هل تبحثُ عن ملعقة صَدِئة؟ في سوق كاساباراطا تجدُها. هل تريد شراءَ حاسوب محمول؟ عليك بسوق كاساباراطا. هل تعطل هاتفك الذكي وتريد إصلاحه؟ سوق كاساباراطا لديه الحلّ. من أصغر وأتفه الأشياء إلى أهمّها وأغلاها ثمنا، في سوق كاساباراطا يوجد ويباع كلّ شيء. في هذا السوق تُباع كل السلع، ويختلط الصالح بالطالح والحابل بالنابل. منذ حوالي عقدين، ازدادت شهرة سوق كاساباراطا أكثر فأكثر، فأصبح قبلةً لجلّ ساكنة طنجة بالدرجة الأولى، ولزوّارها المقيمين والعابرين، بل والقادمين من وراء البحار أو جنوب الصحراء. أصبح سوق كاساباراطا مقصد كلّ من له حاجةُ شراءٍ أو بيع أو إصلاح، ومآربَ أخرى. تاريخٌ وتغييرات "كاسابارطا" كلمة إسبانية من جزأين: (Casa-barata)، وتعني الدار الرخيصة، وقد أُطلِقتْ على الحيّ الذي يوجد به السوق من طرف الإسبان الذين عاشوا به في خمسينيات القرن الماضي. ورغم أنه كان دائما من أسواق المدينة الرئيسية منذ نشأته، إلا أن مساحة سوق كاساباراطا ظلت صغيرة جدا مقارنة بما هي عليه الآن، وكان ما يباع فيه محدودا، إذ كانت محلاّته تركز على بيع الملابس والخضروات عموما، وبضع أجهزة إلكترونية لا تكاد تذكر. كان السّوق يعرف أيضا ببيع الأكباش في محيطه في أعياد الأضحى؛ وهو الأمر الذي توقف بعد أن تدخلت السلطات وأبعدته إلى أسواق وفضاءات أخرى. في منتصف التسعينيات، ومع ثورة التكنولوجيا، بدأ السّوق يتململُ وتظهر عليه أمارات تطوُّر وتوسّع، فبدأت محلات بيع الحواسيب والهواتف المحمولة تظهر الواحدة تلو الأخرى، بموازاة مع انسحاب بائعي الخضر تدريجيا من محلاتهم التي لم يعد يصل إليها متسوّق بعد ظهور الأسواق العشوائية، أو ما يعرف ب"الفراشة". هذه المحلات ستتحول إلى بيع كل ما تنوّع واستجد من سلعٍ حديثة، كالهدايا والورود والثريات، إضافة إلى الأجهزة الإلكترونية. حرائق وتوسّع.. وفلّوجة بالنسبة إلى "جوطية" السوق، فمبناها الرئيسي المتوسطّ المساحة لازال موجودا، لكنها لم تعد "جوطية" حقيقية، إذ أصبحت محلاتها تبيع الجديد من السلع، بينما أصبحت مساحة أخرى أكبر هي "الجوطية" الفعلية، وفيها يباع قديمُ الثياب وجديدها في الوقت الراهن. يقول أحد الباعة القدماء في السوق: "هذه "الجوطية" ظلت مصدر صُداع للبعض، لهذا تعرّضت للحرْق مرّتين، في محاولة لطرد الباعة واستغلال أرضها". ويضيف "رضوان. ح"، بائع في السوق ذاته: "الحريق الأخير الذي أضرم سنة 2007 كان مصيبة في بادئ الأمر، بعد أن احترقت كل المحلات، لكن النقمة تحوّلت إلى نعمة بعد أن بنت لنا السلطات محلاّت محترمة، فأصبحت "الجوطية" سوقا معترفا به". ظهور "الجوطية" بشكلها الجديد زاد من مساحة السوق كثيرا، وزاد من محلاّته، وبالتالي من تنوّع السلع والأنشطة. على الجانب الآخر، وخلف مسجد طارق بن زياد الشهير ب"مسجد السعودي"، يوجد ملحق آخر للسّوق تباع فيه المتلاشيات، ويطلق عليه اسم "الفلوجة". هذا الملحق كان عبارة عن محلاّت تم بناؤها في التسعينيات، لكن نظرا لوجودها في منطقة شبه نائية آنذاك ظلّت مهجورة لسنوات (لحظتها سميت بالفلوجة)، قبل أن يتم استغلالها مؤخرا وتحويلها إلى سوق لبيع المتلاشيات. في "الفلوجة" يباع كلّ ما قد يخطر على بالك، فقد تصدم عندما تجد محفظة جيبٍ بالية معروضة للبيع أمامك، أو كتابا مدرسيا قديما؛ وفي المقابل قد تجد أمامك شاشة تلفاز ضخمة من النوع الحديث. عشّاق الكنوز القديمة يحبّون هذا السوق كثيرا، وعلى رأسهم الأجانب الذين يبحثون عن أشياء قد يكون غفل عنها شخص ما، وتكون ذات قيمة حقيقية مادية ومعنوية. يقول (ع.س)، أحد المتسوّقين المدمنين على سوق "الفلوجة": "من حين إلى آخر أزور هذا السوق وعيني على الكنوز التي لا ينتبه إليها أحد. عثرت مؤخرا على دليل هاتف لمدينة طنجة يعود لخمسينيات القرن الماضي، وقد اشتريته بثمن بخس لم يتجاوز عشرين درهما". صُور بالأبيض والأسود، وتحف قديمة تخلّص منها أصحابها، وأثاث بعضه لازال في حالة جيدة وبعضُه مجرد قطع متراكمة، ومجلاّت قديمة بعضُها بلُغاتٍ لا تخطر لك على بال. أشياء مذهلة تجعلك تتساءل بحيرة: من الأحمق الذي سيشتري هذه الأشياء؟. ويقول "ع.ه"، أحد الباعة بسوق الفلوجة: "إنها رحمة الاختلاف. ما قد يعتبره البعض مجرّد قمامة قد يهم البعض الآخر كثيرا. مسمار مهمل قد لا يعني شيئا لك، لكنه قد يعني الكثير لشخص توقفت آلته ولا يمكن تشغيلها إلا بتثبيت ذلك المسمار..رزقنا يعتمد كثيرا على الصّدف، وعلى وجود زبائن لكل شيء، فقط أنت لا تعلم متى يأتي ذلك الزبون". أجانب ومواهب يزور سوق كاساباراطا عدٌد لا بأس به من الأجانب من كلّ الدول، ولكلّ منهم مبتغاه وهدفه، وعن ذلك يقول الشاب "توفيق مزيد"، صاحب محلّ لبيع الهواتف المحمولة: "من خلال ملاحظتي فإن أغلب ما يقومون باقتنائه هي الأحذية البلاستيكية وأواني الفخار، كما أنهم يُقبلون بشدة على الفواكه الجافة أو ما نسميه نحن (الفاكية)، ويتواجدون بكثرة في السوق أيام السبت والأحد، وفي كلّ مرّة نجد أمامنا متسوّقا من جنسية مختلفة، لكن – عموما – يبقى الإسبان هم الأكثر تواجدا هنا". أما آخر الزوار الأجانب من المشاهير لهذا السوق فكان أسطورة الكرة الهولندية "يوهان كرويف"، الذي خلق الحدث بتجوّله في السوق هو وزوجته بتاريخ 24 دجنبر الماضي، إذ التقط معه عدد من الباعة والمتسوقين صورا تذكارية؛ بينما قال لنا "حمزة.ب"، أحد الباعة الذين دخل "كرويف" إلى محلهم: "لقد كان يعتزم شراء حذاء رياضي لابنه، لكنه لم يجد الوقت لذلك من كثرة طلبات أخذ صور معه، فغادر للأسف دون أن يحقق مبتغاه ومبتغايَ أيضا بأن أبيع شيئا لهذا الأسطورة". أفارقة جنوب الصحراء المقيمون بطنجة وجدوا أيضا في السوق ملاذا لهم، كمتسوّقين أحيانا، وكبائعين للمجوهرات والهواتف الذكية في أغلب الأحيان، وطبعا بطريقة البيع المتجوّل وليس بامتلاك محلاّتٍ داخل السوق، والتي وصلت أسعارها إلى أرقام خيالية، كان آخرها صفقة بيع محلّ متوسط الحجم بحوالي 120 مليون سنتيم، حسبما أفاد باعةٌ من عين المكان. ومن الطريف أن روح المرح تطغى كثيرا على سوق كاسابارطا، ربّما لأن أغلب الباعة من الشباب الذين يكونون مجتمعا متلاحما وخفيف الظل؛ في كلّ مرة يكتشفون موهبة ما، ويقومون بتصويرها ثم عرضها على موقع "يوتيوب". ولعلّ أشهر هذه المواهب شاب يقلد صوت المذيع الرياضي المشهور "عصام الشوالي" بشكل مبهر، وكذا مهاجر إفريقي يغني باللغة الهندية بصوت رائع، إضافة إلى اكتشاف أخير، وهو شخص يشبه لاعب برشلونة البرازيلي "نيمار" كثيرا، التقط الباعة صورا تذكارية معه. مشروع تخرّج.. ولصوص توسّع سوق كاساباراطا أفقيا يبدو أنه حرّك سنة 2013 حماس الطالبين المغربيين "عبادي عادل" و"بن بلا حمزة"، اللذين يدرسان بالمدرسة الخاصة للهندسة (Esa Paris)، كي يجعلاه مشروع تخرّجهما تحت عنوان "نظرية التطور"، والذي عرضا من خلاله تصورّهما للتوسّع العمودي لسوق كاساباراطا لمعالجة مشكل الازدحام والتوسع الأفقي غير المحسوب. وعرض الطالبان تصورهما من خلال مقطوع "فيديو" ثلاثي الأبعاد، بثّ على "يوتيوب" وأثار، آنذاك، الكثير من الإعجاب المشوب ببعض الحسرة من عدم إمكانية تحقيقه. كل ما سبق لا يمنع من أن لسوق كاساباراطا وجهه القبيح، ويتمثل بالدرجة الأولى في انتشار اللصوص فيه بكثرة بين المتسوقين، فكم من هاتف محمول خطف من متسوّق، وكم من حافظة نقود اختفت في طرفة عين. المخدّرات الصلبة وزيادة أعداد ما يعرف ب"الجناكا"، زاد من عمليات السرقة التي أصبحت تطال مؤخرا حتى المحلات نفسها، إما بطرق ساذجة، أو بطرق خبيثة تكاد تكون احترافية. ولا تكاد تمرّ أيام قليلة إلا وترصد كاميرات المراقبة، التي ثبتتها مجموعة من المحلات، لصّا أو أكثر وهو يقوم بعملية سرقة، كان آخرها رصد لحظة سرقة 4 ملايين سنتيم من خزانة أحد المحلات، وسرقة مجموعة هواتف محمولة من محلّ آخر ليلاً، ناهيك عن السرقات اليومية التي ترصدها الكاميرات لبعض من يتظاهرون بأنهم متسوقين، لكنهم سرعان ما يستعملون خفة يدهم لخطف ما خفّ وزنه وغلا ثمنه. لذا، من الأفضل ألا تنسيك متعة التسوق وتنوّع المعروض في سوق كاساباراطا أن هناك أعينا تتربص بلحظة غفلة منك لتحوّل المتعة إلى كدر..فاحذر!