم لفائدة أبناء وأيتام أسرة الأمن الوطني    قاطرات صينية جديدة تعزز السكك الحديدية المغربية... تحديث أسطول الديزل وتطوير خط فاس–وجدة    شركات النفط في المغرب تبدأ موجة زيادات جديدة على خلفية ارتفاع البرميل إلى 100 دولار    الرئيس ترامب يستبعد أي إمكانية لوقف إطلاق النار مع إيران في هذه المرحلة    إبراهيم دياز يحتفل بمباراته ال150 مع ريال مدريد    كرة القدم .. تعيين المغربية لمياء بومهدي مدربة للمنتخب الأردني للسيدات    زيادات تصل إلى درهمين في اللتر.. أسعار المحروقات ترتفع بالمغرب    البوليساريو ودعم الجزائري والاتهامات والارتباط بإيران... كيف بدأ الكونغرس الأمريكي التحرك لفرض عقوبات على الجبهة؟    ميزان الحسيمة يكرم نساء رائدات في أمسية رمضانية عائلية    استحقاقات 2026 لحظة سياسية حاسمة لتقييم المسار التنموي وتصحيح اختلالاته    الكتابة الإقليمية بالمحمدية تحتفي بالمرأة الاتحادية وتناقش آفاق هيكلتها التنظيمية    شكايات حول مبيدات مغشوشة بحقول الشمال تدفع وزارة الفلاحة إلى التحقيق    رحيل الإعلامي جمال ريان بعد مسيرة حافلة امتدت لأكثر من خمسة عقود    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية مرتقبة من الثلاثاء إلى الأربعاء    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين    السماح لمعتقل حراك الريف محمد حاكي بحضور جنازة والده بالحسيمة    850 قتيلا في لبنان منذ اندلاع الحرب    الجيش الملكي ونهضة بركان يفشلان في استغلال عاملي الأرض ويعقدان مهمتهما قاريا    رحيل صاحب «الوعي الأخلاقي» .. هابرماس.. آخر الكبار الذين حملوا إرث مدرسة فرانكفورت النقدية    القائمة الكاملة للمرشحين لجوائز الأوسكار 2026    مكناس…لقاء بمكناس حول"التجربة المغربية في العمل التطوعي"    أهمية تدريس اللغة الأمازيغية داخل صفوف الجالية المغربية في بلجيكا    تأجيل سباق قطر للدارجات النارية بسبب الصراع في الشرق الأوسط    لشبونة.. معرض "ذاكرات حية" لإيمان كمال الإدريسي انغماس في ذاكرة المرأة الإفريقية    لقاء يحتفي ب "صمود المرأة القصرية"    الملك محمد السادس يجدد تضامن المغرب مع الإمارات ويدين الاعتداءات الإيرانية    ارتفاع نسبة ملء سدود المغرب إلى أكثر من 71 في المائة    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح        من إيران إلى الجزائر... كيف اختار المغرب المواجهة الدبلوماسية مع خصومه؟        في حضرة "البام".. مهنيون يفككون واقع وأعطاب المنظومة الصحية بالمغرب    مدرب الوداد: مواجهة آسفي صعبة    قراءات قانونية في الاعتقال الاحتياطي    لا صيام بلا مقاصد    وفاة الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن 96 عاما    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران        أزولاي يستحضر بإشبيلية الجذور التاريخية لاحترام الاختلاف بالمغرب والأندلس    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    المجلس العلمي الأعلى: 25 درهما مقدار زكاة الفطر نقدا لعام 1447ه/2026م    كفير "جودة" يحسن المناعة والهضم    دراسة تبرز حقيقة القدرة على القيام بمهام متعددة    ترجمات القرآن -19- ترجمة ريتشارد بيل للقرآن.. السجع والترتيب والتاريخ!    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"الدّولةُ" ضدَّ "المُجتمَع"!
نشر في هسبريس يوم 25 - 05 - 2015

يَجُوز أن يكون ثَمّةَ مُجتمَعٌ بلا دَوْلةٍ أو حتّى ضدّ «الدّوْلة» (ﭙيير كلاستر، المُجتمَع ضدَّ الدّوْلة [1974]). ف«الدّوْلةُ» - بصفتها بِناءً قانُونيًّا ومُؤسَّسيًّا لتَدْبيرِ «الشّأْن العامّ»- لَيستْ مُلازِمةً للوُجودِ الاجتماعيّ للإنسان بما يَجعلُها ضَرُورةً أَبَديّةً، بل هي نِتاجٌ تاريخيٌّ حديثٌ جدًّا إلى الحدِّ الذي يُمْكن أن يُتوقَّع معه تعطيلُها مُؤقَّتًا (كما في البُلدان حيث تَقعُ كوارثُ عُظْمى أو تَقُوم حربٌ أَهْليّةٌ شاملةٌ ومُدَمِّرةٌ) أو زوالُها إلى الأبد (على الأقلّ كما في طُوبَى الماركسيِّين القائمة على «ﭐستبداد الكادِحين» حينما يَصيرُون طبقةً واحدةً مُشْترِكةً بالتّساوِي في كل شيءٍ و، أيضا، عند "الفَوْضانيِّين" المُناهِضين لكُلِّ أنواع "الاستبداد" و"التّسلُّط").
لقد أَدّى بِناءُ «الدّوْلة الحديثة» في الغرب إلى تَرْسيخ فكرةِ أنّ الخُروج من «حالةِ الطّبيعة» (المُهدِّدة لحياة الإنسان ومَصالحه) لا سبيل إليه من دون «الدّوْلة». ذلك بأنّ تَأْسيسَ «مَشْرُوعيّة الدّوْلة» عند مُفكرِّي وفلاسفة العصر الحديث لمْ يَنْفكَّ عن مُعايَنةِ واقع الحُروب والتّهْديدات كما ظَلّتْ تَعيشُه أُوروبا خلال العصر الوسيط، وكما ﭐستمرّ مُرْخِيًا بظلاله على مُجتمعاتها إلى ما قُبيل قيام «الدّوْلة» وتَمكُّنها. لكنْ، يُلاحَظ أنّ أُولئك المُفكِّرين لم يَفْعلُوا سوى أنْ أَعْلَوْا ذلك «الواقع التاريخيّ» في صورةِ «ﭐفْتراضٍ خياليٍّ» أُريدَ به إيجادُ «أَساسٍ عَقْليٍّ» لبِناءٍ يبقى، بالضّرورة، مَشْروطًا من النّاحيتَيْن الاجتماعيّة والتاريخيّة.
وعلى الرّغم من الِﭑتِّجاه العامّ نحو تَبْريرِ «مشروعيّة الدّوْلة» بالاستناد إلى فَرضيّة «حالة الطّبيعة»، فإنّ هناك بعض الفلاسفة الذين ﭐنْفردوا بتَصوُّراتهم الخاصّة لها إِمّا بجعلها حالةَ خَيْرٍ وطيبُوبةٍ مُطْلَقَيْن (رُوسو) وإمّا بالنّظر إلى «الدّوْلة» كنِتاج للصّيْرورة الطبيعيّة للبَشر في ﭐنتهائها إلى حالةِ «المُجتمَع المَدَنيّ» بما يَقتضي جعلَ «الدّوْلة» في علاقةِ تَشارُطٍ مع «المُجتمَع» (هيغل). ولهذا، فإنّ قيامَ «الدّوْلة الحديثة» - في ﭐرتباطها بالسّيْرُورة التّنْظيميّة والتّدْبيريّة المُسمّاة ب«التّرْشيد»- يُطْلَب فيه تَجْميعُ «إمْكانات ﭐستعمال العُنف الماديّ المشروع» بين يَدَيْ التّجمُّع السِّياسيّ والمُؤسَّسيّ الذي أَصبح يُسمّى «الدّوْلة» (ماكس ﭭيبر).
وما ينبغي الانتباه إليه هو أنّ ﭐعتبارَ «المُطالَبة بﭑحْتكار ﭐستعمال العُنف الماديّ المشروع» خاصيّةً مُميِّزةً لحقيقةِ «الدّوْلة» يُوجب تَأْكيدَ أنّها تبقى «مُطالَبةً» تُواجِه – بهذا القَدْر أو ذاك- «مُناهَضةً» من قِبَل «المُجتمَع» الذي هو موضوعٌ لكُلِّ التّفاوُتات والنِّزاعات المُرْتبطة بإمكانات العُنْف المُختلفة. وبالتالي، فإنّ «الدّوْلة» – بما هي «مُطالَبةٌ بﭑحتكار ﭐستعمال العُنف الماديّ المشروع»- تُمثِّلُ مشروعًا نَقِيضيًّا: إرادة تَجْميع «إمكانات ﭐستعمال العُنف الماديّ المشروع» يَصْحَبُها العجزُ الأكيدُ عن تَصْريف أنواع «العُنف الفِعْليّ» من دُون التّوسُّل المَنْهجيّ بالعُنف المادّيّ والرّمزيّ (بُورديو).
لا تَقُوم «الدّوْلةُ»، إذًا، ضدَّ «المُجتمَع» فقط لأنّها تُمثِّلُ ﭐستبدالَ «الضّرُورة الِﭑصْطناعيّة» مكانَ «الضّرُورة الطبيعيّة»، بل أيضًا لأنّها تُجسِّدُ تَنْزيل «المِثال» (ما يجب أن يَكُون: ﭐجْتثال العُنْف وضمان السِّلْم والأمن) في أرض «الواقع» (ما هو كائنٌ بالفعل: أشكالُ «التّفاوُت» وعلاقاتُ «التّنازُع» في المُجتمَع). وأكثر من هذا، فإنّ هُناك دائما ﭐحتمالَ أن تَشتغل (أو تُشغَّل) «الدَّوْلةُ» – بما هي تنظيماتٌ قانونيّةٌ وأجهزةٌ مُؤسَّسيّةٌ- لخدمةِ مَصالحَ حِزْبيّة أو فئويّة بﭑعتبار أنّ أشكال «التّفاوُت» وعلاقات «التّنازُع» المُلازِمة للواقع الاجتماعيّ تُنْتِج أنماط «السِّيطرة/الغَلَبة» كما تَتعيّن في وُجود فئاتٍ من «المُسيْطِرين/الغالِبين» وأُخرى من «المُسيْطَر عليهم/المَغْلُوبين» بمُختلِف المَجالات الاجتماعيّة.
ولأنّ قيام «الدّوْلة» لا يَستلزم ﭐنتفاء «السَّيْطرة/الغَلَبة» النّاتجة موضوعيًّا وبنيويًّا من رُسوخ شُروط «التّفاوُت» وعلاقات «التّنازُع» بين مُختلِف فئات المُجتمَع، فإنّ «الدّوْلة» تَصيرُ موضوعةً في مَدار الصِّراع الاجتماعيّ والسِّياسيّ الذي يَخُوضه الفاعِلُون من أجل بُلُوغ مَواقع «السَّيْطرة/الغَلَبة». ولهذا، فإنّ «الدّوْلة» تُمثِّلُ رِهانًا أساسيًّا بالنِّسبة إلى كُلِّ ذَوِي الأطماع، بﭑعتبار أنّها تُجسِّدُ جِماع «المَوارد» و«الخَيْرات» ويَتجلّى فيها التّرْكيز العَيْنيّ ل«مَقاليد السُّلْطة»؛ مِمّا يَجعلُ المُهْتمَّ بالسِّياسة لا يَتحرّك أساسًا لخدمة «المَصْلحة العامّة»، بل يَتحرّك طَلبًا للتّمكُّن من «الدّوْلة» بما هي الوَسيلةُ الأقوى لتَحْقيق «السَّيْطرة/الغَلَبة».
وإنّ كونَ «الدّوْلة» تبقى مُرْتهنةً لاشتغالِ آليّات «السَّيْطرة/الغَلَبة» ﭐجتماعيًّا وﭐقْتصاديًّا لَيُؤكِّد ليس فقط مَحْدوديّة «الدِّمُقراطيّة»، بل يُشير – بالأحرى- إلى أَنّها تبقى «مُمْتنعةً» لأنّ آليّةَ «الانتخابات» (لإفْراز «أَغْلبيّة حاكِمة») لا تشتغل إِلَّا بالنِّسبة إلى قُوّة وحَرَكيّة المُستفيدِين (أو الرّاغِبين في الاستفادة) من واقع «السَّيْطرة/الغَلَبة»، خُصوصا في ظلِّ مُجتمعات رأسماليّة لا تَتحدّد بصفتها «حُرّةً» و«مفتوحةً» إِلَّا بقَدْر ما تكون قد بَلَغتْ الغايةَ في «التّمْييز/التّمايُز» (كتَعْيين للتّوْزيع الموضوعيّ للخَيْرات وما يَرتبط به من ﭐمْتلاك ذاتيّ لها)؛ وهو ما يَسْمَح بتَسْخير جماهير «المُواطِنين» إعلاميًّا وفِكْرَويًّا والتّلاعُب، من ثَمّ، بآمالهم في مُقاوَمة آثار «السَّيْطرة/الغَلَبة» على النّحو الذي يُضْعِف حُظوظَ «المُسيْطَر عليهم/المَغْلُوبِين» في الانْفكاك من ذلك «القَفَص الحَديديّ».
فاللّعبُ السِّياسيُّ في إِطار «الدّوْلة» يبقى - مَهْمَا زُيِّنَ بِلَبُوسِ الدِّمُقراطيّة التّشاوُريّة والتّداوُليّة- لَعِبًا مُغْلَقًا، بفعل أسبابٍ مُرتبطةٍ بمجموع «الاقتصاد الاجتماعيّ» بما هو ﭐقتصادٌ مُنْتِجٌ ومُعزِّزٌ لبِنْيات «السَّيْطرة/الغَلَبة» التي يُعادُ إنْتاجها - في الغالب- من خلال مُؤسَّسات «الدّوْلة» نفسها (بالخُصوص «المدرسة») التي تشتغل بالشّكْل الذي يَجعلُ مبدأَ «تكافُؤ الفُرَص» لا يُعبِّر عن «المُساواة» و«الإنْصاف» إِلَّا بقَدْر ما يُتجاهَل واقعُ «التّفاوُت» و«التّنازُع» على كُلِّ المُستوَيات (وهو ما يُؤكِّدُه «قناعُ الجهل» الرُّولْزيّ الذي يُفْترَض أَلَّا يُرْفَع حتّى لا يَفْتضح «لَعِبُ الدّوْلة» بصفته يُؤْتَى – بحُكْمِ ضَرُورةٍ ﭐجتماعيّة وتاريخيّة- كَلَعِبٍ «ضدّ المُجتمَع»!).
ومن ثَمّ، فلا عجب أنْ تَصير «الدّوْلةُ» - حتّى في أشدّ المُجتمَعات تَقدُّمًا- مُرتبطةً ب«تَوْسيلِ العُنْف» بكُلّ أشكاله، من حيث إِنّها لَمْ تَعُدْ فقط تتعايش مع «البطالة المُزْمِنة» وتُشرِّع «هشاشةَ الشُّغْل» وتُبيحُ «تَفْكيك الأُسْرة» وتَتنصّلُ من «نَسق القيم» وتَستسلمُ ل«نِظام المَدْيُونيّة»، بل لا تَتردّدُ عن ﭐستغلال «الإجْرام الاسترهابيّ». ولهذا، فإنّ ما عُرِف ب«سياسة الخَوْصَصة» لمْ يَكُن سوى «تَخْصيصٍ للدّوْلة» آلَ – بهذا القَدْر أو ذاك- إلى تَعْميم نموذج «الدّوْلة الفاشلة» التي تَرْزَح تحت أعباء المديونيّة وتَخضع لمُساوَمات المُقاوَلات والشّرِكات الكُبْرى بما يَجعلُها تَستقيلُ من أداء أَدْوارها في حِفْظ السِّلْم والأمن والقضاء على البطالة ورعاية «المُواطِنين» في نُفوسهم وحاجاتهم ومُمْتلَكاتهم.
وإذَا أُخذ كُلُّ ذلك بالحُسْبان، فإنّ الذين يَدْعُون إلى «الدّوْلة» في المُجتمعَات الإسلاميّة بﭑسم الحداثة العَلْمانيّة يَبْدُون غافِلين تمامًا عن ﭐمْتِساخاتِ «الدّوْلة» وتبدُّلاتها (الانتقال من «الدّوْلة القوميّة» إلى «الدّوْلة القُطْريّة»، ومن «الدّوْلة المَرْكزيّة» إلى «دَوْلة ﭐللَّاتَرْكيز»، ومن «دَوْلة السِّيادة المُطْلَقة» إلى «دَوْلة السِّيادة المُقيَّدة»، ومن «دَوْلة الرّفاه» إلى «دَوْلة الهَوَس الأَمْنيّ») بما يَضَعُهم في صَفِّ الذين لا يُبالُون بأنْ تَكُون «الدّوْلةُ» التي يعملون لها قائمةً ضدّ «المُجتمَع» ما دامتْ تُمكِّنُهم من التّخلُّص من أعدائهم الفِكْرَويِّين؛ وهو ما يُؤكِّد أنّهم لا يُريدون من «الدّوْلة» إِلَّا أن تكون وسيلةً لخدمةِ «أغراضٍ نُخْبويّة» تُتَصوَّر ك«مَصالح عامّة» على النّحو الذي يُنْسِيهم أنّ «المُجتمَع» واقعٌ موضوعيٌّ وبنيويٌّ لا يُطابق التّصوُّرات المُسْبَقة ولا يُغيَّر أَبدًا بمرسوم، وبَلْهَ أَن يُخْضَع لدولةٍ لا تستجيبُ إِلَّا لأَهواءِ أو أَطماعِ فئةٍ من الانتهازيِّين.
وعلى الرّغم من أنّه قد صار يبدو لأكثر النّاس في العالَم المُعاصر أنّ «الدّوْلة» واقعٌ قائم ومُستدامٌ على النّحو الذي يَفْرِض قَبُولَه ولو على مَضضٍ، فلا يُسْتبعَد أن تَستفيقَ البشريّة (أو ما قد يَبْقى منها) في يومٍ ما على خَبرِ أنّ كُلَّ بقاع الكرة الأرضيّة لم تَعُدْ تَشهدُ شيئًا كهذا الذي يُسمّى «الدّوْلة». ذلك بأنّ ﭐحتمالات زوال «الدّوْلة» تزداد، ليس فقط بقدر ما يَزْدادُ عملُها ضدّ «المُجتمَع»، بل أيضا بﭑحتمال حُدُوث كوارث عالميّة ماحقة كﭑنْهيارٍ مُفاجئٍ للاقتصاد العالميّ أو تعرُّض الأرض لكارثة طبيعيّة تُؤدِّي إلى تعطُّل نظام الخدمات والاتِّصالات بالعالَم أو إلى فناء مُعْظَم النّاس أو إلى قيام فوضى شاملة وعارمة على إِثْر ذلك. ولنْ يَقُول بﭑمْتناع شيءٍ مثل ذاك إِلّا مَنْ جَهِلَ كونَ نظام العَوْلمة يَحمل معه بُذُور دماره الذاتيّ أو مَنْ بَلَغتْ منه الغَفْلةُ حدَّ تَجاهُل كل الأخطار المُحْدِقة بالحياة على الأرض من جرّاء الاختلالات البيئيّة وإمكانات الانْفلات المُتعلِّقة بأسلحة الدّمار الشّامل ومُجازَفات التّجارِب السِّريّة. وحتّى لو لمْ يَقَعْ شيءٌ من ذلك، فإنّ دَيْمُومةَ الأزمة في الاقتصاد والسِّياسة على مُستوى العالَم المُعاصر تُعبِّر عن فسادٍ بِنْيوِيٍّ يَتعلّقُ بكُلِّ «مشروع الحداثة» الذي ليستِ «الدّوْلةُ» إِلَّا إِحْدى لَبِناته الأساسيّة.
وهكذا، فإنّ «وَهْمَ الدّوْلة» أصبح أَجدرَ بالتّناوُل أكثر من «وَهْم الإله» (كما في ظنِّ بعض المُطْبِقين على مُعتقَدِ «العِلْمَ-انيّة» القاضي بﭑمْتناع البُرْهان العلميّ على «وُجود اللّه») أو «وَهْم العِلْم» (كما يَهْرِفُ دُعاةُ «بعد الحداثة» أو كما يَعْرِف فُقهاء العِلْم على شاكلةِ "الفَوْضانيِّين" و"النِّسْبِيّانِيِّين"). وما يُمثِّلُ «وَهْمَ الدَّوْلة» ليس كونُها مِثالًا مُجرَّدًا يَمْتنعُ تَنْزيلُه في الواقع العَيْنيّ، بل كونُها نتاجَ «العمل البَشريّ» في تَنزُّله الضّرُوريّ بالنِّسبة إلى شُرُوطه الموضوعيّة مع نُزوعه الجوهريّ إلى التّجلِّي بكُلِّ صفاتِ الوُجود المُتعالِي والمُطْلَق. ذلك بأنّ «الدَّوْلة» يُفْترَض فيها القيام على «التّعاقُد» الدَّالّ على «الإرادة العامّة» التي تَسمُو على إِرادات الأفراد كأَغراض شخصيّة وتحيُّزات ظَرْفيّة بما يُشير إلى الاشتغال المُؤسَّسيّ والقانُونيّ المُراد له أن يَتجسّد عَمَليًّا ووَظيفيًّا في صُورةِ حِيادٍ ﭐعْتقاديٍّ وتَنَزُّهٍ خُلُقيٍّ.
غير أنّ إرادةَ جَعْل «الدّوْلة» لا تَتحقّق إِلَّا كتَدْبيرٍ سياسيّ على أساس «المُمْكِن» يَقتضي أنّ العمل البَشَريّ المُقوِّم لوُجود «الدّوْلة» يَقْبَل – بما هو إِجراءاتٌ مُنظَّمة- أن يَنْفَكَّ عن المُحدِّدات الاجتماعيّة التي تَفْرِض عليه أن يكون مُوجَّهًا ﭐعتقاديًّا ومُتحيِّزًا أخلاقيًّا. والحالُ أنّ الإصرار على طلب الحِياد بحَصْر فعل «الدّوْلة» في مَجال «المُمْكن» يَقُود إلى ﭐستبعاد «الواجب» القِيْميّ والخُلُقيّ بﭑعتباره يُمثِّلُ مجال «المُخْتلَف فيه»، مِمّا يَقْتضي أنّ التّعالِي المطلوب على مُستوى عمل «الدّوْلة» لن يَتأَتّى إِلّا كحِيادٍ شَكْليّ يُغَطِّي مُختلِف أنواع الارتهان الاجتماعيّ والتاريخيّ التي تُحوِّل العمل السِّياسيّ «بﭑسم الدّوْلة» إلى عَملٍ ضدّ «المُجتمَع» في المدى الذي يَصيرُ ذلك العمل تَشْريعًا مُنَظَّمًا يُبرِّر العَجْز الفِعْليّ عن تَحْقيق آمال جُمهور «المُواطنِين» ويُسوِّغ تَسْخير إراداتهم بتَرْسيخ آليّات «الاستلاب» عُزُوفًا عن السِّياسة وإدْمانًا على أنماط الاقتصاد الاستهلاكيّ والاسْتمتاعيّ.
إنّ «الدّوْلة» ثَمَرةٌ لسَيْرورةِ «التّرْشيد» قبل أن تَكُون آليّةً موضوعيّةً لتحقيقه. وكونُ «التّرْشيد» يُمثِّلُ نتاجَ «الاقتصاد الاجتماعيّ» كصَيْرُورة تاريخيّة غير خَطيّة يُوجب أَلَّا يُنْظَر إلى «الدّوْلة» كما لو صارتْ البَديلَ الحديثَ والضّرُوريَّ لِ«المُجْتمَع» بما يَحْصُر «التّرْشيد» في حُدود ما يُمكن أَجهزةَ «الدّوْلة» تصوُّرُه وإنْجازُه كأجهزة محكومة في عملها فقط بما تُتيحه إجراءات القانُون ومُناوَرات السِّياسة. والحال أنّ «التّرْشيد» سَيْرُورةٌ مُجتمَعيّةٌ مُؤسَّسةٌ أَخلاقيًّا ومفتوحةٌ عمليًّا على النّحو الذي يَجعلُها الإطار الثّقافيّ والرُّوحيّ الذي يُعطي ل«الدّوْلة» مشروعيّتَها ومعناها.
وفي المدى الذي يُعَدّ «التّرْشيدُ» غايةَ العمل البَشريّ، فإنّ صَيْرُورةَ «الدّوْلة» إلى العمل ضدّ «المُجْتمَع» لا تَعني فقط حُصول الاختلال في أداء وظائفها، بل تُشير إلى أَنّ المُجتمَعات البَشريّة ستُواجه - من الآن فصاعدًا- مُشْكلات «التّرْشيد» بما يَتجاوز حُدود «الدّوْلة الحديثة» ويَتحدّى هِمَمَ الأجيال النّاشئة والقادمة لبناء أَشكالٍ تَنْظيميّةٍ وآليّاتٍ إجْرائيّةٍ تَكْفُل، بالفعل، تَحقُّق أَكثريّة النّاس ب«الرّاشديّة» عملًا بواجبات «التّنْوير» و«التّحْرير» في إقامة مُجتمَعاتٍ يَسُودُها «التّكافُل» و«التّسامُح» و«التّعارُف» بَدلًا من مُجتمَعاتٍ ظلَّتْ تَحكُمها شُرُوطُ «التّفاوُت» وعَلاقاتُ «التّنازُع» إلى الحدّ الذي صار يُنْظَر إليها – بما هي شُرُوطٌ وعَلاقاتٌ- بصفتها الأساسَ الضّرُوريَّ لمَشْرُوعيّةِ «الدّوْلة» نفسها كمجال للتّدبير الإداريّ والسِّياسيّ لشُؤُون المُجتمَع. غير أنّ المُفارَقة تَكْمُن في أنّ مجالَ التّدْبير ذاك لا يَسمَحُ إِلَّا بﭑستدامةِ أشكال «السّيْطرة/الغَلَبة» وإعادة إنتاجها كأَقْدارٍ مَحتُومةٍ ﭐجتماعيًّا وثقافيًّا على «المُواطِنين» الذين ليس أمامهم إِلَّا أن يُذْعِنُوا لها في إطار ما تَفْرِضُه عليهم واجباتُهم المَدنيّة التي تَتفانى «الدّوْلة» - بِكُلِّ أجهزتها ومُؤسَّساتها- على إقناعهم بأنّه من دُون أَدائها لا سبيل لضمان حُقوقهم الأساسيّة (كحُقوق إنسانيّة يُفترَض أنّهم يَبْقون مُتساوين فيها جميعًا حتّى مع أُولئك «المُواطِنين» الذين يَجِدُون أنفسَهم - لأسبابٍ ﭐجتماعيّةٍ وتاريخيّةٍ- ضمن فئات «المَحْظُوظين» مِمّنْ لهم حُقُوقٌ مشروعة «بﭑسم الدّوْلة» يَتميَّزُون بها عن سائر «المُواطِنين»!).
وبالتّالي، فإنّ رهاناتِ «التّرْشيد» في ﭐقْتضائها ل«التّنْوير» و«التّحْرير» لا تَتّخذ صُورةَ «التَّدْوِيل» («الخُضوع لنُظُم الدّوْلة») إلَّا كضَرُورةٍ وَسِيلِيّةٍ وإجْرائيّةٍ ينبغي دائما تَسْديدُها أخلاقيًّا حتّى لا تَتحوّل إلى غايةٍ في ذاتها فيَصير «المُجتمَع» كُلُّه وسيلةً مَوْقُوفةً لخدمتها. وليس معنى هذا سوى أَنّ ﭐشتغال «الدّوْلة» لا يكون في صالح «المُجتمع» إِلَّا بقدر ما يَصيرُ «التَّدْوِيلُ» خادمًا ل«التّرْشيد» فيُثْمِرُ مَزِيدًا من «الرّاشديّة» بما يَجعلُ أعضاءَ «المُجتمَع» أقدرَ على المُشارَكة والمُراقبَة في كُلِّ ما يَهُمّ تَدْبيرَ «الشّأْن العامّ» الذي لا يَعُود، من ثَمّ، «دُوْلَةً» بين أَيْدِي فئاتِ «المُسيْطِرين/الغالِبين» بصفتهم وَحدهم المُستفِيدين من اللّعِب الخاصّ في مَجال «الدّوْلة».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.